معرض بيروت الدولي الـ60 للكتاب: ثقافة ’الورق’ تنافس تكنولوجيا الإنترنت الحديثة

 حين تدخل معرض بيروت العربي الدولي للكتاب في البيال، تحار من أين تبدأ. المعرض الذي افتتح منذ أيام دورته الستين للعام 2016، ويستمر حتى 14 من الشهر الحالي، تشارك فيه 250 دار نشر، وتعرض في أروقته آلاف الكتب والمؤلفات التي تبهر القراء وتشدهم لتصفحها بعناوينها الشيقة.

"زحمة" طلاب رافقت أول أيام المعرض. بعض المدارس والثانويات لم تلتزم بموعد فتح الأبواب في الساعة العاشرة صباحًا، بكّرت في الحضور لتكون أولى المشاركين، وانتظر طلابها في الباصات خارجًا بعض الوقت ريثما يفتتح المعرض أبوابه.

إلى الداخل در، روادٌ من كل الأعمار، طلاب مدارس لم يتعدوا السبع سنوات، حضور لافت من كبار السن، يبحثون ويمحصون بنظاراتهم وبشغف العناوين التي تهمهم وسط دور النشر المتعددة، أما الشريحة الطاغية على غيرها في المعرض فهي فئة الشباب، أكثر ما تجدهم عند دور مثل "مالك" و"مكتبة أنطوان" وغيرهما من الدور التي تلقى إصداراتها رواجًا لدى هؤلاء.

وحول أهداف المعرض، يوضح القيمون لموقع "العهد" الإخباري، أن هدف نادي الثقافة العربي من إقامة المعرض  للسنة الستين على التوالي، هو توعية الجيل الجديد وتوسيع دائرة ثقافته العامة.

ويؤكد القيمون على المعرض للموقع، أن نسبة الإقبال تزيد سنة بعد سنة، إن لجهة دور النشر المشاركة والتي زاد عددها هذا العام 20 دارًا جديدًا عن العام المنصرم، أو لجهة كثافة الإقبال على المعرض مع تزايد سنوات افتتاحه، ما يجعله يحصد المزيد من النجاح.

في المقابل، يلفت القيمون إلى أن أرباح دور النشر تتراجع وتتفاوت، محيلين السبب لانخفاض القدرة الشرائية للقارئ، الذي يئن تحت وطأة الأوضاع الاقتصادية المتردية التي ترخي بثقلها على المشاركين ما يجعلهم يكتفون بالزيارة، لعدم القدرة على الإنفاق على الكتب.

وخلال جولتنا في المعرض، نلتقي برئيس اتحاد الناشرين الأردنيين فتحي البس، الذي يؤكد لـ"العهد" أن قدومه إلى معرض بيروت تقليد سنوي يحرص على القيام به، ويضيف قائلاً:"صناعة النشر في لبنان صناعة تنويرية، ثقافية، اقتصادية متعددة الأبعاد، ولا غنى للعرب عن ثمرات المطابع في لبنان".‎

يتابع البس، مؤكدًا أن "أمة إقرأ تقرأ، لكن المهم ما الذي يقدَم للقارىء لجهة ما يستحق القراءة وما لا يستحق"، ويضيف:"الاضطراب الفكري والسياسي الذي تعاني منه الأمة، فضلاً عن الضائقة الاقتصادية التي يمر بها العالم العربي، تلعب دورًا في تراجع نسب القراء العرب، وبرغم اعتقاد البعض أن سبب تراجع القراءة هو التكنولوجيا الحديثة، إلا أن ذلك يبقى غير دقيق، باعتبار أن التكنولوجيا الحديثة موجودة في العالم، فلماذا يقرأ الغرب ولا نقرأ نحن مثلاً؟".

ويختم رئيس الاتحاد الأردني حديثه، بالقول:"لا يزال هناك من يطالع لتحصيل الثقافة والمتعة الفكرية، وفي المقابل هناك من يلجأ إلى وسائل التكنولوجيا الحديثة لكسب المعرفة السهلة البسيطة، وهذه الأخيرة لا يُعوّل عليها في حال لم تُدعّم بثقافة الكتاب".

ولعل اللافت في المعرض هذه السنة هو مشاركة دور نشر سوريةافتتحت لها فروعًا في لبنان بفعل الأزمة، وعيّنت وكلاء لحسن إدارة إصداراتها من لبنان، منهم الوكيل اللبناني لدار ربيع للنشر- حلب مصطفى طفيلي، الذي يؤكد للموقع أن الإقبال على الدار كثيف هذه السنة، ويشير إلى أن العولمة وتكنولوجيا الاتصال الحديثة ووسائل التواصل الاجتماعي بكل أنواعها لم تستطع إلغاء متعة مطالعة الكتاب الورقي.

ن جهتها، لم تخف إحدى فتيات مدرسة المهدي (شاهد)- فرحتها، وعبّرت عنها بحماسة كبيرة لقدومها مع مدرستها إلى معرض الكتاب الدولي في البيال، وقالت:"جئت إلى دار مالك للنشر لأن لديه كل جديد من الإصدارات المتنوعة".

أما إحدى طالبات الجامعة اللبنانية، فلفتت بدورها إلى أن معرض بيروت الدولي للكتاب حدثٌ مهم بالنسبة لها، وتمنت لو يقوم القيمين عليه بافتتاحه غير مرة في السنة.

طالبة جامعية أخرى، أوضحت بدورها بأنها أتت لتتعرف على جديد الإصدارات بهدف استكمال العمل في الابحاث الجامعية، ولفتت إلى أنها تجد في هذا المعرض ضالتها من الكتب التي تهمها لدراستها الجامعية، قائلة:"من الضروري أن نعود لمطالعة الكتب، خاصة في زمن الثقافة السطحية التي يكتسبها الشخص عبر مواقع التواصل الاجتماعي التي لا تغني من ثقافة ولا تسمن من معرفة".

نتجه الى إحدى زوايا المعرض، فيصادفنا كبير في السن وهو يسأل إحدى دور النشر عن كتب في القانون، يقول للـموقع:"أنا كاتب عدل متقاعد، أنتظر هذا المعرض من عام لعام، عمري 75 سنة ولا زلت أقرأ يوميًا ما يقارب الساعتين يوميًا، كما أني أؤلف كتبًا تتعلق بالقانون"، ويؤكد ذو الباع الطويل في القراءة والكتابة أن عالم التكنولوجيا الحديثة المبهر لا يلغي متعة مطالعة الكتب الورقية أبدًا".

نختتم الجولة بعد ساعات، ونعود وكأننا لا نود أن نفارق هذا الصرح الثقافي والفكري، لكنّ أملاً يحذونا بأن نتمكن من أن نغترف وننهل من خزائن كتب المعرض التي حملناها معنا بعضًا من معرفة وثقافة، علّه يكتب لنا العودة والزيارة مرة ثانية وثالثة. 

إضافة تعليق

1 + 0 =
Solve this simple math problem and enter the result. E.g. for 1+3, enter 4.