اللغة الوسيطة في تعليم اللّغة العربية للناطقين بغيرها”

اقتضت جملة من الأسباب السياسية أو الاقتصادية أو الثقافية أو الدينية أو الاجتماعية، دراسة الّلغة العربية لمن يريد أن يتّصل بالعالم العربي، فبات تعليم اللغة العربية للناطقين بغيرها يحتلّ مركزًا متميزًا في العصر الحديث.

وانطلاقاً من أهمية اللغة العربية والشعور بالتحديات التي تواجهها، كتأثير الازدواجية اللغوية في تعلّمها، وإدراكًا لصعوبة تعلّمها للناطقين بغيرها في ظلّ تلك الازدواجية، ولمّا في ذلك من فائدة في معرفة السبل الأنجع في تعلّمها.
يتساءل كثيرٌ من لهم الشغف في تعلّم اللغة الثانية (ما المستوى اللغوي “الفصحى – الوسطى – العامية” الذي نعلّمه للناطقين بغير العربية في ضوء احتياجاتهم؟).
إنّ اختيار اللغة العربية الفصحى لتكون المستوى اللغوي لتعليم اللغة العربية للناطقين بغيرها، يشكّل المرتبة الأولى في جميع المؤسسات والمعاهد المتخصصة في تعليم اللغة العربية للناطقين بغيرها؛ ولعلّ هذه الغاية الأسمى التي أنشأت من خلالها هذه المؤسسات والمعاهد وذلك من خلال رؤيتها وأهدافها، ولكن لا يخفى علينا أنّ هذا المستوى اللغوي الفصيح قد يشكّل عقبةً في طريقهم عندما ينخرطون في المجتمع فيصطدمون بالمستوى اللغوي المتداول، ويشعرون بالفرق بينهم وبين من يتحدّثون بالعامية.
نرى معظم الدّارسين يتعلّمون اللغة العربية لأهدافهم الخاصة في أغلبها أهداف علمية وظيفية بما يتّصل بشؤون حياتهم اليومية، وهم يبحثون عن مستوى لغوي ميسّر يمكنهم من تحقيق أغراضهم من تعلّم العربية، وهذا ما يدعونا القول إننا بحاجة إلى تيسير الفصحى وتبسيطها والتقليل بينها وبين العامية وخاصة في المستوى الأول من تلقّي اللغة العربية، بحيث يكون هناك وسيط لغوي ليس خالصا للفصحى وليس خالصا للعامية، ويصلح أداةً للتواصل على مستوى المشافهة والكتابة، ولا سيما أنّ الطالب الأجنبي لا يمتلك مرونة التصرف في اللّغة.
إنّ ظاهرة استخدام اللغة الوسطى بدأت تفرض نفسها في حواراتنا وأحاديثنا، وهي ظاهرة مهمّة تستدعي التوقف عندها، ودراستها دراسة معمّقة، ولا بدّ من انتقاء الأساليب والوسائل الأنجع في إيصال الفكرة لمكتسب اللغة العربية الناطق بغيرها، ولا سيما المستوى اللغوي الذي يتلقّاه المكتسب، فإنّ ما يعانيه الدارسون وما نعانيه نحن أيضا هو ما يصطدمون به من الوضع الازدواجي في العربية؛ فإنهم يتعلّمون الفصحى ثمّ يضطرون لتلقي اللهجات المحكيّة، فيفاجأ المكتسب بالبون الشاسع بين ما تعلّمه ودرسه، وما هو واقع فعلاً، إذ تقف العاميّات سدّاً منيعاً أمام الفصحى فتقلّل من دافعية المكتسب.
ولم يقف حد الازدواجية عند البنى اللفظية بل تعدّاها إلى المعاني المتداولة، فبعض المفردات تستعمل في لهجة يخالف المعنى في لهجة أخرى، وقد يكون المعنى مستكره أو مذموم في إحدى اللهجات، والمكتسب يتردد بين الفصحى والعامية سواء على مستوى المفردات أم على مستوى المنطوقات، وقد يرد ذلك على مستوى اللغة الوسطى، وهنا يأتي دور المعلّم لبيان بعض القواعد، والعمل على تهيئة الاكتساب من خلال استخدام المواقف الحياتية، فكما هو معروف لدينا أنّ المنهج قائم على توفير المحيط الملائم لاكتسابه.
إنّ مشكلة الازدواجية شكلّت عائقا واضطراباً لمتعلمي اللغة العربية الناطق بغيرها، فهم يستعملون نظامين مختلفين بدلاً أن يستعملوا نظاما واحداً، وهذا الأمر قد ينعكس سلباً على فهمهم واستيعابهم وتحول بينهم وبين الآخر في التواصل والتعارف وتحقيق مبتغاهم، وهكذا فالازدواجية اللغوية تمثّل عاملاً معوقا لغويا لتعليم اللغة العربية الفصحى للناطق بها نفسه فما بالك بغير الناطق بها.
إنّ خيار اللغة الوسطى لتكون لغة تعليم اللغة العربية للناطقين بغيرها يبقى هو الرّاجح والأنسب، وهذا ما يدعونا إلى تيسير الفصحى وتبسيطها والتّقليل من النزاع بينها وبين العامية، وقد يمثّل تطوير وسيط لغوي ليس خالصاً للفصحى وليس خالصاً للعامية حلّاً، ويصلُح أداة للتواصل على مستوى المشافهة والكتابة، ولا سيما أنّ المكتسب الأجنبي لا يمتلك مرونة التّصرف في اللّغة.
ونقصد هنا أن تخضع اللغة كل ما تقترضه أو تأخذه أو تستعيره لنظام سلس ميسّر وقانون نحوي وصرفي مرن يرجع في تكوينه الأساس إلى نظام الفصحى وقانونها دون أن يلتزم التزاما صارما بكل تفاصيلها، في المقابل لا نقصد التخفف من الحركات الإعرابية بالتسكين على أواخر الكلمات في اللغة العربية، لأن للوصل بعلامات الإعراب على صورته الصحيحة السليمة أثره البياني والأسلوبي في اللغة المكتوبة والمنطوقة معاً، وله أثر الصوتي والجمالي في اللغة العربية المنطوقة بنحو خاص.

إضافة تعليق

11 + 4 =
Solve this simple math problem and enter the result. E.g. for 1+3, enter 4.