تناوب الفكر البشري بين قطبي الواقعية والمثالية ( منظور مالك بن نبي) - الجزء الثاني

4- بين الثنـائية واللاثنـائية:من المعتقدات التي سادت في العالم وراجت رواجا بعيدا: مفهوم الثنائية24  في طبيعة الأشياء وجوهر الكائنات. والمقصود بهذا المفهوم أن الكون وما يحتوي عليه إنما يقوم على عنصرين أوليين منفصلين، ويقابله مفهوم اللاثنائية وهو عنوان لمدرسة تقر بأن واقع الأشياء في جوهرها يتألف من عنصر واحد وما نراه من اختلاف وتنوع إن هو إلا تعدد في مظاهر ذلك العنصر.
وكان ديكارت25  من أبرز  دعاة الثنائية وضرب لذلك مثل "الروح" و"الجسد" في تركيب الانسان. فقد أكد على انفصالية هذين العنصرين، ويذكر أن أحدهما  يعود إلى العنصر الفكري26 وهو "الجانب المثالي"  بيبنما يرجع الآخر إلى المادة أو العنصر الممتد27 وهو "الجانب الواقعي". وفي نظره بإمكان وجود الروح دون المادة ووجود المادة بدون الروح.
ثم طرحت مسألة التفاعل بين  العنصرين: من أين لهما أن يتماسكا وبأي وسيلة يتحقق لهما ذلك إن كانت طبيعة كل  واحد منهما تختلف  اختلافا جذريا عن الآخر؟. فاختلفت الرؤى وعارض سبينوزا28 ديكارت حيث أقر بمذهب اللاثنائية وقال فيه على وجه الخصوص:" لا وجود لشيئ إلا الله.  الله أحد ، فلا شيئ غيره في الكون"29.  
وتجدر الإشارة إلى أن إشكالية الثنائية قد تشعبت عبر تاريخها المديد في شتى المجالات والميادين، بداية من العهد القديم حيث سادت  ثنائية أفلاطون بين عالم الأفكار أو المثل العليا وعالم الأشياء الملموسة التي تمثل صورا  ظاهرية لتلك المثل. وتأثرت المسيحية على وجه الخصوص بهذا المنظور،  وذلك عن طريق القديس أوغستين30 الذي اعتبر الثنائية المتمثلة في "مدينة الله" أو "مدينة السماء"  في مقابل "مدينة الأرض"31 .
ولم تنقطع إشكالية الثنائية بأخذ اتجاهات أو صيغ متعددة في العصور الحديثة وذلك في مختلف العلوم والمعارف. كما هو الحال على وجه الخصوص في العلوم الإجتماعية، إذ هي في صورتها الحديثة قد "نشأت وترعرعت في بيئة الإنسان الغربي الذي يتميز فكره بأُطر معرفية ومنهجية خاصة، ترتكز أساسا على التمييز بين عالم الشهادة وعالم الغيب، بين المادة والروح، بين الواقع والقيمة... تمييزا إقصائيا (أي أن التمسك بطرف يستلزم نكران الطرف الآخر) جعل الباحثين الإجتماعيين في الغرب ومن سار على نهجهم في العالم الثالث يغرقون في مجال لا متناهي من الثنائيات الإقصائية (الموضوعية والذاتية، البناء والفعل، الكلية والجزئية، الوفاق والصراع...)"32.
وهكذا تواصل التناوب الفكري في مد وجزر بين لاثنائية تقر بالوحدة في وجود كُلّه تَجَلّي لمن له المثل الأعلى، وبين ثنائية تفصل "الروح" عن "الجسد" فصلا إقصائيا في ما بين المثالي والواقعي. ثم امتد ذلك التناوب ليعم ثنائيات في مجالات لا تحصى ولا تعد، وقد لا يخلو من ذلك مجال العلوم الدقيقة التي تتميز عما سواها بالدقة في تحديد المفاهيم والصرامة في الاستدلال والبيان، وذلك ما سنحاول توضيحه في ما يلي من خلال مفهوم الزمكان.

5- الزمان والمكان بين الفكرة والواقع
لا شيء ندركه أو نتصوره خارج الزمان والمكان، وإن دل هذا على شيء فإنما يدل على الأهمية القصوى والأساسية لكلا المفهومين.
وقد حظيت هذه المفاهيم بدراسات وبحوث قيمة، من بينها نظرية النسبية التي بينت ارتباط المكان بالزمان ارتباطا محكما، وهو ما يعبر عنه مصطلح الزمكان الذي نُحِت بدمج اللفظين. وما تأكد الإنسان من ذلك إلا من بعد قرون خلت اعتقد فيها أن الزمان والمكان حقائق مطلقة وقائمة بذاتها من غير حاجة إلى غيرها، ثم انقلبت لديه تلك "الحقائق" رأسا على عقب في العصر الحديث.
ودون الخوض في هذه الحقائق العلمية، بإمكاننا أن نتساءل  سؤالا جوهريا وأساسيا قد خطر على بال  أعلام كثر: فماذا نقصد حقيقة بالزمان والمكان؟ وهل بإمكاننا تحديد معانيهما؟.
قد يبدو هذا التساءل غريبا لأول وهلة، لأن الزمان والمكان من المسلمات التي لا جدال فيها، وندرس تلك المفاهيم في مختلف مراحل التربية والتعليم بدون عقدة ولا تعقيد. ولقائل أن يقول: ما السبيل إلى معرفة الكائنات  لو افتقدنا إلى معرفة الزمان والمكان؟.
ومع هذا فقد بدت إشكاليات عويصة في مجال الفلسفة والعلوم  حول  تحديد مفهومنا البديهي للزمان والمكان.  ولا يزال الانسان يسعى جاهدا في المزيد من العلم عموما وعن ذينك المفهومين خصوصا: "وقل رب زدني علما" (طه 20/114).
فمن المعتقدات التي سادت قديما أن ليس للفضاء "الخالي" المجرد من أي كائن  حقيقة فيزيائية تذكر، وقد شاع المثل: "الطبيعة تنفر من الفراغ". وكان ديكارت، أحد رواد النهضة الحديثة،  يعتقد أن الفضاء مرتبط بوجود الأجسام، فلا وجود عنده إلى فضاء خال من الأجرام  والجزيئات.
لكن ما الذي يمنع وجود فضاء مستقل عن الأجسام التي تسبح فيه وتملأه، وتقع في مواقع منه معينة تعيينا كاملا ومحدودا بدقة ووضوح؟. لذلك كان  الحسن بن الهيثم يرى من قبل  أن للمكان أبعاد يوجد  بموجبها وهو خلاء مستقل بذاته يحتضن المواد، إذ جاء في رسالته "قول في المكان": "... فمكان الجسم هو أبعاد  الجسم التي إذا جردت  في التخيل  كانت خلاء... والخلاء  ليس بذي مادة ولا فيه مدافعة ، وإنما الخلاء  هو أبعاد  فقط متهيئة لقبول المواد"33.
وقال نيوتن بعد ذلك بقول ابن الهيثم، إذ كان  يرى أن "الحقيقة الفيزيائية" تكمن في وجود مكان وزمان من ناحية  ووجود "نقاط مادية"34 من ناحية أخرى  تتحرك وتنتقل نسبة إليهما بحيث، كما يقال في هذا الصدد، "لو انقرضت المادة بقي كيان المكان والزمان مثلما  يبقى إطار المسرح بعد خروج  الممثلين منه".
وقد استنكر نيوتن رأي  باركلاي35 الذي راج منظوره آنذاك عن غرور الناس بوجود الزمان والمكان وجودا حقيقيا. بينما كان الفيلسوف الشهير كانط  يميل إلى  ذلك المنظور ويرى أن الزمان والمكان من المفاهيم الذهنية البحتة، فلا وجود لهما إلا بقدر ما نتصوره عنهما من خلال أذهاننا وعقولنا.
وعارض صاحب نظرية النسبية36 كانط وقال  بإن للفضاء حقيقة فيزيبائية تماما كما فعل من قبله نيوتن مع اختلاف شاسع في التصور والمنظور. فبينما اعتقد نيوتن كما أسلفنا في وجود مطلق ومستقل لكل من الزمان والمكان، أثبت آنشتاين  أنهما نسبيان ويرتبطان وافترض بدل الجزيئات أو "النقاط المادية" عند نيوتن  مفهوم "المجال" على العموم مثل المجال الحراري أو المجال الكهرومغناطيسي.
وقد انتشر هذا المفهوم الأخير بين العلوم الحديثة كما في علم النفس وغيره37  وكانت قبل ذلك حلقات متواصلة أدت إلى اعتباره وافتراضه.
فقد كان  "المجال" معلوما قبل ظهور بحوث آنشتاين، وكان مرتبطا في البداية بمفهوم الكتلة الثقلية38: فحيث لا توجد المادة لا يوجد المجال لأن هذا الأخير وصف لحالة من حالات المادة ولا ينفصل عنها أبدا.
ثم ظهر، في أوساط القرن التاسع عشر، مفهوم المجال الضوئي  الذي تستثنى منه الصفات السابقة، إذ ليس للضوء كتلة ثقلية!. فاضطر العلماء إلى اللجوء  آنذاك إلى ما أسموه بالأثير39  وهو مفهوم يدل على مادة ثابتة على الإطلاق ومتواجدة في كل مكان ، وأصبح ممكنا عندئذ تأويل المجال الضوئي  والمجال الكهرومغنطيسي على العموم كحالات فيزيائية للأثير، أو بتعبير آخر صار يقال بأن الموجات الضوئية تنتقل على الأثير الضوئي وأن الموجات الكهرومغنيطسية تنتقل على الأثير الكهرومغنطيسي تماما مثلما يقال إن الأمواج المائية تنتقل على سطح الماء.
وهكذا أصبح الأثير عبارة عن فضاء ثابت على الإطلاق  وإليه تسند حركة الأمواج الضوئية، وقد اطمأنت القلوب لوجود ساكن لتلك الحركة.
لكن ظهرت بعد حين تناقضات كبيرة حول وجود الأثير، فألغي هذا المفهوم  كليّة، وتبين مع  نظرية النسبية الخاصة لآنشتاين أن الفضاء كائن حقيقي ومستقر يتجسد في امتداد (Continuum) ذي أربعة أبعاد وهو الزمكان وأن المجال هو الجزء الذي لا يتجزأ في وصف الحالات الفيزيائية كلها، فحل هذا الفضاء محل ذاك الأثير في المرجعية والاستقلال لوصف هذه الحالات.
ثم تبين، مع النسبية العامة لآنشتاين سنة 1915، أن فضاء الزمكان ليس ثابتا ولا مستقلا على الإطلاق: فهو لا يخلو أبدا من مجال الجاذبية بمفهومه العام40 كما أنه  يرتبط بما يحتوي عليه من مادة و يتأثر بالأحداث التي تجري فيه  و يؤثر بدوره على مجريات الأحداث. فالزمكان ليس  بساطا ممدودا لا ينثني  ولا يتقوس، بل كل  جسم يتنقل فيه يؤثر على "تقوسه" وهو كذلك  يؤثر على مسار الأجسام41.
يقول في هذا الصدد بعض الأخصائيين: "لقد حل فضاء الزمكان محل هذا الكائن المتواجد في كل مكان (الأثير) وأصبح ذلك  الفضاء يتمتع بقدرته على نقل الموجات أو تغيير مساراتها"42.
ولم يتوقف البحث عن مفهوم الفضاء عند هذا القدر، بل تشعب وفق التصورات والنظريات التي توالت من بعد ذلك، خاصة لما انشقت نظرية الضوء أو "النور" في علوم الفيزياء إلى اثنتين:
أ) النظرية الموجية التي تسببت كما أسلفنا في اختلاق مفهوم "الأثير" ثم تعدى الأمر بعهده إلى مفهوم المجال والفضاء رباعي الأبعاد.
ب) النظرية الجُسيميّة43 التي تبين من خلالها أن الضوء يتصرف كجزيء من الجزيئات التي تملأ الكون.
فظهرت على إثر ذلك ثنائية44 على طرفي نقيض بين الخصائص الموجية  والجسيمية للضوء، إذ هي خصائص متناقضة في ما بينها تناقض المحسوس بالملموس،  كمثل الظمآن يرى أمواجا من السراب يحسبها ماء صائغا للشراب حتى إذا أتاها لم يجدها شيئا.
ثم وجد مخرج لتلك الثنائية، بعد فترة من الزمن،  وذلك  على يد  لويس دوبروغلي45  بإنشائه لما يسمى بنظرية الميكانيكا الموجية46. فاتحدت النظريتان السابقتان وأطلق  على الجزيئات اسم "الموجُزَيئات"47  للدلالة على تماسك الصفتين الموجية والجسمية  في العناصر الأولية للكائنات.
وتبين، مع نظرية الكوانطا، أن هذه العناصر الأولية، كالفوتون أو الكهروب، ترتبط بالطريقة التي ننظر إليها: فهي تتصرف تارة مثل الجزيئ وتارة مثل الموجة. مما يدل على  أن اللغز الذي طرحته ثنائية "الموجة والجزيئ" لا يزال خفيا مستعصيا بالرغم مما حظي به من دراسات حثيثة وبحوث متواصلة.
كما تبين أنه يستحيل تعيين موقع الجزيئات الأولية  في "المكان" إذا علمنا حركتها وسرعة تنقلها عبر "الزمان" والعكس صحيح. ولا نرى من تلك العناصر، مهما كان النظر إليها دقيقا، إلا أشباحا من "الموجزيئات" كمثل صورة فوتوغرافية على صفحة الجريدة: إذا حاولنا تدقيق النظر إليها فلا نرى منها إلا نقاطا سوداء تتخللها نقاط بيضاء، مبعثرة هنا وهناك  بلا ترتيب بينها  ولا معنى يذكر لها، فإذا ابتعدنا قليلا عن الجريدة تماسكت تلك النقاط وظهرت ملاح الصورة.
فكذلك الأمر إذا نظرنا إلى الكائنات وغصنا في أغوارها.
وكذلك مفهومنا للمكان والزمان في رحاب نظرية الكوانطا: إن الفضاء بأبعاده الأربعة مركب في أساسه من  الجزيئات الأولية أو "الموجزيئات"، ولا ينفصل عنها، كما أننا لا نملك صورة عنه إلا بقدر ما  يتركب في أذهاننا من علاقات كلية بين تلك "الموجزيئات" الأولية، مثلما ندرك ملامح الصورة الفوتوغرافية من خلال نقاط منتثرة.
يقول في هذا السياق أهل الاختصاص: "إن الكهارب وغيرها من الجزيئات الأساسية: ليست موجودة داخل المكان والزمان، بل إن الزمان والمكان معا هما اللذان يوجدان بواسطتها"48.
فكأنما نقرأ من جديد، من خلال هذا التصريح البليغ، ما كان يعتقده كانط حول التصورات الذهنية للمكان والزمان.  ونرى عندئذ أنه كلما أمعنا النظر في تلك المفاهيم  استعصت معرفتنا لها حق المعرفة وتراوحت بين الفكرة المجردة والواقع الملموس!.
مما جعل أحد الأخصائيين يقول في هذا السياق: "لم تبلغ البشرية في ما مضى ما بلغته الآن في سباقها إلى المبادئ التي تنوط بجوهر وأعماق الأشياء، ولكنها ليست الأشياء"49.
فهل في ذلك تناقض "ثنائي" بالمفهوم الديكارتي أم "لا ثنائي" بمفهوم ابن عربي، حيث يقول50:
إنما الكـون خيـال        وهو حق في الحقـيقة
والـذي يفهم هـذا حاز أسرار الطـريقة
يقول غوس51، في رسالة له بعث بها إلى أحد أصدقائه52، بعد اكتشافه لهندسة أخرى غير الهندسة الإقليدية التي باتت فريدة في وصفها للفضاء طيلة قرون مديدة:
"لقد أصبحت متيقنا أكثر مما مضى بأنه لا يمكن إثبات ضرورة الفضاء الإقليدي في وصف الفضاء الحقيقي: فليس ذلك [البرهان] في متناول العقل البشري ولا في صالحه. ولعلنا في حياة أخرى غير التي نحياها الآن سنتمكن من إدراك طبيعة الفضاء الذي بات بعيد المنال"53.  
وهكذا نرى مما سبق أن الفكر البشري ما انفك عبر مختلف مراحله التاريخية  يغوص تارة إلى أعماق "الواقعية" ويحلق تارة أخرى في أجواء "المثالية" بكل ما تحمله هذه المفاهيم من معان وأبعاد.
وفي ذلك جدلية  منتشرة في مختلف مجالات العلم والمعرفة، وهي ليست عقيمة بلا جدوى ولكنها خصبة ذات أهمية كبرى، إذ تدعو إلى البحث المتواصل عن الحقيقة المطلقة وتنادي كل من ألقى السمع وهو شهيد  بالرجوع إلى الحق تبارك وتعالى: "أفحسبتم أنما خلقناكم عبثا وأنكم إلينا لا ترجعون" (قرآن كريم).
وإن الأمر في النهاية مرده إلى الجدل بين الإيمان والإلحاد الذي تنجلي معالمه وأبعاده من خلال انشقاق أهل الكتاب إلى فريقين: فريق شرب من العجل الذهبي فمال إلى حب الذهب وأخواته وتاه في الأرض طلبا للاستعلاء على عرش الماديات،  وفريق ابتدع الرهبانية وعزل الدنيا فما استطاع  رعاية غلوه في ذلك والشيئ كما هو معلوم إذا زاد عن حده انقلب إلى ضده فضلوا بذلك ضلالا بعيدا.

إضافة تعليق

2 + 16 =
Solve this simple math problem and enter the result. E.g. for 1+3, enter 4.