النحو العربي في ضوء اللسانيات الحديثة لجنان التميمي

نسمع بين الحين والآخر، ونقرأ، ما هو أكثر من الشكوى بسبب وفرة اللحن، والخطأ، في العربية على ألسنة المتكلمين، وهذه الشكوى ليست وليدة أيامنا هذه، فهي من القدم بحيث تعود إلى عصر الخلفاء الراشدين، فقد ُذكر في المصادر الموثوقة أن بعض أئمة المساجد كانوا يلحنون في القرآن. ونُسب إلى عدد من عِلْيَة القوم أنهم كانوا يلحنون، فعبد الملك بن مروان – وهو من هو في الفصاحة والبيان- يقول: شيبني صعود المنابر، وَخشية اللحن. وقيل: إنَّ الحجاج بن يوسف الثقفي نفى أحد مستشاريه إلى خراسان، لأنه أخذ عليه اللحن في قراءة آية من القرآن الكريم.
ولا نبالغ إذا قلنا: إن هذه الشكوى كانت السبب الرئيس لنشأة التفكير النحوي عند القوم، وأن هذه الشكوى- ربما – كات سببًا لوفرة ما ألف، وصنف، من كتب في النحو العربي، وفي الصرف، وهو يكاد يربو على ما ألف وصنف من كتب في نحو اللغات جميعًا، وصرفها. ومع ذلك لم تفلح هذه الكتبُ، والمصنفات، بما تنطوي عليه من قواعد صارمة، ومن تمرينات نحوية جمَّة، في وضع حد لهذه الشكوى، ولا التقليل من شيوع اللحن. وقد لمس القدماء ذلك، وعزا بعضهم استمرار اللحن لتلك القواعد على اختلافها، واختلاف واضعيها، ومذاهبهم، من بصريين، وكوفيين، وبغداديّين، وأندلسيّين. ومن المناسب – ها هنا – التوقف عند رأي A.J.Hoge – أحد خبراء التواصل- الذي يقول مخاطبًا مدرس اللغة الإنجليزية: لا حاجة بك لتدريس النحو لإتقان اللغة، فدراسته تؤثر تأثيرا سلبيًا على تعلم اللغة. لأن الطالب إذا تعلم القواعد، يتجه تفكيره نحو تحليل اللغة، بدلا من اكتساب مهارة التحدث بها، وإن أسوأ الطلاب هم أولئك الذين يتعلمون اللغة عن طريق القواعد. وهو يذهب إلى أبعد من ذلك داعيًا لإحراق كتب النحو، لأن التفكير النحوي – في رأيه- يعيق الطلاقة في الحديث. فإذا أردت التحدث بطلاقة، فلا تشغل نفسك بالقواعد، فبإمكانك أن تبلغ ما تصبو إليه من بديهة لغوية، وسليقة، بقراءة القصص، وتكثيف السماع، والتجاوب مع التساؤلات التي يطرحها المدرِّس، ومن ذلك تتحقق لديك القدرة على إتقان القواعد، كالطفل الذي يتقن قواعد لغته الأم قبل أنْ يسمع بشيء اسمه النحو.
وقد وجدنا ما يشبه الحديث عن هذا عند ابن مضاء القرطبي(592هـ) في كتابه الموسوم بـ :» الردُّ على النحاة « وقبله عند ابن جني في كتابه الخصائص الذي وجّه فيه الانتقاد لبعض النحاة في غير قليل من التحفظ. ووقف المحدثون من النحو التقليدي مواقف متباينة، ففريق يدعو لتجديد النحو، ونبْذِ ما فيه من قواعد تؤدي لمزيد من الخطأ، وأخذوا على المتقدمين تركيزهم على العامل النحوي. ومنهم من أخذ على قدماء النحويّين شغفهم الكبير، وولعهم الأكبر، بالتعليل، مع أن في اللغات أشياءَ كثيرة لا يمكن تعليلها، ومع ذلك يتفننون في استنباط العلل، حتى جاءوا بكل مثير للضحك، وباعث على السخرية، كقول بعضهم، مثلا: إن سبب رفع المبتدأ هو الابتداء، وأن المبتدأ والخبر ترافعا. وقولهم إن المنادي منصوب لأنه مفعول به لفعل محذوف، فإنْ قيل: فما تقدير هذا الفعل المحذوف؟ قالوا « أنادي « أو « أدعو» مع أنَّ هذا لو صحّ، لكان القول خبرًا، وليس نداءً. وقولهم إنْ (أحدٌ) في قوله تعالى ( وإن أحدٌ من المشركين استجارك فأجره) فاعل لفعل محذوف يفسرهُ المذكور، فإنْ قيل: فكيف يكون التقدير؟ قالوا: إن استجارك أحد من المشركين استجارك فأجره. يضاف إلى هذا إسرافهم الشديد في الاتكاء على أمثلة مصنوعة، لا نجد مثلها في ما هو متداول من الكلام، ولا حتى من باب الشذوذ. ونظرًا لما يتصفُ به النحو العربي التقليدي من مشكلات، وجدنا في العصر الحديث من يرفَعُ الصوت عاليًا لضرورة إعادة النظر في ما جاءنا من قواعد نحوية، في ضوء ما جدَّ، ويستجدُّ، من مداخلَ حديثةٍ في نظرياتِ اللغة.
فقد صدر عن دار الفارابي ببيْروت كتابٌ جديد للدكتورة جنان التميمي – من السعودية- بعنوان النحو العربي في ضوء اللسانيات الحديثة، تتبَّعت فيه، بغير قليلٍ منَ الدقة، هذه الأصوات، مشيرة مثلا لعبد الرحمن الحاج صالح، ودعوته لتيسير النحو، بالتركيز على طرائق تعلمه، بدلا من التركيز على قواعده. وقبل ذلك نادى إبراهيم مصطفى (1937) باستبعاد التعليل من النحو، وإسقاط نظرية العامل النَحْوي، وتجنُّب الإعراب التقديري. أما شوقي ضيف (1982) فقد تبنَّى في كتابه « تجديد النحو « ما تبناه إبراهيم مصطفى. داعيًا إلى إلغاء الإعراب التقديري، والمحلّي، وحذف أبواب كثيرة من النحو. وترتيب ما يتبقى من أبواب ترتيبًا جديدًا يخدُم المنْزَعَ الوظيفيَّ. وانتقد تمام حسان في بعض كتبه (1958) النحو القديم، داعيًا لإعادة النظر فيه باعتماد المنهج الوصْفي. ولهذا لا بدَّ لنا – في رأيه- من استبعاد العلل، الثواني منها، والثوالث. أما مهْدي المخزومي (1964) فقد اتخذ مَظهَرَ المُصلحِ في كتابه « النحو العربي؛ نقدٌ وتوجيه «، فهو يحثّ على تنقيح النحو من شوائب الفلسفة، والمنطق الأرسطي، المتمثل في نظريّة العامل، تلك النظرية التي أحالتِ النَحْو إلى تلفيق غريبٍ، ليس فيه من سمات الدرْس اللغوي إلا مَظْهرُه.
وتطَّردُ محاولاتُ تيسير النحو لدى كلٍّ من إبراهيم السامرائي(1968) وعبدُهُ الراجحي(1979) وأحمد عبد الستار(1984) وعبد القادر الفاسي الفهري (1985) وأحمد عبد العظيم(1990) ويوسف صيداوي (1999) وزكريا أوزون (2002) صاحب كتاب» جناية سيبويْهِ « وأحمد مختار عمر، ومحمد شوقي أمين، وكمال بشر، وطه عبد الرحمن، وأحمد الوكيل وغيرهم…
ومن أبرز النقاط، وأكثرها تواترًا، في مشروعات تجديد النحو، وتيْسيره: إلغاء نظرية العامل النحوي، اللفظي والمعنوي، واستبعاد الإعراب التقديري، إلا عند الضرورة. ونبْذ العلل، إلا ما كان منها تعليميًا، بسيطاً، وتخليص النحو من الطابع العقلي، الذهني، والاكتفاء بالقواعد المستخلصة على أساس وصفيٍّ، لا معياريٍّ فلسفي. أما النقلة الجديرة بالانتباه، المثيرة للبْس والاشتباه، فهي تدخل اللسانيات الحديثة في مشروع إعادة النظر في قواعد النحو العربي على أيدي بعض اللسانيّين؛ منهم عبد القادر الفاسي الفهري في» اللسانيات واللغة العربية « وعبد العليم إبراهيم في « النحو الوظيفي « على الرغم مما فيه من نقص، وما أخذتْ عليه من مآخذَ، وعبد العزيز العُصيْلي (1999) الذي أفرغ جهده في توضيح النظريات اللغوية، والنفسية، وتعليم العربية بما في ذلك تعليم النحو. ولم تفتْ المؤلفة الإِشارة إلى مشروع نبيل علي في استخدام الحاسوب، والبرمجيات، لإعادة النظر في النحو، والصرْف، والمعجم اللغوي، والمُصحّح الإملائي.
ومع ذلك، فإنَّ هذه المحاولات، إذا أضيفتْ إليها محاولاتُ عبد السلام المسدي، وميشال زكريا، الذي لم يُردْ ذكره في الكتاب، وطه عبد الرحمن، الذي لم يذكر في الكتاب، ومازن الوعر، وأحمد الوكيل، وعز الدين مجدوب، وعبد القادر المهيري، وخليل عمايره، وغيرهم الكثير.. لم تسلم ممَّن يتصدى لها، ويردّ عليها، ويرى فيها بدعة أهدافُها الحطّ من شأن التراث العربي، والإساءَةُ إلى لغة القرآن الكريم. فالخوفُ من كلّ جديد يكمن وراء هذه النظرة، التي ترتابُ بكل طارئ في النحو، وفي غيره. وهذا الخوف ينطوي- في رأي المؤلفة – على رذيلة فاضحة، وهي الحرصُ على تناول المسائل اللغوية بمعاييرَ غير لغوية، تُفْرَضُ على اللغة من الخارج.
علاوة على ما تشير إليه المؤلفة، ثمَّة من يحاول وضْعَ العصيّ في الدواليب،لإعاقة حركة التجديد، فيحاول عن طريق الدراسات، والبحوث، غير العلمية، نسبة كل جديد في النظر اللساني الحديث للقدماء، فهو فريق يزعم الأصالة التراثية لأيِّ رأي مُسْتحدَث في النحو، كما هي الحالُ في غيره. فإنْ ذكرت لهم شيئا عن النحو التوليدي، أو التحويلي، هبّوا قائلين: وهذا ما قيلَ في كتُب سيبويه، وابن جنّي، وسواهما من البصريين، والكوفيّين. ويتكلف هذا الفريقُ أيضًا إبراز أوجه الشبه، في شيء غير قليل من التعسُّف، بين الرأي الجديد وآراء المتقدّمينَ من علماء النحو، مفرطًا في التأويل إفراطا يصلُ – في بعض الأحيان – درجة إنكار الحقائق التي يؤكدُها الواقع.
على أنَّ ما يُؤخذ على المؤلفة، في كتابها القيِّم هذا، أنها لم تتوسّع في تتبُّع مشروعات التجديد النحوي.
فالقارئ لا يجد في الكتاب إشارة واحدة لأعمال ميشال زكريا،على كثرة ما فيها من رصْدٍ لأنواع التراكيب النحوية في العربية. ولا نجد في الكتاب إشارة لمحاولات مازن الوعر لوضع قواعد توليديّة تحويلية للنحو العربي بادئا بالتراكيب. وهو مشروعٌ يتضمّن أبوابًا عدة من النحو. ولا نجد في كتابها هذا إلا إشارة خجولة لأعمال خليل عمايره، مع أنه يحاول في عددٍ من كتبه، وفي مقدمتها» في التحليل النحْويّ « و « في نحو اللغة وتراكيبها « وضْعَ وصفٍ جديد لتراكيب العربية في ضوء النحو التوليدي – التحويلي. ولا نجدُ إشارة واحدة لأعمال الراحل حماسَة عبد اللطيف، ولا لأعمال مرْتضى باقر، وما كتبه عن النظرية التوليدية التحويلية. ولا إشارة واحدة لأعمال داود عبده، الذي أعاد النظر في نحو الجمْلة الفعلية، والإعراب التقديري، وعلامات الإعراب، وتصنيف النحاةِ للكلِم، وتحديدهم غير الدقيق لخواصّ الأسْماء، والأفعال، والحروف.
ومهما يكنْ من أمر، فإنَّ كتاب د. جنان التميمي، وعلى الرغم من حجْمهِ المتواضع(104ص) كتابٌ يستعرض بإيجازٍ، يصل إلى درجة الشُّح، أثر اللسانيات الحديثة في تجديد النحو العربي من منظور وظيفي وَصْفي، وهو كتابٌ يطرحُ، ويثيرُ، من الأسئلة أكثر مما يقدم لنا من إجابات، فهل اللسانيات الحديثة قادرةٌ على أنْ تغني عن النحو التقليدي؟ وهل يصعُبُ تجديد النحو العربي دون الاستعانة بمعطيات الدرس اللساني الحديث؟ وهل تستطيعُ اللسانياتُ « الحاسوبيَّة « أنْ تسْهم في تيسير النحو التعليمي على الأقلِّ، إنْ لم تسهم في تيسيره كله؟

إضافة تعليق