من أجل صهيون

ظهر الفكر العبري في أمريكا منذ التأسيس، منذ الجنوي الإيطالي كريستوفر كولومبس واكتشاف أمريكا، الذي يلقب بالبطل واليهودي والمقدام..اسمه يعني حامل المسيح أو الصليب. استطاع كولومبس الذي شبّه نفسه بالملك داود، إقناع ملوك أوربا بدعم حملة صليبية رابعة (في سبيل القضاء على إمبراطورية محمد) و(مشروع الهند العظيم)

 

يبدي الناشر عدنان سالم صاحب دار الفكر الدمشقية المعروفة دهشته وذهوله من معلومات الكتاب، برغم أن طرفاً منها ظهر في كتاب منير العكش (أمريكا والإبادة الجماعية) وكتاب بولي فندلي(من يجرؤ على الكلام) وكتاب (لهذا كله ستسقط أمريكا) وبعض الصحف..في هذه الكتاب يركز الباحث فؤاد شعبان بحثه على جانب الدين في الحياة الأمريكية، بإسهاب يصل إلى حد التكرار في بعض الفصول، مركزاً على ثلاثة عناصر: الصورة الاصطفائية في علاقة الأمريكيين مع القدر والله، والاعتقاد الجازم بحتمية تاريخية مقرونة يالايمان اليقيني بخطة شاملة للدهر. والعنصران السابقان مرتبطان بالجغرافية المقدسة وأرض الميعاد، مما يجعل فلسطين والإسلام في قلب المركز من هذه الخطة.

ظهر الفكر العبري في أمريكا منذ التأسيس، منذ الجنوي الإيطالي كريستوفر كولومبس واكتشاف أمريكا، الذي يلقب بالبطل واليهودي والمقدام..اسمه يعني حامل المسيح أو الصليب. استطاع كولومبس الذي شبّه نفسه بالملك داود، إقناع ملوك أوربا بدعم حملة صليبية رابعة (في سبيل القضاء على إمبراطورية محمد) و(مشروع الهند العظيم) تمهيداً لنزول (مملكة الله على جبل صهيون).في كتابه الوحيد (كتاب الرؤيا أو التنبؤات) يعرض أهدافه لتحقيق تنبؤات العهدين القديم والجديد. طرد العرب واليهود من إسبانيا (إلى ارض الميعاد) كان مقدمة مبشرة بالنسبة له لتحقيق الهدف.

تبدأ الأرضية التاريخية لنشوء اليمين المسيحي في التراث اليهودي منذ حركة مارتن لوثر الإصلاحية البروتستانتية التي أعادت صياغة العقيدة المسيحية في أوربا - وأمريكا لاحقاً- وفضّ احتكار الكنيسة والكهنوت لقراءة الكتاب المقدس، اليهود المكروهين من لوثر نفسه عادوا للعيش في وسط أوربا بعد أن كانوا في الأطراف، لدورهم المنتظر في (سيناريو المجيء الثاني). استمر نمو اليمين المسيحي وصولاً إلى الصهيونية المسيحية (الصهيونية في المصلح اللاتيني اسم والمسيحية صفة) التي تقرأ التوراة قراءة حرفية متطرفة.

المذهب الطهوري ظهر في فكر مؤسسي (أرض كنعان الجديدة) الذين طهّروا الكنيسة من بقايا البابوية الكاثوليكية. يعتقد الطهوريون الذين (حجّوا) إلى العالم الجديد بوجود خطة إلهية شاملة للعالم، وأنهم شعب الله المختار المنوط بهم تخليص العالم من الجهل، وأنهم على علاقة تعاهدية مع الله (عهد البركة)، وأن مجتمعهم يمثل (كنيسة القديسين الأرضية) وبناء (مملكة الله على الأرض) و(إعادة بناء هيكل القدس).المذهب البروتساتني الأمريكي كان تطوراً للمذهب البروتستنتي الأوربي الكالفيني، أبعد مما ذهب لوثر. أصبحوا يعرفون في القرن التاسع عشر بالايفانجيلين تخفيفاً للأصولية التي تصبغهم. تعبير (المدينة على الجبل) ظهر في قصائد جون بيربونت وكتابات ر.و.ب. لويس، وهرمان ملفل صاحب رواية موبي ديك الشهيرة، وتيموثي دوايت وجول بارلو.. أسماء مدن فلسطينية أطلقت على بلدان أمريكية (يوجد حاليا 12 مدينة باسم الخليل و6 مدن باسم بيت لحم). ازدادت الأفكار الألفية مع الواعظ ويليم ميلر (1782- 1894)، ومذهب المورمون على يد جوزيف سميث الذي يعمل (لغزو أرض كنعان). يذكر الباحث أنه اطلع على خمسمئة عمل مطبوع لمستشرقين أمريكيين تقفّوا أثر العبريين إلى أرض الميعاد وزيارة حائط المبكى والحي اليهودي في القدس تحت تأثير إلهام ديني لا يقاوم. منهم دافيد ميلارد ومارغريت بوتوم وصموئيل بارتليت وجون باركلي صاحب الكتاب الشعبي (مدينة الملك العظيم)، وج.ف. سميث صاحب كتاب (رحلة الحج إلى فلسطين). أدت هذه الكتب إلى إقرار التنبؤات في الفكر الجيوبولتيكي الغربي والأمريكي بخاصة.

الفكر العبري يتجلى في أهم رموز الولايات أمريكية. في الشعار الذي يزين الوثائق. يقف موسى باسطاً ذراعيه والفرعون يغرق. بلاتونوف في كتابه (سقوط أمريكا) يمضي أعمق من الباحث شعبان في تأويل الرموز العبرية. الدولار يحتشد برموز القابالا مثل الهرم الناقص المكون من ثلاثة عشر درجة، وهو عدد شيطاني يرمز في الوقت نفسه إلى الولايات الثلاث عشرة الأولى والأسباط الثلاثة عشر - بعد إضافة سبط الخزر، والعين المثلثة ترمز إلى (الكون العظيم)، وشعار (إلى أبد الآبدين) التوراتي، والنسر الذي يحمل 13 ترساً، والأكاسيا التي ترمز إلى التثقيف الماسوني، والشريطة في فم النسر التي تحمل 13 حرفا (من الكثرة واحد) ونجمة داود.

دور الدين في الحياة السياسية بات صريحاً في السنوات الأخيرة، فالواعظ فرانكلين غراهام يشبّه تنصيب بوش بتنصيب الملك داود ملكاً على قبائل إسرائيل، سقوط سفينة المكوك تشالنجر نعاه رونالد ريغان (1886) بعبارات توراتية، تأبين رواد المكوك كولومبيا تم بتلاوة عبارات من مزامير داود. اليمين الأمريكي يتمتع بسلطة كبيرة على الشعب كما تذكر الإيكونومست.

العامل الديني كان حاسماً في حرب الاستقلال وأهداف زعماء الثورة الأمريكية، خطب جميع رؤساء أمريكا تحرص على ذكر الله والخالق الأعظم وأن أمريكا من التصميم الإلهي. بوش أصدر مرسوماً يجعل يوم 14 /9/ 2001 يوماً وطنياً للصلاة على ضحايا البرجين، مئة عضو في مجلس الشيوخ وقفوا في طابور في27/6/ 2002 أمام مبنى الكابيتول لأداء قسم (أمة واحدة في رعاية الله). ولعل نصوصاً في الدستور الأمريكي وتعدد المذاهب والكنائس ووجود أعداد من الملحدين، جعلت طلاب التاريخ الأمريكي يعتقدون إن أمريكا أمة علمانية. لكن ثمة اتفاق بين المفكرين الأمريكان على وجود ما سمي (بالدين المدني)، وهو يمثل إدراكاً للحقيقة الدينية الكونية السامية. الله في موقع مركزي منه.الرحالة الفرنسي دي توكوفيل يسميه (بالدين الجمهوري الديمقراطي)، وهو دين يدعي الاخلاق السياسية والروحية ولا يمارس التأمل الروحي أو اللاهوتي.يعني ليس له أي ثواب. علمانية أمريكا مختلفة عن علمانية فرنسا التي عادت فيها مؤسسة الثورة الكنيسة، أو إلحادية روسيا التي نازعت المؤسسة الدينية. هنا ثمة تحالف، فالدولة ثمرة إلهية.

للدين (والمذهب لاحقاً!) عامل حاسم في الحملات الانتخابية التي تحولت إلى حملات صليبية، كما وصف المحلل السياسي تشارلز كولسون حملة 1984. وتجلى عامل الدين على نحو رئيسي في خطب جورج بوش الأب وجيمي كارتر ورونالد ريغان وليندن جونسون وهاري ترومان. جميع البرامج الانتخابية تعنى بإسرائيل والتزام سلامتها.

قادة اليمين المسيحي يحظون بنفوذ سياسي ومالي وإعلامي متعاظم ويعملون على تشويه العرب والمسلمين امثال: جيري فالويل وبيلي غراهام وبات روبرتسون وجون هاجي وهال ليندزي وتيم لاهاي.

يخصص الباحث الباب الأخير والأهم للأفكار الألفية وحمى (الأخروية) الخطيرة على العالم ومستقبل البشر. الأفكار الألفية تعود إلى الأدبيات اليهودية القديمة التي تقرأ النصوص الدينية قراءة وظيفية. وتتنبأ باستعادة اليهود لفلسطين ومجيء المسيح. الدعاة الذين كان لهم الأثر الأكبر في الاتجاه الذي اتخذته الأفكار الألفية ورواجها في أمريكا هم سايروس سكوفيلد (1843- 1921) وويليم بلاكستون (1841 - 1935) وجون نيلسون داربي (1882- 1880). تؤكد الإحصائيات والاستطلاعات انتشار الأخروية في صفوف الأمريكيين. وتترواح النسب بين 40 % و70 % حسب المذهب. أما مواعيد النهاية (المستحدثة) فيتراوح بين 2004 و2050. أدت هذه الأفكار إلى الحماسة التبشيرية والعمل على إعادة بناء بابل واحتلال دمشق في 2004 والتحضير لمعركة مجيدو والمحنة الكبرى وهزيمة المسيح الدجال. يسمي الفيلسوف جارودي هذه الأفكار(هرطقة تطويع الدين للسياسة). بعض التنبؤات تضع خطة وجدولاً بما سوف يحدث. وقد عالجت عشرات المطبوعات موضوع التنبؤات المقدسة منها: المعركة من أجل القدس 2001 بقلم جون هاجي، وهيكل الأيام الأخيرة القادمة 1991بقلم راندل برايس، ووحش الشرق 1992 بقلم ألفيم شيفليت، ولغز بابل صدام1998 بقلم آرنو فروسي

كتاب : من اجل صهيون

الكاتب : د. فؤاد شعبان

الناشر : دار الفكر  بدمشق

إضافة تعليق

7 + 12 =
Solve this simple math problem and enter the result. E.g. for 1+3, enter 4.