الكتاب وفردية القراءة

لا زالت الصحافة الثقافية في العالم مشغولة بترتيب آلاف عناوين الكتب في قوائم وإحصائيات في محاولة لرسم خريطة أو مشهد يعبر عن ذائقة الناس في القراءة خلال العام الماضي 

فتحت عناوين مثل الكتب الأكثر مبيعاً، الكتب الأكثر قراءة أو أفضل عشرة أو مائة كتاب لدى القراء أو الكتاب أو النقاد نشرت الصحف في أوربا وأمريكا خلال الأسابيع الماضية عشرات القوائم والاستطلاعات والتحقيقات والمراجعات النقدية التي كانت معظمها محاولات لاستخلاص معنى ما أو صورة واضحة من كم المعلومات المتوافر حول أرقام نشر وتوزيع وبيع الكتب على مختلف أنواعها. ويتجاوز هذا الموضوع كونه نشاطاً صحفياً يرتبط بنهاية العام إلى كونه موسماً حقيقياً بالنسبة للعاملين في صناعة نشر وتوزيع الكتاب يمكن من خلاله رسم استراتيجيات وتوجهات سوق الكتاب في العام المقبل وفق المعلومات التي تحدد حاجات وتفضيلات المستهلك، وبالإضافة إلى ذلك فقد اعتاد النقاد والباحثون استثمار تلك المعلومات والقوائم التي توفرها الصحافة حول علاقة الجمهور بالكتاب في جهودهم لرسم ملامح المشهد الثقافي واستشراف أفقه في العام المقبل.‏

لكن ما ميز موسم نهاية العام الماضي هو حالة تحول في نتائج الاستطلاعات والقوائم التي نشرتها الصحافة الثقافية تتجلى في غياب القواسم المشتركة التي كانت تمنح تلك القوائم نوعاً من المصداقية أو الموضوعية. فمن يتأمل في ما نشر حتى الآن في هذا السياق سيلاحظ تنوعاً وتناقضاً بين المعلومات المتوافرة بحيث لا يمكن استخلاص نتائج عامة منها تشير إلى اتجاهات واضحة أو مشتركة في ذائقة الجمهور في القراءة. وأشار بعض الكتاب إلى هذا التحول على أنه نزعة من قبل شرائح القراء المتنوعة نحو التحرر من ثقافة الإجماع التي كرستها خلال الأعوام الماضية مؤسسات ووسائل تسويق الكتاب العملاقة التي حولت وسائل الاتصال الجماهيري والصحافة الثقافية إلى أدوات تسويق ومنابر لتصنيع العناوين والنجوم. ولم تكن الآثار المقلقة لذلك التحالف بين اقتصاديات صناعة الكتاب من جهة وبين وسائل الإعلام من جهة أخرى خافية على النقاد والكتاب في الأعوام القليلة الماضية، فقد أشار العديد من المتابعين بقلق إلى أن ثقافة الاجماع التي تكرسها قوائم الكتب الأكثر مبيعاً إنما تهدد ثقافة القراءة وتقاليدها العريقة في المجتمعات الأوربية، حيث تدفع تلك القوائم المصنعة بشكل مسبق القارئ للتخلي عن حريته الفردية في الاختيار والبحث عن عناوينه تحت الضغط الاعلامي المكثف لتلك القوائم والبيانات. وكان القلق ينطلق من أن القراءة في جوهرها فعل فردي ينزع نحو المغايرة والتعبير عن الخصوصية الذاتية للقارئ، وهذا ما يتناقض مع آليات تسويق الكتاب التي حولت جمهور القراء إلى جموع وأرقام تتهافت وراء العناوين الكبرى والنجوم التي تصنعها مؤسسات التسويق والعلاقات العامة.‏

كان الروائي البريطاني بيتر كاري الحائز على جائزة بوكر للرواية مرتين قد عبر عام 2009 عن قلقه تجاه تقاليد التصنيف والفرز في قوائم الكتب الموسمية تلك عندما قدم إجابة على سؤال أعظم عشرة أعمال أدبية تضمنت نماذج كلاسيكية مثل تولستوي، دوستويفسكي، ديكنز وبروست. أضاف كاري إلى إجابته ملاحظة تلخص الإشكالية في تكوين الذائقة الأدبية المعاصرة والعبثية في إصدار قوائم تحدد علاقة القارئ بالأدب. يقول كاري: «ليس هنا في هذه القائمة جيمس جويس أو ت س إليوت أو فرانز كافكا، رغم أنهم أبدعوا النهر الذي نسبح فيه. ليس في القائمة فولكنر، رغم أني أدين له إبداعياً بكل شيء. وليس هنا تشيخوف، فأي قائمة هذه؟! العبقرية والقوائم لا يتفقان». فعلاً إن النظر إلى الأدب من زاوية العبقرية يؤدي إلى صورة غير مكتملة. إن شكسبير عبقري، لكن بن جونسون وملتون ودريدن رغم عظمتهم ليسوا عباقرة. وكولريدج عبقري، لكن ووردسورث ليس كذلك. وعلى طرفي الأطلسي، كل من إدغار آلان بو وميلفيل عبقري ساهم في تغيير رؤيتنا للعالم، لكن قوائم التصنيف الأدبي لا تضمهما.‏

كان الناقد البريطاني روبرت ماكروم أول من أثار هذه القضية تحت عنوان القراءة والحرية الفردية حيث يتساءل: هل يمكن إدراك منطق ما يحكم الذائقة الأدبية المعاصرة؟ هل نحن في عصر ذهبي للقراءة؟ لم يحدث في التاريخ من قبل أن توفر عدد كبير من الكتب و الاصدارات كالذي يتوفر بسهولة في عصرنا. ولكن مع ازدياد التعدد والانتشار تزداد صعوبة الاختيار. ماذا نختار ومن أين نبدأ؟ هذه هي ورطة القارئ المعاصر، وفرة الخيارات و تحدي ممارسة الحرية الفردية في القراءة. تكمن المفارقة في أن القارئ الجدي لا يستسلم بسهولة إلى توجيهات السوق الأدبية التي تفرضها قوائم التصنيف والاستطلاع على الذائقة. إن ما يكون مكتباتنا هو الشغف و مغامرة المعرفة ومتعة القراءة وليس استطلاعات وسائل الإعلام ودراسات مؤسسات النشر والتسويق. وربما كانت حريتنا في اختيار كتاب نقرأه هو آخر أشكال الحرية المتبقية لنا.‏

يظهر موسم العام الجديد بوضوح أن تلك الأصوات القلقة التي تنبأت بتراجع ثقافة الاجماع الاستهلاكي خلال الأعوام الماضية إنما كانت تعبيراً عن نزعة عامة بدأت تفصح عن نفسها اليوم في عزوف القراء عن الاستسلام الكلي لأدوات التسويق وحمى القوائم والتصنيفات. هل هي صورة تبرر التفاؤل؟ سيحتاج الأمر إلى وقت كاف ليتحول إلى واقع أو ظاهرة، لكن من المؤكد أن قوائم الكتب لهذا الموسم تعبر عن بوادر تحول ما يجب متابعته باهتمام والعمل على استثماره وتفعيله من قبل من يؤمن بخطر ثقافة الاستهلاك الجمعي.

 

إضافة تعليق

15 + 0 =
Solve this simple math problem and enter the result. E.g. for 1+3, enter 4.