الحداثة العربية بين الشكل والمضمون

مضى علينا زمن طويل ونحن نطرح – نخباً ومفكّرين وأكاديميّين وأحزاباً وتيارات- إشكاليات بناء دولة المواطنة والقانون والحداثة المؤسّساتية في عالمنا العربي والإسلامي، ونبحث في أسباب بقاء بلداننا ومجتمعاتنا العربية قابعة في سجون التخلّف الفكري والاستبداد السياسي والتأخّر الاقتصادي…

يمكن القول بكلّ تأكيد إنّنا، وحتّى اللحظة، لم ننجح إطلاقاً – على الرغم من تشخيص الداء، ووجود مظاهر شكليّة الطابع والعناوين للحداثة – في بناء ولو نموذج واحد متماسك ومعياري، لدولة أو لمجتمع عربي مدني حديث تكون فيه المواطنة أساس الانتماء والعمل وليس الدين أو المذهب أو الطائفة أو العشيرة أو القومية.. كما لم نتمكّن من استثمار نجاحات دول وحضارات أخرى مزدهرة في عالمنا المعاصر، سوى في نقل أشكالٍ حداثية من دون مضامينها المعرفية تحت ذرائع وحجج واهية من اختلاف السياقات والمناخات الحضارية بيننا وبين الآخرين، وكأنّهم ليسوا بشراً مثلنا، أو كأنّنا لا نتّفق معهم في قيم إنسانية واحدة مشتركة يشعر (ويؤمن) بها ويدافع عنها كلّ إنسان عاقل سويّ بالفطرة على هذه البسيطة، كالحرّية والعدالة والمساواة وإحقاق الحقوق.. وإلخ.

على هذا المنوال يمكن أن نسأل: هل مطلوب دائماً أخذ الدروس والعبر والاقتداء والتأسي بتجربة التنوير والحداثة الغربية من حيث الإجمال العام والملامسة الخارجية الشكلية من دون الدخول في طبيعة البنية المفاهيمية الذاتية والأسس العقلانية والعلمية والإنسانية والمناخ الفكري الموضوعي الذي أسهم في إيجادها وإفرازها؟ أم أنّ المطلوب الاندماج في التفاصيل والاستغراق الكامل –وليس الاستفادة فقط- في عمق تجربة الحداثة الأوروبية بما فيها من أفكار وقيم وتجارب، ووعيها ذاتياً وموضوعياً؟!

ثمّ هل تتناسب معايير حداثة الغرب ومحدّداتها مع طبيعة المناخات التاريخية القائمة والأجواء المجتمعية والقيم والأنماط الثقافية والمفاهيمية السائدة حالياً في بلادنا العربية حتّى اليوم، مع ما هو موجود في معطيات تلك الحداثة ومفاهيمها من بنى معرفية وفلسفية قد تتناقض (أو على الأقلّ لا تتّفق) في العمق مع طبيعة تلك الأفكار والبنى المعرفية الدينية التقليدية التي لا تزال مسيطرة على عقول ناسنا، وتشكّل بنية صلبة راسخة في تربة مجتمعاتنا العربية؟

ثمّ ما هي معايير هذه الحداثة التي نجحت نجاحاً مذهلاً في نقل المجتمعات الغربية والإنسانية عموماً من واقع الجهل المركّب والاستبداد والظلم والتخلّف المقيم المزمن إلى واقع الحرّيات والانفتاح السياسي، وعوالم التقنية العلمية المذهلة؟!

من المعروف أنّ الحداثة – ومختلف الاتّجاهات التنويرية في العالم الغربي- ظهرت إلى الوجود في داخل سياق ومناخ ثقافي وتاريخي مؤطَّر ومحدَّد بسياق تجربة مجتمعية انطلقت مفاعيلها من خلال عصر التنوير الذي أسهم في صياغة أفكاره ومعارفه نخبةٌ من الفلاسفة والمفكّرين الأوروبيّين ممّن أطلقوا نهر الحداثة الجارف، وأعادوا تأسيس العقل الإنساني على معطيات وركائز عقلانية علمية إنسانية جديدة، بعد أن حسمت تلك النخبة لصالحها نتائج المواجهة العنيفة التي حصلت بين أنماط الفكر والمعرفة التقليدية اليقينية السائدة ومحدِّداتها وثورة العقل البشري الذي انتفض على واقع الجمود الديني القروسطي التقليدي. كما كان من أهمّ التجلّيات العمليّة لذلك المناخ وتمظهراته وأبرزها وجود علاقة قويّة وشبه عضوية بين الواقع المتغيّر المتحوّل، والنصّ الثابت المتصلّب الخاصّ باللاهوت الديني المسيحي، وكأنهما حالة متلازمة على مستوى الفكر الديني والفلسفي.

هكذا استمرّت تلك العلاقة المتوتّرة والعنيفة التي امتلك "إكليروس الكنيسة" فيها – منذ البداية- مواقع راسخة وقويّة لرفضها ومحاولة إسقاطها في مهدها قبل أن تفعل فعلها في منع اشتعال روح التغيير.. وقد كان من الطبيعي أن تميل الكفّة لصالح هذا "الإكليروس"، حيث كان الإقطاع الديني المسيحي في أوروبا يحظى بكثير من الإمكانيات المادّية ومواقع القوّة المعنوية، نذكر منها:

  • التمتّع بغطاء سماوي مقدَّس، بكلّ ما يختزنه من نصوصٍ وأفكار وقيم مقدَّسة مهيمِنة على عقول الناس الذاتية والموضوعية، وعلى مشاعرهم وسلوكيّاتهم وطبيعة تفكيرهم وقناعاتهم وأكلهم وشربهم وملبسهم ومعيشتهم ومجمل تصرفاتهم.
  • ارتباط المنظومة الدينية بشبكة واسعة من العلاقات المصلحية النفعية مع قطاع واسع من المواقع الاجتماعية والاقتصادية المؤثِّرة والنافذة في الحياة الاقتصادية والمعيشية للناس، وهو الأمر الذي كان يستتبع ولاءً شبه مطلق منهم للعقيدة والدين والمذهب..
  • وجود دعم مادي ومعنوي لا محدود من قبل السلطات الزمنية الحاكمة لممثّلي الدين، شكّل لاحقاً نوعاً من التحالف المتين بين جهتين، رجال المؤسّسة الدينية، والملوك والقادة والأمراء الإقطاعيّين.

 

هكذا بقيت تلك المواجهات والصراعات (بين الناس والعلماء) واستمرّت لقرون عديدة، وكلّفت المجتمعات الغربية عشرات الآلاف من الضحايا والأبرياء الذين سقطوا على طريق العقل والتفكير والعلم.. حتّى تمكّنت أفكار الحداثة والتنوير المستندة إلى حرّية التفكير البشري وحده من أخذ موضعها في بنية التفكير والحضارة الغربية، ومن أن تثبت وجودها وتمارس دورها على صعيد تطوّرات العلم والمعرفة العلمية والتقنية ومجمل الاختراعات والاكتشافات في كلّ مجالات الحياة البشرية، لتعلن عملياً عن انتصارها الحاسم على خطرَين داهمَين كانا دائمَين ومؤثّرَين بصورة سلبية على تطوّر الحداثة الغربية وسيرورتها، هما:

  • عبء الأفكار الخرافية المسنَدة إلى الدين ومعارف الكنيسة القروسطية الرثّة والبالية التي كانت تحوِّل نظر الناس عن المعطى الديني باعتباره رسالة محبّة ووئام وسلام داخلي، وتُدخِلهم في مواجهات خاسرة، لا طائل منها، مع العلم والعقل والتفكير والبحث والتطوّر.
  • خطر الممالك والنظم الزمنية السلطويّة (ذات العلاقة بشبكات مصالح وولاءات وأنظمة طاعة عمياء) المتصلة عضوياً بدعم الكنيسة.. بما يعني أنّ هناك خطراً حقيقياً من الاستبداد الديني والمجتمعي، وتوظيف الدّين ومفاهيمه، ورسالته، وأخلاقيّاته، واستغلالها في مضمار السياسة والألاعيب السياسية.

وقد أضحت أوروبا والغرب عموماً – بعد سيادة قيم العلم والعقل، وإجراء فصل نهائي بين الجانب العقائدي الديني والجانب الحياتي الدنيوي العملي- نموذجاً لسيادة قيم الحداثة العلمية والتنوير الفكري والمجتمعي التي أفرزت واقعاً حضارياً مدنياً جديداً، قاعدته العلم والعقل ونسبيّة الأخلاق والقيم، وتعميم ثقافة الحوار والتسامح والمشتركات الإنسانية، وقمّته التطور والازدهار وسعادة الإنسان.. وقبل ذلك أن تكون هذه القاعدة الحضارية الإنسانية (وما فيها من حداثة فكرية وتنوير عقلي) هي الثقافة الإنسانية القادرة على مواجهة أيّ حالة يمكن أن تجرّد الإنسان من قيمته وتُشيِّئه (بمعنى أن قيمته تكمن في ما يمتلكه من أدوات ووسائل وأشياء)، وتجعله رهناً للأهواء والنزعات والقيم الاستهلاكية الفارغة والخالية من أيّة مضامين فكرية رصينة.

وإذا كان الغرب قد بنى نهضته الحديثة على العقل والعلم، وانطلق من خلال الطبقة الليبرالية التي تكوّنت خلال مخاضات عسيرة، لتبني قيم مشروعها الليبرالي القائم على الحرّيات العامة وتحمله، وبخاصّة حرّية التعبير والحرّيات الاقتصادية وغيرها.. فإنّنا نعود ونسأل: أين العرب والمسلمون من ذلك كلّه، بعد أن أضحى مشروع الحداثة الغربية – الذي جاء من خلال عصر الأنوار في القرن الثامن عشر- مشروعاً عالمياً شاملاً بقيم كونية مشتركة؟ هل استفادوا عملياً من قيم تلك النهضة التي شملت جميع مواقع الحياة، وقدّمت مكتسبات حيّة أسهمت في تطوّر الناس وتعزيز قدرة الإنسان على العيش بنجاح وقوّة وسعادة في الحياة؟ وهل تمكّنوا من بناء مجتمعات إنسانية متطوّرة ومزدهرة في بلدانهم؟ وما هو موقع الإنسان والعقل الإنساني وموضعهما فيها؟!

سؤال إشكالي كبير، دونه، فعل عظيم، لا أعتقد أنّ واقعنا العربي اليوم، قادر على تشكيل إجابات عملية واضحة عليه وصياغتها، في ظلّ حالة الهزيمة النفسية والعملية التي نقبع في داخلها جميعاً، وفي ظلّ الفشل الدولَتيّ المؤسّسي الفظيع، وهيمنة تيّارات السلفية الجهادية، وعقلية الاصطفاء الإيديولوجي، والفرار الجَمعي إلى الانتماءات التقليدية ما دون الوطنية، وما دون الحداثية.

إضافة تعليق

2 + 1 =
Solve this simple math problem and enter the result. E.g. for 1+3, enter 4.