من خير جليس إلى عابر للقارات... الكتاب في مهب الفضاء الإلكتروني

والكتاب ظرف حشي ظرفاً، وإناء شحن مزاحاً وجداً ووعاء ملئ علماً، نعم الذخر هو، ونعم الأنيس ساعة الوحدة، ونعم المعرفة ببلاد الغربة 

تفنن الشعراء والأدباء عرباً وأجانب في وصف الكتاب، فهو المؤنس في الوحشة والصاحب في الغربة وهو خير جليس في الأنام، والغذاء للجسد والروح والنفس لكنني لم أجد أجمل ولا أمتع مما كتبه الجاحظ في وصفه حين قال: «والكتاب ظرف حشي ظرفاً، وإناء شحن مزاحاً وجداً ووعاء ملئ علماً، نعم الذخر هو، ونعم الأنيس ساعة الوحدة، ونعم المعرفة ببلاد الغربة».‏

لكن ماذا لو أن هذا الصاحب فارقنا وإلى الأبد، وحل محله الالكتروني الذي أصبح يفرض نفسه بقوة مع انتشار وسائط الاتصال الحديثة وما هو مستقبل الكتاب الورقي؟ وهل سينهض الآخر البديل إن -صح التعبير- بدوره المعرفي أم إنه سيفرز حالة من الاتكال ويشيع أسلوباً نفعياً عند فئة واسعة ولاسيما الشباب، وهل يمكننا اعتماد الشبكة العنكبوتية كأداة معرفية وقد تحولت في كثير من الأحيان لملء الفراغ ومضيعة للوقت والترفيه والتسلية والثرثرة (الدردشة) وهل حقاً باتت وسائل الاتصال الحديثة تشكل كما يرى البعض روافع لنشر الثقافة العربية والوصول بها إلى آفاق أبعد وأرحب.‏

للإجابة على هذه الأسئلة «الثورة» استمزجت آراء بعض الكتّاب والباحثين والمهتمين فكانت ما بين مؤيد ومعارض ومؤكد أن البقاء للكتاب الورقي وآخر مشجع للآخر الإلكتروني.‏

كان رفيقاً فأصبح رقيقاً‏

د. مازن المبارك يرى أن البؤس والشقاء صفتان تلازمان الكتاب في الوطن العربي وجدير بنا نحن الذين نرى بؤسه وشقاءه أن نتذكر عهود طفولته وصباه وما كان يلقاه من حنان الحاكم ورعايته وحب القارئ وإقباله وعاطفته، فلقد عرف أسلافنا منزلته ورعوا حقه، وتمضي الأيام والسنون ويتقدم الزمن بنا وبالكتاب ويتغير الناس ويتغير الكتاب إذ أصبح بعض الناس يقتنون الكتب لمظهرها ويضعونها على الرفوف زينة وزخرفاً لم يطالعوا فيها خبراً ولم يقرؤوا منها حرفاً.‏

ولو تكلم الكتاب اليوم لقال: كنت رفيقاً للملوك والخلفاء فأصبحت رقيقاً.‏

أيها السادة أطلقوا سراحي وفكوا أسري واذكروا أنكم أمة صنعها (كتاب) وأعزها (كتاب) اذكروا أنكم أمة (اقرأ)‏

أما الكتاب الإلكتروني فهو حسب د. المبارك سيدخل الضيم على الورقي ولكن لا يمكن أن يحل محله, أولاً بالنسبة للذين لا يستطيعون التعامل مع الالكترونيات من كبار السن وضعاف النظر، وثانياً لأنه لا يمكن الاعتماد على الالكتروني مصدراً علمياً، فالتوثيق لا يكون إلا بالمصادر الورقية المعتمدة ولا يصح بالنسبة إلينا إلا الكتب العلمية المدققة والمحققة على الورق ولذلك فالبقاء للكتاب الورقي من دون أدنى شك.‏

ولا تزال الكتب الورقية‏

أما الكاتبة والأديبة مريم خير بك فبرأيها :أنه في الوقت الذي تسيطر فيه مفرزات العولمة بكل جزيئاتها ولاسيما على الساحة الثقافية بعد أن أخذت أبعادها في العالم المؤسس لها تأتي ردات الفعل المدروسة من هذا العالم الذي عاشها وعايشها إنما لم تترك آثارها عليه كما تركتها على مجتمعاتنا التي تعيش الحالة الآن بكل سلبياتها وهنا أتوقف عند موضوع مهم جداً وهو الكتاب الإلكتروني في ثقافتنا وماذا حل بالورقي أو الثقافة المرتبطة بالمنشورات الورقية بأشكالها كافة. وقد قامت خير بك منذ حوالي 15 عاماً أي مع بداية دخول الكتاب الالكتروني في الساحة الثقافية عندنا، ومع مرور وقت لابأس به عليه في الغرب بدراسة رصدت فيها هذا الوضع فكانت النتيجة أن أوروبا التي تتعامل مع تكنولوجيا العصر بدرجة أوسع بكثير منا، لا تزال مطابعها تعمل وتعمل ومازال للثقافة التقليدية وجودها وثباتها أمام ثورة التقنيات المعرفية، وقد أكد لي منذ سنوات والكلام - لخيربك - أهم الناشرين في فرنسا أن كم الكتب الورقية لا يزال يطرح كما في السابق على مستوى الأوساط الثقافية العالمية،وقد تناولت الأمر بنظرة أكثر دقة لأنها تدرس ما حصل بنتائجه لتقول في النهاية رأيها العلمي الذي يؤكد أن عادات القراءة السريعة التي نشأت بسبب علاقة القارئ بالانترنت أو النص الالكتروني لا تولد إلا السطحية الثقافية، عكس القراءة التقليدية التي تتسم بالتأني والحيوية في التعامل مع النص المقروء مستندين فيما قالوه إلى دراسات وبحوث بينت الآثار السلبية للقراءة الالكترونية على التكوين المعرفي للقارئ المعاصر مثل الأميركي الاكاديمي (غريغ غارارد) و(كيث توماس) الأستاذ في جامعة أكسفورد والذي أكد أن عادات القراءة الجديدة للنص الالكتروني قد أدت إلى تقويض الأسس والمنهجيات الذهنية التي قامت عليها ثقافة القراءة، والأهم من هذا أن هؤلاء الباحثين يؤكدون فقدان الروابط الإنسانية نتيجة هذا النوع من القراءة، ففي الوقت الذي يوجد فيه الكتاب حميمية خاصة بينه وبين القارئ، وبينه وبين قارئه والآخرين يؤدي الكتاب الالكتروني إلى العزلة والانفراد، لا بل يذهب بعض الدارسين إلى أن ثقافة (الانترنت) أو ثقافة النص الالكتروني حولت قرّاءه إلى أناس أغبياء لا يتفاعلون ولا يتعايشون مع النص المقروء وهنا أقول: إن هذا التيار الثقافي وأن أثر علينا، لكن الإنسان في النهاية لابد أن يحن إلى شيء افتقده فيقف متأملاً ومتسائلاً ما الذي فعله، وربما كل ذلك يعود إلا أننا لم نصل إلى المرجو في تعاملنا مع ثقافتنا التقليدية ولم تغط هذه الثقافة مساحة هامة من ساحتنا الثقافية، تماماً كما لم نتعامل مع مفردات العولمة تعاملاً واعياً وعميقاً.‏

المستقبل الالكتروني‏

وللمسؤول الثقافي والإعلامي في دار الفكر صهيب الشريف رأي مختلف, فحسب وجهة نظره أن المرحلة الأخيرة من تطور الكتاب مكنت المؤلف من أن ينشر مباشرة كتبه على (الانترنت)، وبالتالي فإن عملية النشر كلها تغيرت، وهناك مراحل ألغيت، وسيكون النشر عن طريق مواقع (الانترنت) هو المعتمد، ويصبح الكتاب عابراً للقارات، يجتاز الحواجز، الجمركية والرقابية دون تأخير، لن يحتاج للورق والأحبار، ولا للشحن والحدود، وهذا كله سيؤدي إلى انخفاض كلفته وسهولة الحصول عليه من قبل القارئ.‏

المستقبل حتماً للكتاب الالكتروني، ونحن نعيش حالة انتقالية كالتي عشناها عند الانتقال من التسجيل الضوئي على الاسطوانات والشريط البكرة ثم الكاسيت ثم القرص الليزري ثم DVD ثم البلوري الآن.‏

لقد كانت علاقتنا مع الكتاب الورقي (لفترة طويلة) رومانسية نستطيع حمله والانتقال به وقراءته في الطبيعة والحافلات وفي غرف النوم، لكن لا ننسى أن الكتاب الورقي قضى على الآلاف من الأشجار من أجل أن يضم معارفنا، ونحن أحوج ما نكون إلى استعادتها وتنميتها مجدداً للحد من تطور الاحتباس الحراري والتلوث البيئي الذي يحدث في العالم.‏

لا يلغي أحدهما الآخر‏

الأديب عدنان كنفاني يرى أن هناك من يروج أن الكتاب الورقي سينتهي، وإذا كنا موضوعيين فيجب ألا نستبعد الاثنين لأسباب كثيرة منها:‏

-سهولة الوسيلة في تناول الموضوع أي من خلال محرك البحث في لحظات.‏

- ثم غلاء الكتب وعدم توفرها عند الطلب، وغيرها كثير، ومع كل ذلك فلا يمكن أن يغني شيء عن متعة القراءة النظرية من الورق مباشرة وإن كنت ضد المستوى المتدني الذي يغرق الأسواق بالكتب الهابطة والرخيصة، وكتب البخت والخط والطبخ، وهذه أيضاً مسؤولية تقع على عاتق المؤسسات التي تسمح بالنشر والتوزيع، ناهيك عن أن دور النشر اليوم تبحث عن الربح المادي ولا تُعنى بالمضمون، فضلاً عن أنها لا تفتش عن الأقلام الواعدة والشباب الواعد، وجواب مباشر لا أعتقد أن أحداً يلغي الآخر يبقى الكتاب وينتشر الالكتروني.‏

لا اختلاف في الجوهر‏

عبد الله أبو راشد فنان وناقد تشكيلي: التعامل الورقي تقنية لن تلغيها التكنولوجيا المعاصرة وستبقى الورقيات ورقيات، ومنتجات المعلوماتية لها مجالها وميدانها، والفصل هنا ميكانيكي بالمعنى النظري، فالكتابة الالكترونية تتكئ على الورقية وقد أسست عليها لكن التحولات المجتمعية والاقتصادية والسياسية تفرض ثقافتها السائدة وبالتالي فهي تجربة قد تواجه النجاح وقد تفشل بعد عقد مثلاً، على أية حال نحن مع التطور فمن يشتغل بالمجال الفكري والثقافي والأدبي يتقن أدواته ولا اختلاف في الجوهر وإنما في الآليات، فمن جودة الكتابة الالكترونية ومحاسنها أنها اختصرت الوقت واختزلت العالم إلى مساحة صغيرة لا تتجاوز حجم حاسوب محمول، وهي ميزة للجميع.

 

إضافة تعليق

1 + 6 =
Solve this simple math problem and enter the result. E.g. for 1+3, enter 4.