حركة النشر .. أسئلة ومشكلات وإشكاليات

لما كان أي إنتاج ثقافي، عندما يطرح على “الآخر- العام”بعد الفراغ من إنتاجه، هو مشروع رؤية، ورأي يستدعي متفاعلاً معه، ومحاوراً له، ومتلقياً يقبله كلاً أو جزءاً أو يرفضه كلاً أو جزءاً أيضاً، ويتواصل معه وينتفع أو يستمتع به على نحو ما، وهو يستثير في ذلك المتلقي فكراً أو إعجاباً أو متعة أو اعتراضاً أو رفضاً، ويدعوه إلى مشروع ما، يقدمه منتِج الثقافة من خلال إنتاجه، فإن التواصل معه، بحس نقدي أو تقويمي أو تحليلي أو تعريفي أو جدلي، هو أمر واقعي وضروري،”
ـــــــــــــــــــــــــ
هل يمكن أن نقر مبدأ إجازة كاتب أو ناقد، لعمل كاتب أو ناقد آخر، من أجل نشره وليس نقده.. سواء أكان ذلك في دورية أو كتاب، أم أن في ذلك انتقاصاً ما من حرية التعبير وقيمة الكاتب، ونوعاً من رقابة فنية – فكرية على الإنتاج الإبداعي والفكري، لا يقبلها الفكر والإبداع، وقد تضر بهما؟! وهل يمكن أن ننظر إلى هذا الأمر، على أنه إشكالية “لها وعليها”، أم هو مشكلة تقتضي حلاً؟!
وهل كل كاتب يمكن أن يُرفع فوق تقويم مستشار الناشر الرسمي أو الخاص، سواء أكان ذلك المستشار لجنة أم شخصاً، هذا إذا كان هناك أشخاص يُرفعون كلياً فوق مستوى النظر في أعمالهم عند نشرها، وفوق معايير وقواعد تراعى في ذلك المجال.؟! وفي حالة حدوث ذلك، ألا تغري حالة التمييز تلك، بعض الكتاب وغيرهم، بالاعتراض والقول: هناك أشخاص فوق الغربال وأشخاص تحته؟!لا سيما إذا كان الكاتب لا يملك دار نشر خاصة به، يكون هو صاحب الرأي الأول والأخير فيما تنشره،أو ذو حظوة عند ناشر.. هذا إذا كانت الرقابة ملغاة كلياً!.
كل تلك أسئلة تلقي نفسها على الكاتب والناشر والناقد، وعلى المسؤول في الحقل الثقافي، وهي تتصل بصورة ما، بموضوع حرية التعبير. وإذا كانت هذه القضية لا تَطرح نفسها بحدة، في بعض المراحل الزمنية، أو في بعض البلدان، فهي قضية ضاغطة في أزمنة ومراحل وبلدان كثيرة، وتقتضي مناقشة وحسماً، بالوفاق والاتفاق أولاً، وبحكم الضرورات التي تقتضيها مصلحة الفكر والحرية، وسلامة المجتمعات، وحكمة السياسات. ولا بد من حلول في نهاية المطاف، حسب طبيعة النظرة للموضوع، سواء أكان مشكلة أم إشكالية.
في تقديري، أن فحص إنتاج ثقافي ما، هو عمل بشري قائم، يكتسب مشروعية من مؤسسات تشريعية، والناقد أو المقوّم أو الفاحص للإنتاج الثقافي، هو قارئ من نوع خاص، وربما قارئ متفوق، يملك إمكانيات وأدوات قد تضاهي أدوات منتج الثقافة أو تفوقها في بعض المجالات.. ولكنه محكوم بضوابط تشريعية وقانونية. ولما كان أي إنتاج ثقافي، عندما يطرح على “الآخر- العام”بعد الفراغ من إنتاجه، هو مشروع رؤية، ورأي يستدعي متفاعلاً معه، ومحاوراً له، ومتلقياً يقبله كلاً أو جزءاً أو يرفضه كلاً أو جزءاً أيضاً، ويتواصل معه وينتفع أو يستمتع به على نحو ما، وهو يستثير في ذلك المتلقي فكراً أو إعجاباً أو متعة أو اعتراضاً أو رفضاً، ويدعوه إلى مشروع ما، يقدمه منتِج الثقافة من خلال إنتاجه، فإن التواصل معه، بحس نقدي أو تقويمي أو تحليلي أو تعريفي أو جدلي، هو أمر واقعي وضروري، ويدخل في دائرة النشاط الإنساني المشروع، فكما أن لك الحرية في أن تعبر عن نفسك، فإن للآخر المستهدف بما تقول، الحق والحرية أيضاً في أن يقول. وهذا التواصل الواعي والهادف في آن معاً، هو الذي يستخلص العبرة، وينمّي الخبرة ويراكمها، ويختط طريقاً للتقويم والتواصل الإبداعي، والمثاقفة الواعية لأهدافها ووسائلها وهو أيضاً على تفاعل حيوي، سلبي وإيجابي، مع الأذواق والملكات.
ولا أظن أن أحداً يعترض على هذا الأمر، أو يصادر هذا “الواقع”، ولكن الاجتهادات تقوم حول التفاعل والتواصل، والتقويم والنقد والأسئلة الأخرى. وتنصب الاعتراضات حول المناهج والأدوات والإمكانات، التي يتطلبها دخول هذا المعترك، في كل جنس أو نوع. واحترام عملية المثاقفة، ومعايير الحكم والاحتكام والتقويم، واستخدامها استخداماً موضوعياً بناء، يحرّض على الاستفادة من الإنتاج الثقافي، ويسهل مهمة التواصل معه، وفهمه، وإدراك معانيه ومراميه، وتلمُّس قيمه الفنية وغير الفنية، كما يحرض المبدع على التفاعل، وقد يحفزه على القيام بمراجعات، ويؤي إلى مزيد من العطاء، وعلى الغوص في أعمق الأعماق، لاقتناص درر يُعجب بها الناظر إليها، وترضي المستفيد منها والمستمتع بها.
ولكن هذا كله ينطبق على عمل رأى النور، وأصبح بإمكان أكثر من متلقٍ ومجتهد ومقوّم وناقد، الإطلاع عليه والتفاعل أو التواصل معه. فلا يوجد مشكلة أبداً في عصر ما قبل الطباعة، وفي عصر النسخ الخطي قبل أن تقوم الرقابات ودور النشر، وقبل أن توجد المطابع، والجهات الرسمية المعنية بشؤون الثقافة، والسياسات ذات الخصوصيات السلبية على الخصوص .. أو بالأحرى أن تلك المشكلة كانت أخف وطأة بكثير، على الكاتب والناقد والناشر والقارئ، منها على كل منهم الآن.
فالمخطوط قديماً كان يستنسخ خطياً، وتروّج منه نسخ، قد تتجاوز قارة إلى أخرى، وإذا ما صودر أو قمع أو منع أو أحرق، فإنه إنما يصل إلى ذلك بعد أن يكون قد قرئ، وعُرض على أشخاص، وتداوله أولو رأي، وكوّنوا منه موقفاً أو رأياً، أي أنه يكون قد رأى النور، وسعى في طريق التواصل، وأدرج في حيز الإنتاج الثقافي المتداول، بنسبة ما.
أما في عصر الطباعة، وعصر دور النشر الرسمية وشبه الرسمية والخاصةـ وفي عهود سياسات ذات أظفار ومخالب، ونزوات ومطالب، وتلونات وتقلبات، – ولا أتكلم هنا عن المدونات والكتاب والكتابة في الوعاء الإلكتروني، الذي بدأ العمل على متابعته وضبطه – وفي عهد سلطة الناشر، وسلطة الموزع، وسلطة الرقيب، وسلطة المقوم المستشار، وسلطة السلطات والأجهزة، و… فإن الإنتاج الثقافي يعاني، في بعض البلدان، ونحن منها.. يعاني من إشكالية أو مشكلة، تتعلق بإمكانية رؤيته للنور، وتواصله مع قطاع من القراء وأهل الرأي، قبل أن يصدر عليه حكم قيمة من أي نوع، وفي أي مستوى من تلك المستويات، تجعله يبقى في العتمة، أو يُخنق في الظَّلام.
فالناشر الخاص في هذا العصر، مهما كان منفتحاً ومتحرراً وموضوعياً، لا يستطيع أن ينشر كل ما يقدّم إليه، من دون إجراء حسابات، والعودة إلى بعض المعايير والضوابط، ومن دون أخذ بعض الاعتبارات “السياسية والدينية والاجتماعية” بالحُسبان. وهناك ناشرون يضعون مجموعة من الأهداف والضوابط والقيم والاعتبارات و”السياسات الخاصة بهم”، يفترضون تحققها في المخطوط المقدَّم للنشر، أو يطلبون ذلك، قبل إقدامهم على تبنيه ونشره. ولا أتكلم هنا عن ناشرين ذوي شروط يفرضونها على الكتاب، لا سيما الناشئين، حيث يكلفونهم دفع تكاليف النشر، ويتقاضون بعد ذلك، نسبة عالية من ثمن الغلاف، والحساب على “ما يُباع”.
والناشرون “في القطاعين العام والخاص”، هم الذين يقومون باتخاذ القرار بالنشر أو عدمه، استناداً إلى قراءتهم للمخطوطات المقدّمة إليهم، من خلال تقارير “القراء المستشارين الخاصين”حولها. وتبقى قراراتهم النهائية محكومة بعوامل منها الشخصي، ومنها تجاري، ومنها ما يتصل برصيد الخبرة، وبهدفهم النهائي من نشرها والتعامل معها، كما أن قراراتهم تبقى محكومة أيضاً، بمراعاة توجهات واعتبارات خاصة بهم كأشخاص طبيعيي، أو بهيئات ومؤسسات وتنظيمات، وشركاء لهم مصالح، وبشخصية اعتبارية ذات أهداف وسياسات ثقافية. ولا يمكن استبعاد عامل الربح والمصلحة الخاصة من عمل الناشر الخاص، بأي حال، فهو عامل حاسم في كثير من الحالات والتوجهات.
وفي الأحوال جميعاً، يصعب تنزيه الشخص الطبيعي بشكل خاص، عن الخطأ والهوى والانحياز، تنزيهاً تاماً، كما أنه لا يمكن قولبة الذوق والرأي والحس الجمالي، وتقعيد أو تقنين ذلك كله، في معادلات باردة وجامدة ومتطابقة، لدى كل الأشخاص، لا سيما عندما يتعلق الأمر بالفكر والأدب والفن، بالإبداع والذوق، وبقضايا هي موضوع اجتهاد من جهة، ومجال رياضة الفكر وتجليه وتحديه، وتجاوزه وتجديده وتنميته، من جهة أخرى.
ومن الطبيعي أن يتدخل في تكوين ملَكَة الحكم، لدى الشخص المعني بذلك العمل، عوامل منها نوع الثقافة التي تلقاها، وعمقها وشمولها، وتجربته الشخصية، وقدراته المهنية وذوقه، وميوله السياسية وتكوينه الفكري، ومواقفه المبدئية، وانتمائه، ومدى التزامه بالمعايير المنطقية والموضوعية، أو مخالفته لها، وابتعاده عنها وقبوله بها أو رفضه لها.. وهذا كله يدخل في تكوين قرار الناشر”الرسمي والخاص”، وفي رأي مستشاره، وفي تكوين رأي الناقد والمقوِّم وحتى القارئ النبيه .. ولا أتكلم هنا عن الإعلام الذي كثيراً ما يخبط خبط عشواء، في هذه الآفاق، ويحتطب أكثر محتطبيه بليل، ويمارس الرفع والخفض، بلا تردد، اسنادى إلى.. إلى.. إلى.؟!
وإذا كان للناشر الخاص – شخصاً طبيعياً كان أم شخصاً اعتبارياً- الحق في أن يتخذ قراراً بالموافقة أو عدم الموافقة، على نشر مخطوط ما، لاعتبارات ومعايير قررها هو أو هي مقرَّة مسبقاً وتدخل في اعتباره، وبالطريقة التي اختارها، فإنه من الطبيعي، أن يكون مثل هذا الحق ممنوحاً للمؤسسة شبه الرسمية، وللمؤسسة الرسمية، اللتين تتعاملان مع الإنتاج الثقافي. بل إن القضية هنا تزداد تعقيداً إلى حد كبير، إذ تدخل السياسة، وجهات التشريع، والشرع، أطرافاً في وضع المعايير والضوابط، وفي مراقبة تطبيقها والمحاسبة على ذلك، وقد تكون من بين تلك الضوابط والمعايير، عوامل وتفاصيل يُطلَب مراعاتها، وهي تتصل بالآني العابر من الأمور، أو تتصل بإيديولوجية يُراد لها أن تستقر أو تهيمن، وبرؤية سياسية أو قومية أو مذهبية، مستندة إلى رؤية أيديولوجية، يُراد تطويع الفكر والأدب والفن لها، وجعل أهل الإبداع يتعودون عليها، أو يتشربونها وينهلون منها… ويضاف إلى ذلك أمراض العلاقات، أو العلاقات المرَضية، وتدخل الميليشيات الثقافية، “الحزبية والطائفية والعرقية”، و..
وفي هذا الأمرمن العَنَت ما فيه، كما أنه يصطدم بعقبات وشوائب كثيرة، في مجال التطبيق، تجعل عملية التقويم محكومة بالسير في طريق تضيق متونها، وتتسع هوامشها. طرق تقصُر أو تطول، وتكثر فيها المزالق والحفر والمنعطفات. وعندما يسند أمر اتخاذ القرار، لأشخاص من مشارب فكرية وإبداعية متنوعة قد يختلفون فيما بينهم، ويختلف بعضهم مع تلك السياسة والتوجهات، أو يتفقون معها، وحينذاك تصبح عملية الحكم مدخولة بعوامل أخرى، فوق تلك التي سبق وأشرت إليها عند الكلام على الناشر الخاص أو مستشاره.. منها الموقف السياسي والأيديولوجي المعلن أو الخفي، المتوافق مع السلطة السياسية صاحبة التوجيه أو صاحبة القرار، أو المتضاد معها. وهذا كله يساهم في خلق مناخ، تنمو فيه المراوغة والتقيّة عند اتخاذ القرار، أو التوصية باتخاذه.
وإذا أضفت إلى هذا كله، مشكلة ثالثة أو رابعة لا تقل تأثيراً، سلباً أو إيجاباً، عن كل ما سبقها وهي مشكلة المستشار المفروض،أو المدسوس، أو غير المؤهّل، أو المقترَح بـ “حق جماعي”، فإنك عندها تدخل في غابة، يحتطب فيها كل حاطب ليل، فتخطئ أو تصيب من خلال تهاوي سواطير غيرك على سيقان شجر لا تراه، وأنت مؤتمن عليه، وتستدعي منك مسؤوليتك ألا تصرّح أبداً باسم الحطّابين، حتى لا تخرب العلاقة فيما بينهم من جهة، وبينهم وبين الناس من جهة أخرى، فكل منهم شجرة وحطاب وساطور على نحو ما، وله خطٌّ مرتبط بذراعٍ ما.

 

جريدة " الوطن" العمانية

 

 

 

حركة النشر .. أسئلة ومشكلات وإشكاليات 2 ـ 2

علي عقلة عرسان

"إن حرية التعبير حرية تحظى باحترام، وبما يرقى إلى “التقديس”، ولكن “قدسيتها، إن صح التعبير، محكومة بوجودها الفعلي بين الناس، ومن أجلهم. وهذا ينزلها من المطلق إلى الممكن، من الطبيعي إلى الوضعي، ومن المثالية إلى الواقعية، ويربطها آلياً بالمسؤولية “القومية والاجتماعية والأخلاقية، وبالانتماء لأمة وهوية وثقافة، وبمرحلة وعصر، ومعطيات قيمية وإنسانية وحياتية، تفرض نفسها على الناس والحياة ”

مما لا شك فيه أنه يصعب نشر كل ما يُكتب، من قِبَل دار نشر خاصة أو عامة، من دون الاطلاع والعودة إلى معايير العقل والذوق والفهم، وأخذ رأي ثقاة، يقل هواهم وخطؤهم وانحيازهم ولا ينعدم، ويُشهَد لهم بالاطلاع والموضوعية والأهلية، والقدرة على إصدار حكم وإبداء رأي.
وعندما يستند قرار نشر مخطوط ما إلى:
- تقارير ذوي خبرة، اختارتهم جماعة، مستعملة حقها الطبيعي في إطار “ممارسة ديمقراطية”، أو أقرب ما تكون إلى الديمقراطية.
- وإلى معايير متَّفق عليها من الجماعة بشكل عام، في خطوطها العريضة على الأقل، أو نافذة بقانون، ومحكومة بعرف له قوة وتأثير.
- وبقرار جماعي، من جهة معنية، صاحبة قرار واختصاص.
- وأن توضع أسس لما يمكن تسميته استئناف الحكم أو القرار، بشكل أقرب إلى المنطق العملي والموضوعية والمنهجية، ولا أقول العدالة المطلقة.
فإنه يفترض، عند ذلك، أن يأتي القرار أقرب ما يكون إلى الانصاف، ومن ثم الى الرضا عنه، والقبول به.
ولكن هذا ما يطعن به دائماً، انطلاقاً من مقولات، واستناداً إلى اعتبارات منها:
- اعتراض المبدع، أو منتج المادة الثقافية، وواضعها في صيغتها النهائية – حسب رؤيته الخاصة طبعاً – على من يقوِّم إنتاجه، أياً كان ذلك المقوِّم، عندما يكون رأيه سلبياً، إلا في حالات قليلة، ترتبط بتكوين نادر، لمبدع، ومنتِج ثقافة، من جهة، وبالمكانة العالية لمن يقوي ذلك المُنتَج.
- اتهام منتج الإبداع، أو المادة الثقافية، لمقوِّم مادته بالتحيز، أو الجهل، أو العجز عن استيعاب المادة، وغالباً ما ينتقص من أهليته للحكم، من دون معرفة به.
- شيوع اعتبارات التحيز، والمحسوبية، والوساطة، والمجاملة والشللية..إلخ وما يجري في الغيَّابات “الكواليس”من أمور غير مقبولة.
- التذرع بالموقف السياسي، وبالبعد أو القرب من مركز اتخاذ القرار، وبالعلاقة الشخصية، وما شابه ذلك من أمور.
وقليلة هي الحالات الموضوعية في تلقي القرار السلبي، التي تدفع إلى أن تعود إلى المخطوط، أو إلى الذات، ليعيد المعني القراءة بجدية وموضوعية وتسليم، بإمكانية وجود خلل أو ضعف أو خطأ.
أما من وجهة نظر المستشار الشخصي لشخص اعتباري أو طبيعي، أو المستشار المختار من جهة تمثيل لقرار جماعي، أو المسمى بقرار سلطة ما .. فإن الأمور تختلف من حيث مقومات إصدار القرار، وتسويغه، والاعتبارات الداخلة فيه، والعائدة إلى اختلاف الأشخاص، والتكوين الثقافي، والتوجه السياسي، والموقف الإيديولوجي أو الشخصي، وكذلك بحسب الرؤية، ضيقاً واتساعاً، والثقافة سطحية وعمقاً واتساعاً، والمنهج المعرفي، ومقومات الحكم، وبحسب درجة يقظة الوجدان، وحساسية ميزان الحكم، وسلامة الذوق. ولا يخلو الأمر عند بعض الأشخاص، من موقف شخصي ومزاج وتعصّب ما، وانحياز ظاهر أو باطن، أو تصفية حسابات. وكل ذلك يؤثر في اتخاذ القرار، أو في التوصية باتخاذه.
وهذه الالماحات إلى بعض الحالات والمواقف والاعتبارات والمعطيات، تجعل المخطوط الذي يأخذ طريقه إلى النور – النشر – عرضة لأحكام، قد تكون متضاربة، ولقرارات قد تكون مشوبة بضعف أو خطأ أو خلل أو عدائية، سواء أكانت سلبية أو إيجابية. وهذا لا يعني على الإطلاق أن كل الأحكام هي كذلك، وإلا فإن إلغاء الاحتكام إلى رأي أوتقويم من أي نوع، يكون أولى، لتوجيح الخطأ والخلل.. وهذا غير منطقي.
فهل نحن، والحالة هذه، مضطرون إلى عرض المخطوط، الذي يسعى لأن يكون كتاباً، على مستشار أو أكثر، بعد ما مر من إشارات وتلميحات إلى بعض ما يشوب مناخ الحكم ومقوماته ووأساليبه من شوائب، أم أن الخير يكون في نشر المخطوطات، دون العودة إلى استشارة، أو هيئة ذات حق باتخاذ القرار .. لا سيما وأن التقدم التقني يشير على تآكل مستمر وكبير، في كل موضوعات الرقابة وأساليبها؟!
هناك اجتهادات طرحت نفسها على بساط الواقع من خلال التعامل منها:
1ـ اجتهاد يقول بإطلاق حرية نشر المخطوط، أياً كان. ومستند أولئك إطلاق حرية التعبير، وحرية النشر، إطلاقاً تاماً، من دون قيود أو حدود.
ولكن من الذي يلزم ناشراً خاصاً، أو هيئة اعتبارية رسمية أو شبه رسمية بالنشر على هذا النحو، واستناداً إلى أية أسس وقوانين يتم ذلك؟ وهل يملك الكاتب سطوة أو سلطة من أي نوع، في هذا المجال؟ وهل كل بضاعة رضي عنها صاحبها، هي حكماً بضاعة ينبغي على الناس أن يرضوا بها، ويقبلوا عليها؟!. وهل انعدم فعلاً تفاوت المستويات القيمية والتقويمية، في الإنتاج الثقافي، حتى بات من المتعذر تمييز إنتاج من آخر، ومن ثم إعطاء الحق لكل منتج، بأن يعرض إنتاجه في سوق النشر، دون ضابط تقويمي أو قيمي:”فني ـ مهني، أخلاقي.. إلى آخره .. ومن أي نوع؟!. وماذا يمكن أن نقول لدار نشر لا تقبل مخطوطاً، لاعتبارات فنية، أو فكرية، أو تجارية ؟! هل نلزمها بالنشر، لأن صاحب المخطوط، رأى أن مخطوطه أهل للنشر، وكفى.؟!.
وكيف نتعامل مع المؤسسات الرسمية وشبه الرسمية في هذا المجال؟!. هل نلزمها لأنها أحق بالإلزام، فهي مسؤولة عن نشر الثقافة، وعن تشجيع النشر، وحماية الإبداع والمبدعين وحقوقهم، وعليها أن تقدِّم خدماتها للناس، لأنها غير مقيدة بقيود الربح والخسارة، مثل الناشرين الخواص، ولأنها، أولاً وآخراً، تنفق من أموال الشعب.؟! إن بعضهم يتخذ من ذلك حجة، في عدم استخدام أموال الشعب لنشر ما ينبغي ألا ينشر.. وهل على تلك الجهات والمؤسسات، في هذه الحالة، أن تتحول إلى مجرد دائرة بريد بين من يكتب ومن يطبع، وقد يجوز لها أن تضبط الدور فقط.؟! وهناك جهات وتنظيمات، تسعى للهيمنة على هذه المؤسسات، وتستغلها لنشر ما يتوافق وأيديولوجيتها وأهدافها، وما ينتجه المنتمون تنظيمياً وفكرياً إليها من جهة، وتبعد غيرها، ممن تعتبرهم أعداء، عن المجال الذي تهيمن عليه، من جهة أخرى.. وتفتح نوافذ مشروطة، بشروطها غير المعلنة، لمن تستقطبهم ليكونوا منتمين إليها، أو مؤيدين لها. ومثل هذه الهيمنة، وهذا التوظيف، موجود في بعض الدول، وله حمايات سياسية وإعلامية، وسطوة على مسؤولين، بدرجات مختلفة؟!
2 – اجتهاد يقول بمنح الكاتب الذي يثبت وجوده، ويُعترَف به كاتباً، حسب ضوابط معينة – هي الأخرى عرضة للاجتهاد، والطعن، والأخذ والرد، وتُدخل أصحابها في متاهة التصنيف.. ومن هو الذي يملك، يا ترى، أن يصنف، عملياً لا نقدياً إبداعاً بمنهجية، ويكون لتصنيفه قوة الحضور الفعَّال، الآمر الناهي – منحه حق نشر ما يكتب، من دون العودة إلى مستشار ينصح بنشر إنتاجه أو بعدم نشره، ومن دون الحاجة إلى قرار من هيئة ما، حول هذا الموضوع. وحجة أصحاب هذا الاجتهاد تستند إلى حرية الرأي، وحرية التعبير والنشر، وإلى ضابط أو مرجع رئيس ما، يعترف بأن هذا الشخص يستحق الاعتراف به كاتباً متميزاً، حسب ضوابط.. كما تستند إلى السّمعة والشهرة، اللتين غالباً ما يصنعهما الإعلام، وتتدخل في ذلك عوامل أخرى. وإذن، فمن حقه أن ينشر ما يَكتب، لاسيما إذا كانت الهيئة التي ينتمي إليها، هي صاحبة دار النشر، وذات الصلاحية باتخاذ القرار في مجالاته.وكل منع لنشر مخطوط، من أي نوع، في هذا المجال – حسب رأي أصحاب هذا الاجتهاد – هو نوع من التضييق على الكاتب، وعلى حرية التعبير، ونوع من التعسُّف، يقوم به ناشرون ومستشارون مختارون أو منتخبون، أو أشخاص يتخذون قرارات لاعتبارات “ديمقراطية ؟!”، ووفق مسؤوليات وظيفية. ولكن قد لا يقر نتائجها الكاتبُ، إذا كانت سلبية بحقه، على الرغم من مشاركته في اللعبة ذاتها.
وهذا المقترَح، يحوّل مؤسسة النشر إلى بريد بين الكاتب والمطبعة أيضاً، ولكن لأشخاص طبيعيين محددين حسب اعتبارات نظامية.
وهذا الوضع يستنبت على ضفتيه هو الآخر أسئلة وتساؤلات منها:
- هل كل ما ينتجه الكاتب المعتبر، جيداً..يتمتع بهذه الميزة الفوقية، وهو صالح للنشر بامتياز، وبالدرجة ذاتها من الاعتبار والإكبار؟!
- وهل يخلو الإنتاج الثقافي عامة، والإبداعي خاصة، من فروق نوعية فيما بينه، ومن قفزات إبداعية خلاقة، تحدد أفضليات وأولويات، حتى في مجال النشر آلياً، وفي ترتيبه مجرد ترتيب؟! وما هي المشكلات التي تنجم عن غياب ذلك المعيار الشكلي البسيط ؟! وكيف يمكن تحديد ذلك وتنفيذه، إذا ما تقرر اعتماده؟ ألا يكون بالقراءة وإصدار حكم من أي نوع؟! ألا يطرح ذلك – فيما لو قام – مشكلات وإشكاليات، أو قضايا ذات خطورة، وذات ضرورة أيضاً، وهي تصنيف الكتَّاب، ليتراتبوا في صفوف وأولويات على آلية النشر، وهذا غريب وعجيب في بابه؟!وكيف يُحدد ذلك، ومن الذي يقوم به؟!وهل يمكن لدار نشر، مهما كانت أرقام موازنتها، أن تتحمل عبء نشر مفتوح،لإنتاج مفتوح بلا ضوابط، ولا حدود له، إلا ما تقرره قدرة المنتج على التَّحْبير؟!وهل كل منتجي الثقافة، ينتجون لوجه الثقافة والمعرفة، وبدافع الإبداع، وحُرَق المعاناة، أم أن هناك من ينتج ليتزلف، ويتقرب، ويمارس دعاية من نوع ما، وهناك أيضاً من ينتج،”ليضع على النار”، كما يقول المثل العامي، “أي أنه يتعيَّش من النشر.. وهناك من ينتج، لكي يضيف حطباً إلى النار المشتعلة في مواقع ومواقف؟!وكيف يتم فرز هذا الإنتاج عن ذاك في هذه الحلبة التي لا تخلو من صراع ومتصارعين، وحسب أية موازين ووسائل واعتبارات، وتدابير ومجريات؟!
- وهل قطاع الإنتاج الثقافي، معلَّق في الفراغ تماماً، دونما اتصال بواقع اجتماعي واقتصادي وثقافي وسياسي وروحي، يفرض حضوره ويضع معوقاته وقوانينه وضوابطه، ويحدد أساليب للتعامل معه؟!هل نحن في الحُلم، أم في اليوتوبيا خارج حدود الزمان والمكان، أم أننا “ننام في العسل”، كما يقول المَثل.؟!.
- وهل يمكن أن نفلت مما هو قائم، اجتماعياً وسياسياً، من قوانين وضوابط، ورقابات نحاول أن نخفف من قيودها.. ومن واقع ثقافة في معترك المثاقفة، تحاول أن تملك هويتها وخصوصيتها وأصالتها، من دون أن تتشرنق، وتحاول أن تنفتح من دون أن تتمزق، وتصبح تابعاً لقطب في فلك آخر؟! وهي ذات خصوصية، قامت في محيطها، ونبتت في أرضها، وتحاول أن تقاوم مخططات معادية، غازية، أو متناهية في الغرور، ومسكونة بالهُجْنَة، أو ترمي، في بعض مناحيها وأغراضها المسيَّسة، إلى إفساد ثقافات الآخرين، بالتزوير والتلفيق والاتهام، وبنشر السموم المختلفة، ولها وسائلها في الوصول والحضور والاستقطاب والتأثير، لفرض تبعية واستعمار عقول!!.
وإذا كان لنا مثل هذا الاختيار، في مؤسسة نملكها جماعياً، ونسيّرها ديمقراطياً، فكيف نتعامل مع مؤسسات رسمية، مازالت في وطننا العربي والعالم الذي ينمو، هي التي تحمل عبء نشر الثقافة، وتتحمل مسؤولية الانفاق عليه، وهي محكومة بقوانين دولة، وباعتبارات مجتمع وسلطة، وبسياسات ذات هموم وشجون وفنون، وبسياسيين ذوى طموحات ونزوات وهفوات وارتكابات؟!
إن حرية التعبير حرية تحظى باحترام، وبما يرقى إلى “التقديس”، ولكن “قدسيتها، إن صح التعبير، محكومة بوجودها الفعلي بين الناس، ومن أجلهم. وهذا ينزلها من المطلق إلى الممكن، من الطبيعي إلى الوضعي، ومن المثالية إلى الواقعية، ويربطها آلياً بالمسؤولية “القومية والاجتماعية والأخلاقية، وبالانتماء لأمة وهوية وثقافة، وبمرحلة وعصر، ومعطيات قيمية وإنسانية وحياتية، تفرض نفسها على الناس والحياة، ومن ثم على الثقافة والإبداع والفكر.فكيف نتعامل مع ذلك، وكيف نحل ما يلقيه علينا من أسئلة، وما يطرحه من مشكلات ويثيره من إشكاليات؟!
إنها قضايا، وإشكاليات، ومشكلات، تحتاج إلى مزيد من الحوار وإلقاء الضوء بوعي ومسؤولية.. لنثري ما يبقى وينفع الناس.. وقد قيل “لا بارك الله في علم لا ينفع.

إضافة تعليق

6 + 2 =
Solve this simple math problem and enter the result. E.g. for 1+3, enter 4.