الفائزان بجائزة الشارقة لعام 2018 : هناء أحمد وقيس عمر: الكتابة أولا ولا يوجد معيار موضوعي للجوائز

مروان ياسين الدليمي: سبق أن فاز أدباء وشعراء ونقاد عراقيون بجائزة الشارقة في دوراتها السابقة، ولم يكن فوزهم مفاجئا ولا استثنائيا، إنما كان استحقاقا من الناحية الفنية، إلاَّ أن فوز اثنين من الأدباء الشباب هذا العام 2018 ومن مدينة الموصل، بعث رسالة أمل مِن مدينة منكوبة أثخنتها الحرب، وبدت كما لو أنها لم تعد قادرة على النطق وعلى أن ترفع صوتها لتشدو أغنياتها للعالم. من هنا اكتسب هذا الفوز دلالة أكبر بكثير من قيمة وأهمية الجائزة، بما يعني أن مدنيَّةَ المدينة لن تموت، رغم الرمال التي تعصف بربيعها، وأن ذاكرتها الثقافية ستبقى مورقة رغم التحديات التي تواجه حضورها الثقافي والإنساني.
«القدس العربي» التقت بالفائزين هناء أحمد الفائزة في مجال النقد، وقيس عمر الفائز في مجال القصة القصيرة، وحاورتهما حول هذه المشاركة، إضافة إلى موضوعات خاصة بالشأن الثقافي، وكان لا بد في البداية من أن نطرح سؤالا حول أهمية هذه الجائزة بالنسبة لهما.
جدوى الجائزة وتوقيتها
أشاد القاص قيس عمر بمسألة المسابقات والجوائز الأدبية، ووجدها تقدم إشعارا مهما على أن المشغل الأدبي للكاتب يمضي على الأقل في المسار المقبول، وإن كان هذا ليس بمقياس معقول حسب رأيه، وأضاف أن «المشغل السردي مثلا أو الشعري يتراوح بين تيارين: تيار المشاكلة وتيار الاختلاف، والمشغل المختلف يواجه صعوبة في المسابقات الأدبية، لكونه مشغلا استشرافيا مقبلا من الأمام، وهنا تكمن صعوبة تذوقه وقبوله».
أما الشاعرة والناقدة هناء أحمد، رغم أنها اتفقت مع قيس على أهمية المسابقات والجوائز، إلاّ أنها أضافت مؤكدة على أن «أهمية هذه الجائزة تكمن في كونها إنجازا لمدينة الموصل أولا، المدينة التي خرجت توا من خراب أراد أن يمحو معالمها الثقافية والإبداعية، أراد لها الموت، وفي الوقت نفسه الجائزة هي مكافأة لي على أنني من الممكن أن أقدم إنجازا يليق بالإبداع وعلى مستوى العالم العربي، لاسيما بعد السنوات المظلمة التي عانينا منها، السنوات التي فقدتُ فيها مكتبتي الخاصة، وكتبي المتعلقة بأطروحتي للدكتوراه، إنها سنوات قاسية خسرنا فيها الكثير من الأحبة والجدران والشوارع والنوافذ وبعضا من قلوبنا، فهنيئا للموصل هذا الإبداع الذي تستحقه».
جماليات العمل الأدبي
وحول الجوانب الفنية التي تضمنتها مجموعته القصصية «جذامير» الفائزة مناصفة مع مروى هيثم ملحم? من ?سورية عن مجموعتها «عين ثالثة»، أوضح قيس عمر أن «أغلب قصص المجموعة تهتم بالإنسان وعوالمه الغائره، وسعيت للإمساك بتلك التفاصيل الإنسانية الكونية، والاهتمام بوجع الحياة ووجع الحروب وأوجاع الإنسان في كل زمان ومكان». بدورها تحدثت هناء أحمد أيضا عن طبيعة كتابها النقدي الموسوم «جدلية الشعر والنثر في شعر الحداثة» الفائز بالجائزة الثالثة، مشيرة إلى أنها «حاولت في الكتاب تناول موضوع البحث بمنهج علمي وموضوعي، بتناول عينة مكتنزة تتناسب مع الموضوع المطروح في مجال النقد ضمن شروط الجائزة، وكانت المجموعة الشعرية الموسومة «مرايا لشعرها الطويل» للشاعر عدنان الصائغ، التي من خلالها حاولت أن أسلط الضوء على شعر الحداثة، وهو يُدخِل الشعر في جدلية معقدة مع النثر، لاسيما حين تكون ساحة الاشتغال الإبداعي (قصيدة النثر)، وحينذاك لا يمكن رصد الفاعلية الفنية لهذه الثنائية الجدلية إلا تحت مظلة مصطلح مرن مثل (الشعرية)، وهكذا استطعت من خلال الدراسة احتواء المظاهر الفنية الناتجة عن ذلك التداخل الجدلي والثنائي بين الشعر والنثر».
وحول مدى المصداقية التي تتوفر في المسابقات والجوائز الأدبية، خاصة في ما يتعلق بمسألة تقييم وفرز النصوص الجيدة عن غيرها، أكد القاص قيس عمر على أنه «لا يمكن المراهنة على مذاق نقدي معين، لأن بعض الاشتراطات الفنية ليست محل اتفاق في الأنواع الأدبية، وما يندرج تحتها من أنواع صغرى أو فرعية، لأن الأدب ينتمي لمجال الجماليات التي هي في النهاية إنسانـــية، فلا يوجـــد كنتيجة لذلك حكم موضوعي يمكن اعتباره علميا، لكن لجان التحكيم في المسابقات تحاول وتسعى لحصر بعض المشتركات الفنية للكتابة الإبداعية». وفي معرض إجابتها على السؤال نفسه، أوضحت هناء أحمد أن «الجوائز في مجال الإبداع عموما تعمل على استقطاب أكبر عدد من المبدعين، وفي الوقت نفسه هي تقدير للطاقات الشبابية الإبداعية في العالم العربي ومبادرة تشجيعية لهم، كما أصبحت تلقى اهتمام المجتمع والأوساط الأدبية على وجه الخصوص، وبذلك خرجت من كونهـــا تخص جهتها المانحة أو الأشخاص القائمــين عليها، كل ذلك يعني أن الجوائز ستخضع نوعا ما للمعايير الفنـــية والإبداعية، ولا شك أن جائزة الشارقة للإبداع العربي قدمت لنا على مدى الدورات السابقة نتاجات مهمة، ما يدل على المسؤولية التي ألقــتها على الكاتب المشارك وهو يقدم عملا إبداعيا خالصا يحاول عبره أن يثبت للمتلقي أنه جدير بالاحتفاء المعنوي والمادي».
الكتابة أم الجوائز؟
ونظرا لأن هناك جدلا قائما في الوسط الثقافي العربي خلال الأعوام القليلة الماضية تتعالى فيه بعض الأصوات التي تشكك بالقيمة الفنية للأعمال الفائزة بالمسابقات كان لابد أن نطرح عليهما سؤالا في هذا السياق، في ما إذا كانا قد أخذا بعين الاعتبار الالتزام بالمعايير الفنية الخاصة بالمسابقة أثناء الكتابة؟ أم أنهما لم يضعا هذه المسألة في الحسبان؟ من جانبه أكد القاص قيس عمر على أن ما يشغله في عالم الكتابة هو كيف يمكن كتابة نص يحمل بعضا من الحياة.
وأضاف «ما أفكر فيه دائما هو كيف سأقول كلمتي أو كيف ستكون رسالتي الموجهة إلى العالم، ومن سيقرأ ما أكتبه، والأدب في النـــهاية هو معطى إنساني يحاول تقديم خوف الإنسان من الحياة والعالم، لهذا نجد أهم النصوص العالمية تحمل رسائل مشتركة كلها تحاول شرح أعماق الإنسان وتجلياته في هذه الجمرة التي نعيــش عليها، أمّا أن تكتب وأنت تفكر في الجوائز فهذه إشكالية سوف تربك مشغلك الكتابي، لأن التركيز على أهداف الجوائز الأدبية سيسحب الكتاب من مجال الصدق الفني ويدخل الكاتب في مشغل مغاير ليس بالضرورة صحيحا».
أما هناء أحمد فإنها تعتبر الكتابة ملاذا لها، مضيفة في هذا السياق «أنا أكتب وأتحدى نفسي في كل نص إبداعي أكتبه، سواء كان نقديا أم شعريا أم قصصيا، أعرف أن أفضل نص لي لم يكتب بعد، ولكن ما يهمني أنني أكتب برؤية ووعي ثقافي، أزعم أنني أحاول دائما أن أثريه بقراءاتي المتنوعة، إنها الكتابة الإبداعية التي تعبر عن المألوف بطريقة غير مألوفة، ولا شك في أن الجوائز في أغلب الأحيان هي التي تخضع لمعايير النصوص الإبداعية الفنية والأدبية وليس العكس».
النتاج الأدبي والنقدي
أما بخصوص الأعمال التي سبق أن قدماها في الأعوام الماضية، فقد أوضح القاص قيس عمر بأنه كتب العديد من القصص التي نشرت في الصحف والمجلات، ثم أضاف «أنا في الأساس مقل في الكتابة وكل نص يستغرق مني عاما تقريبا، بمعنى أنني أكتبه على مراحل، وأحب أن أشير أيضا بهذا الخصوص إلى أنني سبق أن حصلت على جوائز عراقية في مجال القصة، كما أصدرت كتابا نقديا حمل عنوان «البنية الحوارية في النص المسرحي» إضافة إلى كتب مشتركة منها كتاب «خدوش على جسد المعنى»، وهناك أيضا مجموعة دراسات نقدية متفرقة في المجلات والصحف».
أما هناء أحمد فقد أوضحت لنا أنها أصدرت كتبا في أكثر من نوع أدبي، ابتداء بقصيدة النثر والقصة القصيرة، إضافة إلى المقال النقدي، كما أضافت أن رسالتها لنيل شهادة الماجستير في الأدب العربي عام 2012 من كلية الآداب جامعة الموصل حملت عنوان «شعرية قصيدة النثر في مجموعة البدوي الأحمر للشاعر محمد الماغوط». وأن لديها مجموعة شعرية قيد الطبع، وحاليا هي مشغولة في كتابة أطروحتها الموسومة «عتبات النص في شعر عدنان الصائغ» لنيل شهادة الدكتوراه.

إضافة تعليق