الإملاء في تعليم اللغة العربية للناطقين بغيرها

اللّغة العربية منظومة كبرى لها أنظمة متعددة، فلها نظامها الموزع توزيعاً لا يتعارض فيه صوت مع صوت، ولها نظامها التشكيلي الذي لا يتعارض فيه موقع مع موقع، ولها نظامها الصرفي الذي لا تتعارض فيه قاعدة مع قاعدة، ولها بعد ذلك نظامٌ للمقاطع، ونظامٌ للنبر، ونظامٌ للتنغيم، “فهي منظومة كبرى يؤدي كل نظام منها وظيفته بالتعاون مع الأخرى؛ ولمّا كانت بعض الحروف في الكتابة العربية تخضع في رسمها إلى عوامل محررة من التزام الصورة النطقية، فقد جدّت الحاجة إلى وضع ضوابط عامة، تنظّـم رسم الحروف في أوضاعها المختلفة، وهذه الضوابط هي التي نسميها قواعد الرسم الإملائي.

فالإملاء نظام لغوي معين، موضوعه الكلمات التي يجب فصلها، والتي يجب وصلها، والحروف التي تزاد، والحروف التي تحذف، والهمزة بأنواعها المختلفة، سواًء أكانت مفردة أو على أحد حروف اللّين الثلاثة، وهاء التأنيث وتاؤه، وعلامات الترقيم، وقلب الحركات الثلاث، واللام الشمسية والقمرية، فهو فرع مهم من فروع اللّغة العربية، وهو من الأسس المهمة في التعبير الكتابي، كما أنه الوسيلة لصحة الكتابة من حيث الصورة الخطية، في حين نجد أنّ النحو والصرف وسيلة إلى صحة الكتابة من حيث الإعراب، والاشتقاق، كما أنّ الإملاء يترجم مدى التمكن من قواعد النحو والصرف، من خلال أنّه علم ذو قواعدٍ منضبطةٍ تُعصم مكتسبها عن الوقوع في الخطأ، وأيضًا فرعٌ مهمٌ له منزلةٌ عاليةٌ بين فروع اللغة، ويعدّ الوسيلة الأساسية إلى التعبير الكتابي والطريقة الصناعية التي اخترعها الإنسان ليترجم بها عمّا في نفسه حين يتعذر الاتصال الشفهي، كما أنّه مقياس للمستوى التعليمي الذي وصل إليه التلاميذ، ونستطيع أن ندرك منزلة الإملاء بوضوح، إذا لاحظنا أن الخطأ الإملائي يشوه الكتابة، وقد يعوق فهم الجملة، ويدعو إلى احتقار الكاتب وازدرائه، وكثيرا ما يكون الخطأ الكتابي في الإملاء سبباً في تحريف المعنى وعدم وضوح الفكرة، فالكتابة السليمة إملائيًا عملية “مهمة في التعليم على اعتبار أنها عنصر أساسي من عناصر الثقافة، وضرورة اجتماعية لنقل الأفكار والتعبير عنه.

وهناك عوامل قد تكون سبباً في الأخطاء الإملائية التي يقع فيها متعلّم اللغة العربية الناطق بغيرها:
1- المنهج: معظم المناهج التي ألفت في تعليم اللغة العربية للناطقين بغيرها أغفلت وبشكل واضح هذا الجانب المهم، ولم تجعل بين صفحات المنهج فصلا أو درسا يهتم بفرع الإملاء.
2- طريقة التدريس: بعض طرائق التدريس لا تحتوي تماماً على فرع الإملاء مما يجعل الأمر مبهما لدى الطالب في عدد من المواضع المتعلقة بمهارة الخط، ومن المعلوم أن طرائق التدريس يجب أن تكون متكاملة ولا سيّما في تدريس اللغة العربية، حيث وجوب استخدام كل مهارات اللغة العربية من قراءةٍ، وإملاءٍ، واستماعٍ وبقية مهارات اللغة.
3- المعلّم: ويعد الركيزة الأساس في عملية الإملاء، فمن خلاله يتعلم المتعلّم طريقة الإملاء الصحيحة، لذا وجب على كل من يعلم اللغة العربية للناطقين بغيرها أن يكون على دراية واسعة ومهارة عالية في قواعد الإملاء والترقيم، لكي يبرز الدور الفعال الذي تقوم به هذه العملية في فهم المعنى الموجود في الفقرة.
4- الطالب: يمكن أن نرجع بعض الأخطاء الإملائية إلى المكتسب نفسه، في خوفه وتردده وعدم تمييزه الأصوات المتقاربة في مخارجها، وعدم الثقة فيما يكتبه.
5- رموز اللغة المكتوبة:وتتمثل في إشكالات الشكل، واختلاف صورة الحرف الواحد باختلاف موضعه من الكلمة، والإعجام، ووصل الحرف وفصله، واستخدام الصوائت القصار، والإعراب.
وحينما نتحدّث في الإملاء العربي؛ تظهر لنا مشكلات عدّة يجب الوقوف عندها من بينها، تشابه عدد من الحروف العربية، في صورتها باختلاف بسيط في مواقع النقط وعددها،ومثل هذا كتابة الهمزة والتمييز بين ألف المد والألف المقصورة، والتمييز بين التاء المفتوحة والتاء المربوطة، والتمييز بين النون والتنوين.
ومن خبرة شخصية في تدريس عدد من الطلبة الناطقين بغير اللغة العربية، اتّضح وجود بعض المشكلات الإملائية، التي طالما كانت هاجسًا مخيفًا في أثناء كتاباتهم، ومن هذه المشكلات:
أولا: الحروف (اللام الشمسية)
ندرك أن حروف الهجاء في اللغة العربية ثمانية وعشرين حرفا، وقد زاد عليها الخليل بن أحمد حرف الهمزة، فأصبحت تسعة وعشرين، تدخل (لام التعريف) على الأسماء المبدوءة بهذه الحروف، فتكون لامها إمّا شمسية وإمّا قمرية، ويمثل (لام التعريف) صعوبة لدى مكتسب العربية لغة ثانية في معرفة متى يمكن استخدام اللام الشمسية ومتى يمكن استخدام اللام القمرية، فمن خصائص اللام الشمسية أنها (تكتب ولا تلفظ– ويكون الحرف بعدها مشدّدا)، أمّا خصائص اللام القمرية أنها (تكتب وتلفظ – يكون الحرف بعدها غير مشدّد).
ثانيا: الحروف العربية المنقوطة
عددها خمسة عشر حرفا، ومجموع نقاطها اثنتان وعشرون نقطة، تختلف عدد النقاط باختلاف شكل الحروف، فمن الحروف ماله نقطة واحدة، ومنها ماله نقطتان، ومنها ماله ثلاث، وهذه النقاط تقع فوق الحرف (غ) أو تحته (ب) أو عن يمينه (ظ) أو في بطنه (ج)، ومن حيث تماثل وتشابه أجسام الحروف المنقوطة، فمنها ماله خمسة أشكال متماثلة (ب ت ث ن ي)، ومنها ماله أربعة أشكال متماثلة (فـ قـ غـ ضـ)، ومنها ماله ثلاثة (ج ح خ)، ومنها ماله شكلان متقاربان (ذز)، أضف إلى ذلك شكل الحرف الواحد في بداية الكلمة ووسطها ونهايتها.
ثالثا: الحروف المتقاربة في النطق
من الإشكالات التي تواجهنا هنا هي تقارب بعض الأصوات العربية في النطق ولا يختلف أحدهما عن الآخر إلا في خاصية واحدة في عدد من الأمثلة، وهذا أمر يؤدي إلى تلق صعب لدى متعلّم اللغة العربية الناطق بغيرها في التمييز بين هذه الحروف، فهناك حروف تتقارب في مخارجها مثل (التاء والطاء)فنقول: ترب – طرب، وأيضا (الثاء والسين) فنقول: ثمر– سمر، (الدال والضاد) فنقول: دار– ضار، (الدال والذال) فنقــول: نفد– نفذ، وغيرها من الأصوات، ويمكن علاج هذه المشكلة من خلال التوضيح في كيفية نطق الأصوات، وتكرار نطق هذه الأصوات لدى المتعلّم، حتّى تتكون لديه القدرة الكاملة في التمييز بين الأصوات المتقاربة لفظا.
رابعا: ضبط الكلمات وتنوينها
إشكالية ضبط الكلمات من أهم الإشكالات التي تواجه متعلّم اللغة العربية الناطق بغيرها، فمن المعلوم أن للشكل الدور البارز في معرفة معنى الكلمة التي تشير إليه، والموقع الإعرابي الذي تحتلّه هذه الكلمة في الجملة، فحينما تتغير الحركات في الكلمة الواحدة، يؤدي ذلك إلى تغير في المعنى، فمثلا نقول (قَتَلَ) يختلف عندما نقول (قُتِلَ)، وأيضا في بعض الأسماء حينما نقول (الجَد–الجِد– الجُد) فإنّ كل كلمة تشير إلى معنى مخالف عن الكلمات الأخرى، وهذا الإشكال معوقا أساسيا في القراءة الصحيحة للجملة العربية، لذا وجب وضع قاعدة من بداية المنهج تشير إلى أهمية التشكيل في الكلمة، ومن وجهة نظر البحث يتم إكساب متعلم اللغة العربية الناطق بغيرها الأسس والقواعد في الحركات منذ البداية، كأن تكون هناك صفحة مستقلّة توضح الحركات(الضمة – والفتحة –والكسرة – والسكون) وكيفية نطقها، فإن ذلك يدعو إلى تسهيل عملية فهم معاني الكلمات، وبالتالي ستكون هذه العملية لها الدور الكبير في تنمية الحصيلة اللغوية لدى المكتسب.
(التنوين) النون حرف أصيل من بنية الكلمة، مثل: لبن، تين، زيتون، والتنوين نون ساكنة تلحق أواخر الأسماء المعربة لفظا، وتفارقها كتابة، وذلك للتمييز بين المعرفة منها والنكرة، فما نوّن كان نكرة، وما لم ينوّن كان معرفة، وهذا التنوين من الأمور التي تصعب على متعلّم اللغة العربية الناطق بغيرها بحيث لا يستطيع التفرقة بينها في الكتابة، بل نجده يكتب التنوين بحرف (النون)، فمثلا كلمة (كتابٌ) نجده يكتبها هكذا (كتابن) وهذه من الأخطاء الشائعة لدى كل من يتعلّم اللغة العربية حتى من أبناء اللغة الأصليين.
إذا أردنا معرفة الفرق بين (النون)و(التنوين) نقوم بتسكين آخر الاسم، فإذا بقيت (النون) بعد التسكين كانت حرفا أصيلا وكتبت (نونا)، أمّا إذا فقدت النون عند تسكين الاسم فتكون الحركة حركة (تنوين) مؤقتة وتكتب (تنوينا).
مثال: هذا تيـــنٌ هذا تيـــــنْ (نجد أن النون موجودة أثناء التنوين وأثناء التسكين، فهذه نون أصلية).
هذا معلــمٌ هذا معلـــمْ (نجد أن النون موجودة أثناء التنوين، أما أثناء التسكين فنجدها غير موجودة، لذا نعرف بأن هذه النون غير أصلية وإنما هي تنوين مؤقت).
خامسا: الهــــمزة
ليس للهمزة حرف خاص يصورها، وقد رسمها العلماء بصور مختلفة، وذلك بحسب موقعها في الكلمة، فالهمزة حرف مخصوص يقبل الحركة، سواء فتحة أم كسرة أم ضمة، فهي تقع في أول الكلمة، مثل: أكل – إحسان – أسرة؛ وفي وسطها، مثل: سأل – سئم – ضؤل؛ وفي آخرها، مثل: قرأ– شاطئ –تكافؤ.
والهمزة تعد من القضايا الإملائية التي غابت عن كثير من الكتب والمناهج العربية، حتى أننا نجد من أبناء اللغة العربية من يخطئون في كتابتها والتفرقة بين أنواعها، وهذا كله راجع إلى عدم الاهتمام بهذا المحور في الكتب الدراسية، فإذا كان صاحب اللغة معرّض للخطأ في كتابة الهمزة؛ فما بالك بالنسبة لمتعلّم اللغة العربية كلغة ثانية، من المؤكد أنه سيواجه في بداية الأمر صعوبة في تعلّمها.
سادسا: المـــد والألف اللــــينة
المد هو الإطالة في نطق الحرف أو كتابته، وذلك بإطالة الصوت بحرف من حروف المد الثلاثة: الألف، الواو، الياء (مآذن – يقرؤون – تقرئين).
الألف اللـــينة هي ألف ساكنة لا تقبل الحركات، ولا تأتى في أول الكلمة، كما أنه يأتي ما قبلها مفتوحا وتسمى ” الألف الهوائية ” وتقع في الأسماء والأفعال والحروف، مثال (العلا – شفى – سعى – بكى – على – إلى)، وتكتب في وسط الكلمة دائما ممدودة، أما في نهاية الكلمة فتأتي ممدودة أو مقصورة، ولعل هذا ما يتلبس لدى مكتسب اللغة العربية الناطق بغيرها، فوجب توضيح متى تكتب ممدودة ومتى تكتب مقصورة، وأيضا متى يمكن حذف الألف اللينة وخاصة في الأفعال التي تكون منقلبة عن أصل ” الواو – الياء”.

إضافة تعليق

3 + 9 =
Solve this simple math problem and enter the result. E.g. for 1+3, enter 4.