تناوب الفكر البشري بين قطبي الواقعية والمثالية ( منظور مالك بن نبي) - الجزء الثالث

6- المنهج الوسطي بين الفريقين من أهل الكتاب...للإيمان درجات كما أن للإلحاد دركات، ومن أعلى الدرجات إلى أدنى الدركات تتواصل حلقات الإيمان والإلحاد. كمثل الطيف الكهرومغنطيسي الذي يمتد من الأشعة الكونية وما فوقها إلى أمواج الراديو فما دونها، والذي يتضمن أنوارا تسعى بين أيدي المؤمنين وظلمات تغمر وجوه الكالحين، كما يشتمل على أنكر الأصوات مثل صوت الحمير وعلى أحسن المزماير مثل مزامير داود.
وقد جاء في الذكر الحكيم مثل الأولين بين أنصار الإيمان وأنصار الإلحاد. كما وردت فيه نماذج عديدة عبرة للآخرين، منها على وجه الخصوص ما جرى لأهل الكتاب في العهود الخالية وما لذلك من آثار بالغة في العصور الحديثة.
ويتعين علينا في هذا السياق ذكر ما جاء عن أهل الكتاب لإلقاء الأضواء على كثير من الاتجاهات العقدية أو الفلسفية وإدراك الخلفيات التي تقف من وراء بعض كبرى المجريات الحاضرة.
6 . 1- أهل الكتاب بين فريقان
لقد كانت سفينة نوح عليه السلام فيصلا بين عهد خلا منذ آدم عليه السلام وبين عهد جديد شهده من نجا على متن تلك السفينة ومن تناسل عنهم وانتشروا في الأرض من بعدهم. وكان إبراهيم من شيعة نوح عليهما السلام، فاتخذه الله عز وجل خليلا وجعله أبا للمسلمين: "ملة أبيكم إبراهيم هو سماكم المسلمين من قبل" (الحج 22/78).
وكتب الله عز وجل في ذرية إبراهيم عليه السلام النبوة والرسالة، فكان من سلالته بنو إسرائيل الذين فضلهم الله أيما تفضيل وأصبغ عليهم نعمه ظاهرة وباطنة وأرسل إليهم موسى عليه السلام لنصرتهم من فرعون وجنوده وهدايتهم للإيمان والعمل بالتوراة، ثم انحرفوا إلا المتقين منهم وآثروا الحياة الدنيا على الآخرة وأحبوا المال حبا جما، فأشربوا في قلوبهم العجل الذي صنعه السامري من الذهب. قال عز وجل عنهم: "وإذ أخذنا ميثاقكم ورفعنا فوقكم الطور خذوا ما آتيناكم بقوة واسمعوا قالوا سمعنا وعصينا وأشربوا في قلوبهم العجل بكفرهم قل بئسما يأمركم به إيمانكم إن كنتم مؤمتين"(البقرة 2/93).
ثم أرسل المولى عز وجل إليهم المسيح عيسى ابن مريم عليه السلام وأنزل معه الإنجيل ليردهم إلى رشدهم ويهديهم سبل السلام، لكنهم كفروا بنعم الله عليهم وقست قلوبهم فهي كالحجارة أو أشد قسوة وهموا بقتل المسيح عليه السلام فأنجاه الله منهم ورفعه إليه: "وقولهم إنا قتلنا المسيح عيسى ابن مريم رسول الله وما قتلوه وما صلبوه ولكن شبه لهم "(النساء 4/157). وكان من أتباع المسيح الحواريون الذين انتصروا لله: "فلما أحس عيسى منهم الكفر قال من أنصاري إلى الله قال الحواريون نحن أنصار الله آمنا بالله واشهد بأنا مسلمون" (آل عمران 3/52). فكان منهم النصارى الذين وقعوا في شبهات التثليث وابتدعوا رهبانية لم تكتب عليهم: "ثم قفينا على آثارهم برسلنا وقفينا بعيسى ابن مريم وآتيناه الإنجيل وجعلنا في قلوب الذين اتبعوه رأفة ورحمة ورهبانية ابتدعوها ما كتبناها عليهم إلا ابتغاء رضوان الله فما رعوها حق رعايتها فآتينا الذين آمنوا منهم أجرهم وكثير منهم فاسقون" (الحديد 57/27).
وهكذا انشق أهل الكتاب إلى فريقين:
فريق منهم آثروا الحياة الدنيا: "ولتجدنهم أحرص الناس على حياة" (البقرة 2/96)، واثاقلوا إلى الأرض والتصقوا بها. وكانوا أكثر التصاقا وتمسكا بالذهب الذي ابتلوا به (وما يليه من فضة وكل نفيس)، فتداولوه جيلا بعد جيل على مدى أحقاب وأزمان، وتمكنوا بمهارة ومكر من السيطرة على أرباب المال والأعمال وبسط نفوذهم عبر مؤسسات دولية على المعمورة كلها، ولايزال أمرهم كذلك في عصرنا هذا.
وفريق منهم زهدوا في الحياة الدنيا واعتزلوا لذاتها مما أحل الله للعباد، وقالوا بأن ملك الله في الآخرة، واعتقدوا أن ما لقيصر فهو لقيصر وما لله فهو لله.
وهكذا اختلف الناس على غرار هذين الفريقين: أحدهما يغوص في أعماق الماديات والآخر يهيم في أعالي الروحانيات.
وإن كثيرا من المذاهب والطرائق، على مستويات فلسفية أو علمية منذ أفلاطون إلى هيغل كما سبق، قد انتهجت بدرجات متفاوتة مناهج بين ذينك الفريقين. مما يدل على أن الزيغ والضلال قد يكونان في عالم "المثالية" المتطرفة كما يحصلان في أرض "الواقعية" المادية.
6 . 2- المنهاج الوسطي
فكان من رحمة الله عز وجل أن بعث محمدا صلى الله عليه وسلم، من سلالة إبراهيم عليه السلام، وجعله خاتم النبيين وأنزل معه القرآن لهداية البشرية جمعاء إلى الوسطية بين غلو هؤلاء وأولائك: "وكذلك جعلناكم أمة وسطا لتكونوا شهداء على الناس ويكون الرسول عليكم شهيدا" (البقرة 2/143)، وبين أن ذلك منهاج إبراهيم عليه السلام الذي زاغ عنه أهل الكتاب: "ملة أبيكم إبراهيم هو سماكم المسلمين من قبل " (الحج 22/78).
ولولا فضل الله عز وجل في بعثة المصطفى رحمة للعالمين لضل الناس أجمعين، جيلا بعد جيل إلى يوم الدين، بين تيه في غياهب الروحانيات ولج في غيابت الماديات.
وترى اليوم تكالب شرار المعمورة في محاربة هذا المنهاج الرباني كما كانوا يصنعون ذلك بالأمس. فهم يسعون بشتى الوسائل للطعن في رسول الله وهو خير البرية، وتحريف كتاب الله الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، والنيل من أعراض الذين يأمرون بالقسط من الناس، والمساس بمقدسات دين القيمة التي إنما هي منارات للبشرية جمعاء.
لكن الذي بعث بخاتم النبيين وأنزل الفرقان هدى للعالمين، يقول وهو أصدق القائلين: "يريدون ليطفئوا نور الله بأفواههم والله متم نوره ولو كره الكافرون" (الصف 61/8).
خلاصة
بهذا يتبين أن الفكر البشري ما انفك عبر مختلف المجالات ومنذ غابر الأزمان، تتراوح أطرافه بين مد وجزر وبين أخذ ورد، تارة ترميه الأهواء إلى السباحة على ظاهر "الواقعية والأرضية" فهو عندذ يثاقل إلى الأرض فيذوق ملذاتها وفتنها، وتارة تدفعه الرياح يحلق في أجواء "المثالية والروحانية" وغالبا ما تخونه أجنحة الغلو فتنكسر وتهوي به إلى الهاوية.
وإن أبعاد هذا التناوب المتصل إنما تبلغ مداها الأقصى بين دفتين اثنتين، تتمثل إحداهما في شراب بني أسرائيل للعجل الذي صنعه لهم السامري من الذهب، وتتجلى الأخرى في الرهبانية التي ابتدعها النصارى وغلوا في أمرها غلوا كبيرا فما استطاعوا أن يرعوها حق رعايتها.
فجاءت بعثة المصطفى (ص) رحمة للعالمين، لنشر منهاج الوسطية والإعتدال في كل المجالات، ولولاها لضل الناس أجمعين، جيلا بعد جيل إلى يوم الدين، بين مد وجزر لا ينتهي ترددها وبين أطراف متطرفة لا ترى إلا نقيضها وإذن لا تهتدي أبدا.
وصل اللهم وسلم على الرحمة المهداة، خاتم النبيين وأشرف المرسلين، وعلى آله وصحبه أجمعين، وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.
الهــوامش:
1- "Plato:"The Allegory of the Cave and The Divided Line
2 Morris Kline : "Mathematics: The Loss of Certainty", p.17
3 أمثال ابن رشد في الإسلام ، وطوما الإكويني في المسيحية وموسى ميمونيد في اليهودية: بحثوا في الانسجام بين العقل والإيمان والتوازن بينهما.
4 هي "مسألة الكليات" (querelle des Universaux)
5 بورفيري (233-309 : Porphyry) في مقدمته لمنطق أرسطو
6 Porphyry’s Eisagoge : introduction to the Categories of Aristotle (third C.)
7 يوجد إحصاء لمذاهب الكليات في: J John of Salisbury, Metalogicon tr. Daniel D. McGarry. Berkeley, 1955.
8 الاسمانية (Nomonalisme)، من أنصارها: روسلين (J. Roscelin 1050-1124)
9 الواقعية (Realisme)، من أنصارها القديس انسلام (Saint Anslème de Canterbury 1033-1109)
10 المفهوماتية (Conceptualisme) ، من أنصارها أبيلار (P. Abélard 1079-1142).
11 انظر تفصيل ذلك في: The Medieval Problem of Universals, in: Stanford Encyclopedia of Philosophy
2 اللاأدرية التي عبر عنها شاعر المهجر إيليا أبو ماضي في الإجابة عن تلك الأسئلة بقوله: لست أدري
13 مالك بن نبي، مشكلة الأفكار، البينات، الجزائر.
14 إشارة إلى قصة روبنسن كريزوي (Robinson Crusoë)، للكاتب: دانيال دو فوي (Daniel deFoe 1660-1731)، وإلى قصة حي بن يقظان للكاتب: ابن طفيل الأندلسي (ت. سنة: 581هـ/1185م )، ذكرهما مالك بن نبي في المرجع السابق للدلالة على الموقفين المتناقضين في الإنسان بين مثالية الأفكار وواقعية الأشياء.
15 انظر إلى المصدر السابق
16 هيغل (F.Hegel : 1770-1831 )
17 كارل ماركس (K. Marx:1818-1883)
18 كارل ماركس (K. Marx) : الرأسمال
Le Capital, Postface à la 2ème édition allemande. Editions Sociales
19 المصدر السابق
20 إنقلز (F. Engels: 1820-1895 )
21 ماوو تسيتونغ (Mao Zedong: 1893-1976)
22 Mao Zedong: Oeuvres Choisies, T. 1, p. 252
23 كارل ماركس (K. Marx) : الرأسمال
24 dualisme
25 روني ديكارت (R. Descartes): 1596-1650 Méditations,
26 res cogitans (cogito, substance pensante)
27 res extensa (substance étendue)
28 سبينوزا (Spinoza): 1632-1677
29 سبينوزا: Nothing exists but God. God is one, that is, only one substance can be granted in the universe. Ethics, I.14
30 القديس أوغستين، Saint Augustin (354-430) évêque d’Hippone (Annaba, Algeria)
31 Cité de Dieu – Cité Terrestre
32 علم الاجتماع من التغريب إلى التأصيل، ر. ميموني... دار المعرفة. الجزائر. ص 22
33 الحسن بن الهيثم: قول في المكان، مخطوط مكتبة الفاتح بإستمبول رقم 3439 ف3.
انظر كذلك في: ٍتراث العرب في الميكانيكا، رجلان شوقي
34 points materiels
35 القديس باركلاي (Bishop Berkley : 1685-1753)
36 La Relativité, Albert Einstein. pbp,Editions
37 مثل نظرية : Gestalt Theory ، التي تعتبر الظواهر السيكولوجية جملة وليست مجزءة
38 masse pondérale
39 ether
40 انظر: La Relativité, Albert Einstein. pbp,Editions
41 انظر لمحة مبسطة عن ذلك في: S. Hawking: A Brief History of Time, p. 44
42 l’étrange histoire des quanta , Seuil 1981 :B. Hoffmann & M. Paty
(1967,1947-59, Points sciences, n. S26. Paris), p.: 42
43 Théorie Corpusculaire
44 تسمى هذه الثنائية ب: dualité onde-corpuscule
45 لويس دوبروغلي: (Louis de Broglie: 1892-1987)
46 أسس لويس دوبروغلي لنظرية الميكانيكا الموجية (mécanique ondulatoire) من خلال أطروحته التى قدمها سنة 1924 بباريس، وبين فيها أن الجزيئات المادية تتصرف كأمواج، وقد أثبتت التجربة ما ذهب إليه على يد الباحثين دافيسون وجرمار (Davisson-Germer Experiment). فأصبح ينظر إلى الجزيئات بصفتيها الموجية والجسيمية معا وصارت تسمى تعبيرا عن ذلك بالموجزيئ: موج + جزيئ
(ondicule: onde+corpuscule)
47 انظر المصدر السابق
48 l’étrange histoire des quanta , p. 190 :B. Hoffmann & M. Paty
49 ترجمة لقول الفيزيائي رولان أمناس (Roland Omnès):
Jamais auparavant l’humanité n’était parvenue aussi loin dans la conquête des principes qui atteignent au cœur et à la moelle des choses, mais qui ne sont pas les choses.
نقلا عن جريدة LeMonde بتاريخ 23-08-05، وضمن مقالة لـ Jérôme Fenoglio بعنوان:
1905,l’année des tournants, Einstein fait éclater la Physique
50 ابن عربي ، ولد في 560هـ/1165 م
51 غوس (F. Gauss). 1777-1855
52 رسالة بعث بها غوس إلى صديق له Heinrich W.Mbers سنة 1817
53 نقلا عن: Morris Kline , "Mathematics: The Loss of Certainty" p. 87

إضافة تعليق