الطيور الرشيدة : د. محمد موسى باباعمي

أعجزتُ أن أكون مثل هذا الغراب؟!..الطيور هي أكثر المخلوقات إثارة لاهتمام بني البشر منذ أقدم العصور؛ ولعلَّ أول التقاء طبيعي جدلي بين الإنسان والطير، كان يوم قتل أحد ابني آدم أخاه بدافع الغيرة، والتقى بطائر “مات أخوه” لكن ليس بيده ضرورةً، ولا بدافع الغيرة أكيدًا…

هنالك، تحركت عاطفة الإنسان القاتل، فأشفق من جسد أخيه أن يتعفَّن، أو تأكله السباع الضارية والطيور الجارحة، فقرَّر أن يواري سوأة أخيه، لكن لم يهتد إلى الوسيلة والطريقة؛ وتدخلت قدرة السماء لتبعث له مَن يفترض فيه أن يقتات من جسد أخيه (الغراب)، ليريه كيف يحميه منه ومن منقاره ومخالبه…: “فبعث الله غرابا يبحث في الأرض، ليريه كيف يواري سوأة أخيه”، ولو كان هذا الغراب صاحب حيلة لما علَّم القاتل ما علّم، ولَمَا حرم نفسه من صيد ثمين..

ازدادت حسرةُ الرجل، فصرخ بأعلى صوته: “يا ويلتا، أعجزت أن أكون مثل هذا الغراب فأواري سوأة أخي” وكان المشهد أن أصبح من النادمين…

والحق أنَّ هذه الصيحة لم تكن آخرَ حسرة يغبط فيها الإنسان الطير؛ فلقد غبطه يوم أحاط بما لم يُحط به، وجاء من سبأ بنبأ يقين… ولا يزال يغبطه وهو يحلّق في السماء حرا طليقا، لا يحدُّه حدٌّ، ولا تضبطه قوانين، ولا تقيِّده جوازات سفر ولا تأشيرات… حتى كاد “ابن فرناس” أن يُودِي بحياته محاولا تقليد الطيور المحلقة، وكان ضحية نسيان “الذيل” لا غير.

هذه الملاحظ تُعطي التفوق للطيور على حساب الآدميين، غير أنَّ ثمة أمورا كثيرة يتميز فيها الإنسان، ولكن لا نعرف: هل تفهم الطيور هذه الفروق؟ وهل تغبط الإنسان فيها؟ وإن كنا نرجح خلاف ذلك.

فهذه – إذن – أوَّل مفارقة تجعل الإنسان هو المميَّز وهو الأفضل: إنه العقل والتفكير، واللسان والتعبير.

ولا شك أنَّ بحثا في الفروق بين المخلوقيْن سيكون له أعظم الأثر، وبخاصَّة لو جاء على صيغة قصص علمية فنية، أو بحوث مخبرية عميقة. ولسنا في هذا المقال بصدد إجراء هذه الدراسة على أهميتها، وإنما ندفع إلى سؤالين بديعين هما:

 

سؤالان: عن الحضارة والرشد

*هل يمكننا أن ننعت الطيور بأنها “متحضرة”، ونتحدث عن شيء يسمَّى: “حضارة الطيور”؟

*وهل يعقل أن نصف الطيور “بالرشد والرشاد”، ونؤرخ لشيء يسمَّى: “الطيور الرشيدة”؟

أمَّا السؤال الأول عن “حضارة الطيور”، فقد عالجه الفيلسوف “ألفرد نورث وايتهد”، ثم أجاب عنه بالسلب، وعلل ذلك بأنَّ الطيور “تفتقد أفكارا ذات تعميمية كافية، وثيقة الصلة بأفعالها، والعالَم المحيط بها” ويقول بعد ذلك: “إنَّ حبَّ الطيور وشغفها، وجمالية أدائها، تستدرُّ محبَّتنا وحناننا مقابل ذلك، غير أنَّ الحضارة أكثر من كلِّ ذلك، وفي إطارها الأخلاقي يمكن أن تكون أقلَّ من ذلك”

إذن، فالقدرة على “الفهم، والتعميم، والقياس، والاختبار، والإحساس بالأهمية…”ّ هي المحدِّد الأساس لكل حضارة، غير أنَّ الطيور وكل الحيوانات، حتى التي توصف بأنها من النوع الراقي، مثل الكلاب والقرود، تفتقد هذه الخصائص والملكات الإدراكية المعرفية العميقة، وهذا يلخصه قولنا “العقل مناط التكليف” مع تحوير بسيط لنقرر أنَّ “العقل مناط الحضارة وشرط لها”

وبعد هذا التحليل، يمكن أن نعلن أمام الذين يتبجحون بكون الإنسان مجرَّد حيوان غريزي: ينطلق من رغبات جنسية (فرويد)، أو تحكُمه دوافع اقتصادية (ماركس)، أو يضبط جنسه الانتخابُ الطبيعي (داروين)… نعلن أمام هؤلاء أنَّ الإنسان أكبر من ذلك وأكثر، وأعلى من هذه الدركات التي أنزلوه فيها، ونكرِّر من المسيري رفضه القاطع “حوسلة الإنسان” – أي تحويله إلى مجرد وسيلة –، ونسانده في دفاعه عن الإنسان/الإنسان عوضا عن تكريس مفهوم الإنسان/الشيء أو الإنسان/المادة… ولا مجال في منظومتنا المعرفية للمنظور الحلولي الذي يفني الروح في المادة، ويذيب المعنى في الشكل…

ويكون السؤال الثاني الذي نقترحه أعمق وأكثر دلالة من الأول – في نظرنا –، وذلك أننا حين الحفر في دلالة الرشد، انتهينا إلى أنه يأتي في مرحلة أكثر تطورا وندرة من الحضارة: فهل يمكن أن نقول عن تجمع للطيور: إنها طيور رشيدة؟

سفاهة الطير، أم سفاهة البشر؟

الحقُّ أنّ الحديث عن الرشد يستلزم استحضار نقيضه، وأدق مصطلح في التعبير عن هذا النقيض هو “السفه”، فهو مصطلح قرآني عميق، وله مدخل فقهي  وقانوني يندرج ضمن أحكام المعاملات، يُعرف بـ”باب أحكام السفيه”.

فالسفيه هو الذي “يتصرف في ماله خلاف مقتضى العقل”، وهو في دلالته المعرفية أعم، أي “مَن لا يحسن التصرف في الأشياء، ويخطئ التقدير والتدبير”.

وإذا كان الحكم الفقهي على الأوَّل – سفيه المال – هو “الحجر” وسلبه حق الملكية وحقَّ التصرف في ماله، حيث يقول تعالى: “ولا تؤتوا السفهاء أموالكم التي جعل الله لكم قيما”؛ فإنّ الحكم على الثاني – السفيه المعنوي – هو ذاته، لكن بتعميم النسبة، ومن ثم يمنع من التصرف في كل شيء، إلا بمقدار.

ولا ريب أنَّ السفهاء في المال قلًّة، لكنَّ السفاهة في السياسة والثقافة والفكر والحضارة، أي السفاهة المعنوية هي الغالبة اليوم على بني البشر، وبخاصَّة مَن يعيش منهم تحت سقف “القلةّ” و”التبعية” و”اللافعالية”.

فهل يمكننا أن نطلق على طائر أو على سرب من الطيور صفة السفاهة؟ ونقول عنه: إنه طائر سفيه؟ وعن السرب: إنها أمَّة سفيهة؟ ومن ثم نصف الكل بأنه “لا يحسن التصرف”؟

أم أنَّ الغريزة هي الحاكمة، حتى وإن وصفها تعالى بقوله: “وما من طائر يطير بجناحيه إلا أمم أمثالكم”، إذ الشبه ليس في الرشاد أو السفاهة، لكنه وجه الشبه يختصر على التنظيم والعلاقات والانضباط، مع اختلاف في أسبابها ومؤداها؟

لا يختلف اثنان أنَّ الافتراض الثاني – الغريزي – هو الأقرب للصواب، بناء على الملاحظات الحدسية، والتجارب العلمية.

 

الرشد والانتقال من حال إلى حال:

ثمَّ إنَّ الرشد يفترض نوعا من الانتقال من حال إلى حال، فالذي لم يكن راشدا البارحة، قد يكون راشدا بعد حين: “حتى إذا بلغ رشده، وبلغ أربعين سنة”؛ لكن الطيور – خلاف البشر – لا تعرف مثل هذا الانتقال، ولا يمكنها أن تنمِّي إدراكها ليكون مختلفا عن إدراك ما قبلها من الطيور، قبل ألف عام أو مليون عام… فهي هي يومَ خلقها الله تعالى واليومَ ويومَ يفنيها، وهي مجبولة على أفعال معينة مقدَّرة ضمن نظام مخلوق بدقة: “أولم يروا إلى الطير فوقهم صافات ويقبضن، ما يمسكهن إلا الرحمن”، أمَّا الطائرة التي اخترعها الإنسان، فهي خلاف ذلك، إذ بدأت بسيطة فتطوَّرت وتغيَّر فيها الكثير، بفعل العلم والبحث والتجريب… وهي كلُّها صفات مقتصرة على الإنسان لا يشاركه فيها حيوان.

 

ذاتية اتباع الأسباب

وإذا كان الرشد صفة فردية، فإنه – وهذا لب مقالنا – قد يكون صفة جمعية جماعية، ومن ثمَّ يمكننا أن نتحدث عن “مجتمعات سفيهة” و”مجتمعات رشيدة”، والفرق بينها أنَّ الأولى “لا تتبع الأسباب التي سخرها الله لها”، وتفتقد بالتبع “القدرةَ” و”التخطيط” و”التمكين” و”الريادة”… وقد تهوي إلى حضيض أدنى من الدواب والأنعام… أمَّا الأمم الراشدة، فهي تلك التي آتاها الله “من كل شيء سببا، فاتبعت سببا”، لا بقهر قاهِر، لكن بدافع ذاتي تربوي إيماني محض.

ذلك أننا نعرف الرشد بأنه “ذاتية اتباع الأسباب”، وبذلك نواصل ما بدأه مالك بن نبي في نظرية “القابلية للاستعمار” لنرسي نظرية مكمِّلة نعبر عنها بمصطلح “القابلية للرشد”، والفرق بين النظريتين هو أنّ الأولى تعالج الجانب السلبي-الإخلائي من الظاهرة، أمَّا الثانية فتعالج جانب التحلية والبناء، ولكل نظرية بيئتها التي نشأت فيها، ومؤثراتها التي توجهها.

من هنا نقرِّر أنَّ الإنسان الراشد يدرك الشيء ويدرك سببه، أمَّا الطائر فلا يدرك الأشياء إلا مفصولة عن أسبابها العميقة البعيدة، غير أنَّ التقدير الربَّاني عوضها بمهارات غريزية بديلة، تمكِّنها من الحياة البديعة الرائعة، وهي لذلك – فُطرت – على التسبيح بلا كلل ولا ملل: “وإن من شيء إلا يسبح بحمده”، “إنا سخرنا الجبال معه يسبحن بالعشي والإشراق، والطير محشورة كل له أواب”… ويبقى المشكل الجوهري في الإنسان السفيه – إيمانيا وحضاريا – فلا هو ممن اتبع الأسباب، ولا هو ممن رُزق الغريزة بديلا، فمثل هؤلاء لهذا السبب وصفوا أنهم “كالأنعام، بل هم أضل”.

والسبب الأول، أو العلة الأولى باصطلاح الفلاسفة، هو: الله تعالى، الخالقُ لكل شيء، المبدع المقدِّر، الذي أحسن كلَّ شيء خلقه… وقمة الرشد – تبعا لسياقنا – تكمن في “معرفته سبحانه حق المعرفة”، فمن جحده انتفى أن يكون راشدا… ولقد أدركت الجن هذا البعد العميق للرشد، فقالت يوم سمعت القرآن الكريم يتلى: “إنا سمعنا قرآنا عجبا، يهدي إلى الرشد، فآمنا به، ولن نشرك بربنا أحدا”

فهل أمَّتنا اليوم في حاجة إلى “الحضارة”، أم هي أحوج إلى “الرشد”؟

 وهل جمعياتنا، ومدارسنا، ومساجدنا، وأحزابنا، ودولنا… وكل تجمعاتنا، قد بلغت حدَّ الرشد، أم أنها لا تزال ترتع في بِرك السفه والسفاهة، بشتى أشكالها، وبمختلف أنواعها؟

إنَّ إطلالة واحدة على الجرائد الوطنية، والأخبار العربية… وإنَّ نظرة واحدة في الأحوال المحلية، وفي الأزمات العالمية… لتدفعنا إلى القول: بيننا وبين الرشد بعد المشرقين، وهو أكثر ندرة في تجمعاتنا من الماس المفرَك، ومن اليورانيوم المخصب… وفي انتظار بلوغنا درجة الرشد والتمكين والاستخلاف، يمكن أن نتخذ “الطيور قدوة”، فهي أحسن حالا، وأوفر حظا منا…

فاللهمَّ اجعلنا من الراشدين، وأبرم لأمتنا أمرا رشدا… آمين.

 

إضافة تعليق

4 + 1 =
Solve this simple math problem and enter the result. E.g. for 1+3, enter 4.