سؤال الهويّة وانفجاراتها

عندما وصف هنري إيكن القرن التاسع عشر بأنّه عصر الإيديولوجيا، قدّم على نحو غير مباشر اقتراحاً للمؤرّخين بأن يصنّفوا القرون، وأحياناً العقود، تبعاً للثيمات السّائدة فيها؛ فجاء من بعده من حاول تصنيف القرن العشرين بأنّه الأقصر في التاريخ كلّه، فهو القرن الناقص، لأنّه بدأ مع الحرب العالمية الأولى، وانتهى مع الحرب الباردة، وقد يجد هذا القرن الجديد الذي دشّن ألفيّة ثالثة مَن يصنّفه بأنّه قرن الهويّات وانفجار المكبوت الإثني.

لقد مهّدت موسوعات وأبحاث حول الصراع الإثني لهذا الاشتباك، ومنها موسوعة "مئتان وثلاثون أقلّية في خطر" لمؤلّفها تيد روبرت جار، التي صدرت في نهاية القرن الماضي بتزامنٍ لا يخلو من دراماتيكية مع خريف الحرب الباردة .

وليست مصادفة أن تصدر كتب عدّة، وبمختلف اللغات، عن الهويّة، ليس بوصفها هاجساً مُزمناً في التاريخ اقترن بنشوء القوميات فقط، بل كردّ فعل على العولمة التي بشّرت بإنسانية بلا حدود، وحاولت من خلال ثقافتها حذف الخصوصيات وإخضاع الشعوب عبر استراتيجية القطعنة.

وعلى الرغم من الإلحاح على سؤال الهويّة في هذه الايام، إلّا أنّ هذا الشجن القومي ليس طارئاً، ما دام هناك قويّ يسعى إلى التمدّد وإذابة هويّة ضحاياه. وما الحروب في حقيقتها سوى تجلّيات مُتفاوتة لتحقيق الذات، والبحث عن سبل تتيح لها التفوّق؛ لهذا كانت الإبادات العرقية على امتداد التاريخ ترتكز على أسطورة أثبت العلم الحديث بطلانها، فالبشر ليسوا مصنَّفين إلى دم أزرق وآخر أسود أو عديم اللون، وما انتهى إليه علماء الأنثربولوجيا هو نقض تلك الأطروحات التي تصنّف البشر في خانات تبعاً لألوانهم وأعراقهم أو حتّى معتقداتهم، وتقويضها.

ولم يكن سؤال الهويّة في الوطن العربي بعيداً عن السّياق العالمي الذي شهد أسئلة مماثلة، لكن امتياز هذا السؤال عربياً، هو أنّه لا يحاول ردم الهوّة أو ترميم القطيعة مع الماضي، لأنّ العربي بكلّ مكوّناته استمرّ في التاريخ والجغرافيا معاً، وخاض حروباً دفاعية ضد التّغْريب. لكنّ الهويّة بالمفهوم القومي العربي ذات حدود، وليست فائضة أو متورّمة إلى الحدّ الذي يدرجها في الشوفينية والاستعلاء العرقي، وهذا ما حاول مفكّر عربي استقصاءه لإقامة الفاصل بين الهويّة السّوية والمعافاة، وبين الهويّة المصابة بتضخّم يُسَرْطِنها؛ إنّه د. نديم البيطار في كتابه "حدود الهويّة القومية"، حيث قدّم عرضاً مفصّلاً عبر العديد من الأمثلة عن شعوب استجابت لتحديّات الهويّة، ومنها العرب الذين تعرّضوا أكثر من سواهم للغزو، فكانت دفاعاتهم باسلة قدر تعلّقها بما يسمّيه المؤرّخ أرنولد توينبي "ثنائية التحدّي  والاستجابة". وثمّة من العناوين التي أطلقها مؤلّفوها على أطروحاتهم عن الهويّة، ما يستوقفنا، ليس بسبب الطرافة، بل لأسباب تتعلّق بعنف السؤال عندما يتحوّل إلى مساءلة. هكذا كانت الهويّات في مقترب أمين معلوف قاتلة، ومن وجهة نظر المفكّر الإيراني داريوش شايغان الذي يكتب بفرنسية عصابيّة، وهناك آخرون وصفوها بالخانقة والجريحة والفائضة، وإن كان ما كتبه د. وجيه كوثراني في هذا السياق، يربط على نحو جدلي بين فائض الهويّة، ونقصان المواطنة، لأنّ الهويّة أحياناً تطفو وتتّسع لتحجب ما كان يجب أن يكون جذرها وجوهرها.

هذا ما يذكّرنا بمقالةٍ للروائي ميلان كونديرا قال فيها إنّ الأناشيد الوطنية لدى دول العالم تتورّم وتستطيل وتجنح نحو النرجسية كلّما كانت الدولة أصغر، وأقلّ حظاً في الحضور الكوني، لأنّ المسألة سايكولوجية بامتياز، وهي التعويض بالمبالغة عن شعور بالنَّقص أو الضآلة .

في مقاربة أمين معلوف، ثمّة وعد بالتوصّل إلى إجابة حضارية وإنسانية عن سؤال الهويّة، لكن بعد إعادة صياغته وتحريره، مما سمّاه داريوش العصاب. فمعلوف لبناني وعربي، وفرنسي ومسيحي، وربيب ثقافة إسلامية، واستطاع أن يعثر على المصهر لهذه المكوّنات، بحيث تتكامل بدلاً من أن تتآكل؛ وحين نقرأ كتابه "اختلال العالم"، على الرغم من أنه ليس استكمالاً لكتاب "الهويّات القاتلة"؛ إلّا أنّه امتداد للرؤية ذاتها. فالعالم، كما يقول، دخل الألفية الثالثة ببوصلة معطوبة! وهناك على ما يبدو فارق حاسم بين هويّة تنامت في التاريخ، وأخرى تجري صناعتها. فالهويّة اليهودية، مثلاً، وبحسب ما طرحه إسحق دويتشر في كتابه "اليهودي اللايهودي" مُلْتبسة، وثمّة محاولات قسريّة لصهر الأضداد داخلها وتزاوجها، وربما لهذا السّبب رفض بن غوريون ذات يوم مصافحة دويتشر، بسبب ما كتبه عن الهويّة، وبغير اللغة المقدّسة بالنسبة إلى اليهود الراديكاليين، وهي اللغة اليديشيّة. وحين يكتب مؤرّخ يهودي ينتسب إلى ما يسمّى تيّار المؤرّخين الجدد، هو شلومو ساند، أنّ ما يسمّى الشعب اليهودي، هو اختراع، فذلك يذكّرنا بمقولة شهيرة لماركس، هي أنّ اليهود عاشوا بفضل التاريخ، وليس رغماً عنه.

وهناك أكاديميون بارزون في الدولة العبرية عوقبوا وفُصلوا من الجامعات، لأنّهم لم يلبّوا أشواقاً أسطورية لدى جنرالٍ وحاخامٍ، هما في نهاية المطاف توأمان من رحم المرجعية الإيديولوجية ذاتها، تماماً كما أنّ الدبّابة والجرّافة هما تجسيد للتوأمة بين الاحتلال والاستيطان!

إنّ أطروحات الهويّة، ومجمل مقارباتها على اختلاف الثقافات والمرجعيات، يمكن تصنيفها، ولو إجرائياّ، في نمطين: الأول توفيقي يصل حدّ التلفيق ويسعى إلى استيلاد الهويّة بأنبوب ما، سواء كان إيديولوجياً أم فوهة بندقية، والثاني يتأسّس على وعي الذات من خلال الآخر.

النمط الأول يفضي إلى إقصاء الآخر، سواء كان موجوداً أم مُتخيّلاً، لأنّه العدو الافتراضي الذي أشار إليه آرنولد توينبي، وهو يستمدّ مثاله من صيّادي السّمك. ولعلّ ما سمّاه إدوارد سعيد السردية الوطنية، وهي الترجمة المقترحة لمصطلح الناراتيف، يقدّم إضاءة ساطعة للتعرف إلى الهويّة وآفاقها وحدودها أيضاً، والسردية الوطنية قد تكون حرب استقلال أو أيّة قصّة أخرى ذات صلة بالمقاومة.

الأمر الآخر، الذي لا يمكن تجاوزه في أيامنا، هو ما أصاب الهويّات من تفكيك وتفريغ، سواء كان الدافع إثنياً طائفياً أم جهوياً. فما يجري الآن، هو صراع بين هويّة كبرى وجذريّة ورؤوم، وهويّات فرعية تسعى إلى أقصى الخصخصة الوطنية وتحويل الأوطان إلى كُسور عشرية.

وستبقى هذه التداعيات حول الهويّة وسؤالها المزمن، وهواجسها ناقصة، إذا لم ترتبط بما بثّته العولمة من ثَقافة تحت شعار الإنسانوية، وهي تحديث وعصرنة لمصطلح الكوزموبوليتية الذي شاع في ستينيّات القرن الماضي، لكن بما يليق وهذا التوحّش الرأسمالي، الذي أنتج مليارات المتشرّدين والجياع والمتسلّلين إلى حاضنات الإرهاب التي تعدهم بالرخاء والفردوس.

فالتاريخ له بعده الفيزيائي أيضاً، قدر تعلّق صراعاته وحروبه بالأفعال وردود الأفعال. والهويّات الهاجعة التي أوشكت أن تنتهي إلى فولكلور خرجت من القمقم عندما بلغ تهميشها الذروة وأصبح تَهشيماً. إنّ مَن أطلق على القرن التاسع عشر اسم قرن الإيديولوجيات، لم يعش كي يرى ما جرى في القرن العشرين الذي تُرجمَت فيه حروب كلامية إلى حروب كونية أسالت من دماء القتلى ما يكفي لأن يطفو عليه مَن تبقّوا على قيد الحياة. وما يحدث الآن من صراع الهويّات، سيكون مجاله الحيوي والميداني القادم حروباً قد لا تضع أوزارها إلى الأبد، ممّا يفرض على مثقّفي العالم إصلاح البوصلة التي قال أمين معلوف إنّ العالم دخل بها إلى الألفية الثالثة، وهي معطوبة!

كلّما أُثير سؤال الهويّة قدر تعلّقه بنا كعرب، أتذكّر مقولة لأنطوان مقدسي تختصر الكثير ممّا يمكن قوله عن هذا الشجن القومي، وهي أنّ العربي كانت قامته القومية ذات يوم متطابقة ومتناغمة مع قامته الإنسانية، ثمّ حدث الخلل الذي أوجده الاستعمار عندما أصبحت هناك فجوة تشبه القطيعة بين القامتَيْن.

وهذا بالتحديد ما سبقنا جميعاً إلى تشخيصه ابن خلدون، عندما تحدّث عن ثنائية الغالب والمغلوب؛ فالمغلوب ينجذب نحو الغالب، ويحاكيه، بل يرى فيه النموذج الذي يحاول اقتفاءه، وسواء أطلق على هذه الحالة صفة الاستلاب أم الاغتراب، أم التماهي، فإنّ هويّته القومية جريحة، وِفقاً لتعبير السايكولوجست د. على زيعور.

وأحياناً تبدو القرابة بين كلمتَيْ الهويّة والهواء أكثر من مجرّد حروف متشابهة؛ فالهواء لا نشعر بغيابه، إلاّ في لحظات ندرته، إذ يبدأ الشعور بالاختناق، وكذلك الهويّة، فنحن في الظروف السويّة نتنفّسها، ولا نستشعر غيابها، أو بمعنى أدقّ تغييبها، لكن ما إن تُستهدَف أو تتعرّض للقضم، حتّى يبدأ الإحساس باختناقٍ روحي ووجداني.

وفي عصر بلغ الاشتباك فيه ذروته بين مفاهيم ومصطلحات، أصبحت مهمّة فضّ هذا الاشتباك منوطة بإنتلجنسيا ينطبق عليها تعريف غرامشي للمثقّف العضوي، لأنّ لدينا الآن فائضاً من أشباه المثقّفين الذين حوّلوا الواقع إلى ما يشبه حفلة تنكّرية، لأنّهم أشبه بأطبّاء مختصّين في معالجة الأوبئة في المناطق والبيئات الحارّة، لكنّهم يُقدّمون وصفات لأمراض سيبيريا أو الأسكيمو.

بالطبع، لن يكون سؤال الهويّة، بكلّ ما يتفرّع عنه من أطروحات، سواء كانت أصيلة أم ملفّقة، بمعزل عن المواطنة، وسيكون لأنماط الإنتاج السائدة دورها الحاسم في تحديد منسوب المواطنة واستحقاقاتها. وإذا كان هناك من يسعى إلى إعادتنا إلى حقبة ما قبل الدولة، من خلال التفكيك والفوضى "الباكونينية"، لا الخلاّقة، فإنّ الهويّة أيضاً ستصبح في مهبّ عواصف التاريخ، وكأنّ مصطلح "ما بعد العروبة" البائس، هو المرادف لكلّ المابعديّات، وفي مقدّمتها، "ما بعد الحداثة"!

إضافة تعليق

2 + 7 =
Solve this simple math problem and enter the result. E.g. for 1+3, enter 4.