صناع الإبداع جذور الكلام وزهر الحبر

يحتاج القارئ العربي إلى كتاب يجمع بين طياته معطيات ورؤى نقدية تتناول أعمال المبدعين العرب شعراء وروائيين ومسرحيين وموسيقيين ورجال أعلام وغير ذلك 

ولا يكفي أن يجمع الكتاب هذه الأسماء بل يجب أن يقدم تحليلاً واعياً وعميقاً لأعمال هؤلاء ويأتي كتاب الدكتور رياض عصمت «حداثة وأصالة» الصادر حديثاً عن دار الفكر ليسد ثغرة في هذا المجال وليكون مرجعاً سريع التناول يقدم المعلومة والإضاءة وليجمع باقة من أدبائنا من أقطار الوطن كافة وقد جاء العنوان إشكالياً كما يقول المؤلف ولهذا يسوغ في مقدمته ما طرحه من خلال طرح السؤال الذي كثيراً كما قال ما أثار إشكالية واسعة هو: هل ثمة تناقض بين الحداثة والأصالة يقول د. رياض عصمت مجيباً عن ذلك: ترتبط الأصالة في أذهان كثيرين بالقديم في حين ترتبط الحداثة بالجديد، لكن الحداثة راهنة إذ إن كل ما هو حديث لابد أن يغدو قديماً بعد حين، فهل يعد كل ما هو قديم قديم أصيلاً حقاً؟ من ذا الذي يستطيع أن يغمط حق الريادة الحداثية لقاص مثل (ادغار آلن بو) أو شاعر مثل (ت . س. إليوت) ورغم مرور عشرات السنين؟ بل أُخلدت أعمال شكسبير يا ترى لأنه مؤلف أصيل أم لأنه رائد من رواد الحداثة؟‏

في أدبنا السوري الحديث يعد عبد السلام العجيلي وحنا مينة وألفت الإدلبي مثلاً أدباء كلاسيكيين محافظين وتقليديين ولكنهم أصليون في الوقت نفسه يمكننا أن نجد مضمون أعمالهم مبشراً بالحداثة سواء في صراع الأول بسلاح العلم ضد الأعراف البالية والبيروقراطية البليدة أم في تصوير الثاني للنضال في وجه الإقطاع والمستعمر والجهل أم في مناصرة الثالثة لتحرر المرأة وممارستها دوراً بناء في المجتمع بوجه عام.‏

يشير مصطلح (الحداثة) غالباً إلى تكامل بين الشكل والمضمون كما في أعمال القاص زكريا تامر وغادة السمان ويصعب اليوم تحديد مدى حداثة شاعر مثل نزار قباني وإن كان يبدو ذلك سهلاً مع أدونيس ومحمود درويش وعبد الوهاب البياتي ولكن، إن كانت الحداثة نسبية فإن الأصالة تكاد تكون مطلقة.‏

بسؤال الحداثة والأصالة سؤال إشكالي لأن المصطلحين نسبيان من جهة ولأنهما لا يتناقضان بالضرورة من جهة ثانية ومن خلال تفكير أدق لاحظنا أن الحداثة تحظى بسمة الخلود عندما يتمتع الكاتب بسمة الأصالة أيضاً.‏

كذلك فإن الأصالة تتميز من التقليد عندما تتسم بسمة الحداثة ذلك هو الفارق الحاسم بين الاتباع والإبداع ولذلك فإننا نخلص في عديد من فصول هذا الكتاب إلى مقولة مفادها ألا تعارض بين الحداثة والأصالة وإنما ثمة توازن وبالأحرى تكامل إذا أدى عامل الزمن واستمرارية التجديد إلى أفول الحداثة فإن عنصر الأصالة يبقى متوهجاً وإذا اضمحلت بفعل التشابه في الإبداعات فإن الحداثة تظل العامل المميز لنتاج الأديب أو الفنان. أما عندما تجتمع الحداثة والأصالة فإن الحصاد هو ابداع خالد لا يبهت ولا يضمحل بفعل عوامل الزمن.‏

رحلة في الكتاب‏

آثرنا أن نقدم الاستهلال كما هو لأنه يحلل معنى الأصالة والحداثة ويربط بينهما دون حذلقات نقدية ويمثل هذا الأسلوب مدخلاً يتيح للقارئ أن يبحر في الكتاب دون تعقيدات نقدية وإذا ما توقفنا عند الشخصيات التي تناولها فإننا سنبدأ بنجيب محفوظ وانتهاء بالطيب الصالح وثمة قسم ثان تحدث عن نماذج روائية حديثة في سورية وإذا كان المجال لا يتسع لذكر معظم الأسماء فإننا نقف عند بعض مما قاله في المبدعين ولاسيما السوريين.‏

أدونيس ودموع الشعر‏

يتحدث الدكتور عصمت عن الأمسية الشهيرة التي أحياها الشاعر أدونيس في دمشق عام 2002 ويقول: لم تكن عودة أدونيس إلى أحضان دمشق عودة الابن الضال بل الابن الحنون الذي أرهقته الغربة واكتوى بلظى الحنين، ولم تكن عودة أدونيس الأولى إلى سورية بدعوة من اتحاد الكتاب وإنما من الاتحاد الأوروبي الذي أراد أن يشيد جسراً ثقافياً بين الشرق والغرب، لكن رئيس الوزراء السوري شمل التظاهرة الأدونيسية في دمشق وحلب برعايته الكريمة في عام 2002.‏

كتب آنذاك السفير الأوروبي في دمشق فرانك هيسكة قائلاً: «كثيرون طرحوا علينا سؤال لماذا تدعو أوروبا سورياً أدونيس إلى سورية. إن الترويج لحوار ما بين الثقافات بين سورية وأوروبا ليس بالأمر السهل، فالإرث التاريخي المشترك والذي غالباً ما كان نزاعياً وعدم التفاهم المتبادل وانغلاق المجتمعات والوضع السياسي الاقليمي تمثل جميعاً عوامل تجعل الاستمرار في مثل هذا الحوار أمراً صعباً.‏

ويمثل أدونيس من خلال عمله وتجربته الشخصية وخياراته جسراً بين عالمينا، سوري الأصل ومع عالميته بوصفه شاعراً ومفكراً فإنه في الوقت ذاته متعمق الجذور في أوروبا: أوروبا هي وجهي الآخر، هي أناي الأخرى، فبيني أنا الضفة الشرقية للمتوسط وبين ضفته الغربية ثمة وحدة انطولوجية فأنا هو هذا الأنا وهذا الآخر مجتمعان» هذه الهوية المزدوجة تتيح لأدونيس أن ينظر ببصر نافذ إلى أوروبا والعالم العربي في الوقت نفسه وأن يكون محاوراً مسموعاً من الجهتين.‏

نزار قباني: عودة الابن البار‏

ويتوقف الدكتور عصمت عند رحيل نزار قباني ويكتب قائلاً: «أرغب في أن ينقل جثماني بعد وفاتي إلى دمشق ويدفن فيها في مقبرة الأهل، وأرجو من جميع إخوتي وأهلي تنفيذ هذه الرغبة التي أعتبرها نهائية لأن دمشق هي الرحم الذي علمني الشعر وعلمني الابداع وأهداني أبجدية الياسمين هكذا يعود الطائر إلى بيته، والطفل إلى صدر أمه».‏

تلك كانت وصية الشاعر الكبير نزار قباني التي خطها من فراش المرض قبيل توقف قلب شاعر الحب والتمرد عن الخفقان يوم 30/4/1998 وبأمر من الرئيس حافظ الأسد تم نقل جثمان الشاعر الكبير الراحل على متن طائرة خاصة ليشيع ويدفن في مقبرة (الباب الصغير) في دمشق حسب رغبته.‏

كانت جنازة نزار قباني عرساً حقيقياً شغل الناس في دمشق وعرقل السير طويلاً في شوارعها، كان تشييعه عرساً زف خلاله العريس في عراضة شعبية ورفع جثمانه ملفوفاً بالعلم السوري ليخترق محمولاً على الأكتاف الشارع الجميل الذي سمي باسمه قبل فترة وجيزة من وفاته باتجاه مثوى الأهل والأجداد ولأول مرة خرقت النساء التقاليد الشامية فسرن بالمئات في جنازة نزار وهن يلبسن السواد ويذرفن دموع الأسى لرحيله والغريب أن أغلبهن كن من بنات الجيل الشاب.‏

خلاصة القول‏

الكتاب رحلة شائقة تنقلنا من مشرق الوطن إلى مغربه وتجلو أسرار ابداع أكثر من عشرين أديباً عربياً وتخصص كما أشرنا حيزاً لنجوم الرواية في سورية وكذلك الوطن العربي.‏

يقع الكتاب في 208 صفحات من القطع الكبير وهو مرجع لا غنى عنه لأي متابع لحركة الثقافة العربية‏

الكتاب: حداثة وأصالة - المؤلف: رياض عصمت - الناشر: دار الفكر‏

 

 

إضافة تعليق

3 + 6 =
Solve this simple math problem and enter the result. E.g. for 1+3, enter 4.