العدل جوهر الاقتصاد الإسلامي/ دراسة مقارنة

يتميز الاقتصاد الإسلامي عن غيره بأنه اقتصاد رباني، واضعه الإله الحكم العدل، الأمر الذي جعل ارتباطه بالعدل ارتباطاً نابعاً من عقيدة المسلم بدينه.
وتحقيق العدل بالنسبة للمسلم، إنما، هو فرع من فروع العبودية لله تعالى
كتاب " العدل جوهر الاقتصاد الإسلامي/ دراسة مقارنة
تأليف: الدكتورة ثناء محمد إحسان الحافظ
الناشر: دار الفكر/ دمشق2010
عدد الصفحات: 488 صفحة
يتميز الاقتصاد الإسلامي عن غيره بأنه اقتصاد رباني، واضعه الإله الحكم العدل، الأمر الذي جعل ارتباطه بالعدل ارتباطاً نابعاً من عقيدة المسلم بدينه.
وتحقيق العدل بالنسبة للمسلم، إنما، هو فرع من فروع العبودية لله تعالى، لأن الاقتصاد الإسلامي هو فرع من فروع التشريع الإسلامي، لذلك كان تحقيق العدل الاقتصادي مقصود الشريعة في أركان النظرية الاقتصادية كلها (الإنتاج، التبادل، التوزيع، الاستهلاك).
ويصح القول إن تخلف المسلم عن العدل في بعض تصرفاته فهو تخلف عن جوهر التشريع الإسلامي، لا يمكنه بعده أن يدعي الخضوع المطلق لواضع هذا التشريع، لأنه الغاية التي من أجلها أرسل الله الرسل، وأنزل الكتب.
ومفهوم العدل في الإسلام مفهوم شامل لا يتجزأ، لأنه نابع من الرحمة الإلهية الشاملة لكل الناس، فلا يمكن للمرء أن يطلب العدل لنفسه، ويمنعه عن غيره. وليس للظالم أن يدعي محبة الله لأن شرط هذه المحبة الاتصاف بالعدل.
بهذه الكلمات قدمت الدكتورة ثناء الحافظ لكتابها (العدل جوهر الاقتصاد الإسلامي/ دراسة مقارنة)، في محاولة منها للبحث عن خُلُق العدل في المعاملات المالية، ودوره في النشاط الاقتصادي الإسلامي، بالمقارنة مع النظم الاقتصادية الوضعية من حيث دور العدل فيها. وتتركز مشكلة البحث في تميّز النظام الاقتصادي الإسلامي بكون أسسه مبنية على العدل، وهذا ما يجعله مختلفاً عن سائر النظم الوضعية، وفي بيان دور هذا الخلق الفطري في سائر المعلومات المالية المندرجة في النشاطات الاقتصادية الإسلامية، وأثر ذلك في المجتمع. فما هو مفهوم الأخلاق، وما هي أقسامه، وما كلياته الكبرى في الإسلام؟ وكيف يتجلى مفهوم العدل، وإلى أي كلية خلقية ينتمي؟ ثم ما هي مفاهيم النظم الاقتصادية وأركانها؟ وهل يتميز النظام الاقتصادي الإسلامي عن الوضعي بأخلاقياته وعدالته؟ وهل هذا التميز متحقق في الواقع العلمي؟ وهل تتميز أركان النظرية الاقتصادية الإسلامية من الوضعية بأخلاقيتها وبدور العدل فيها؟ وأخيراً، ما هي دوافع ارتباط النظام الاقتصادي بالأخلاق وبالعدل وآثاره، وما أهمية ذلك في حياة المسلم؟
هذه التساؤلات طرحتها المؤلفة، وسعت للإجابة عنها من خلال إطارين رئيسين اثنين:
الإطار الأول: هو إطار الفقه الإسلامي، حيث تمت الإشارة إلى آراء الفقهاء في المسائل المندرجة في الموضوع، مع تأصيلها من الأدلة الشرعية، وبيان مفهومها وأحكامها جملة وتفصيلاً.
والإطار الثاني: هو الإطار الفكري الاقتصادي، سعت من خلاله إلى مقارنة الأفكار الاقتصادية الإسلامية بوجهات النظر الوضعية المادية، ولاسيما الاشتراكية والرأسمالية حيث أمكنت المقارنة.
واستندت الكاتبة في دراستها إلى دور العدل بوصفه سلوكاً خلقياً في أهم المعاملات المتعلقة بأركان النظرية الاقتصادية بالإنتاج والاستهلاك والتداول والتوزيع على المستوى العام والخاص، بهدف الدلالة على دور العدل في النشاط الاقتصادي الإسلامي، وتميزه من سائر النظم الاقتصادية في ذلك. وذلك عبر ستة فصول جُمعت بين مقدمة أشارت فيها إلى تعريف ماهية الاقتصاد الوضعي والإسلامي، ومفهومي الأخلاق والعدل، وما يتعلق بهما من سلوك خلقي ومسؤولية هذا السلوك في الشريعة الإسلامية، وخاتمة تضمّنت النتائج والتوصيات التي خلُصت إليها.
تميز النشاط الاقتصادي الإسلامي بالأخلاق عن غيره
جاء الفصل الأول تحت عنوان (تميز النشاط الاقتصادي الإسلامي بالأخلاق عن غيره) تناولت فيه دور الأخلاق في النظم الاقتصادية الوضعية والإسلامية مشيرة إلى دور الأخلاق في النظم الوضعية، التي أخفقت في تحقيق أهدافها الاقتصادية والاجتماعية، فأفرزت كثيراً من المشكلات، ذلك لأن نظرتها إلى الإنسان نظرة مادية، فأهملت الجانب الروحي من تكوين الإنسان. أما دور الأخلاق في النظام الاقتصادي الإسلامي، فهي نظرة شاملة لجانبي الروح والمادة، و سعت أيضاً، إلى تبيان أسباب ارتباط النظام الاقتصادي بالأخلاق وآثاره من خلال مطلبين:
الأول، دوافع المسلمين للتمسك بالأخلاق نابع من الدافع الإيماني العقيدي وهو تحقيق العبودية لله.
وتشير في الثاني إلى شواهد من آثار التمسك بالدين والأخلاق في النشاط الاقتصادي الإسلامي، فالمؤمن يجب أن يتقن النشاطات الاقتصادية عن طريق علم الدين والأخلاق، والعلم الذي ينير له طريق الحياة.
دور العدل في النشاط الاقتصادي
وتناولت في الفصل الثاني دور العدل في النشاط الاقتصادي، في سائر النظم، من خلال بحثين اثنين أشارت في أولهما إلى العدل في الشريعة الإسلامية، حيث تميز النظام الاقتصادي الإسلامي بتحقق العدل، سواء كان ذلك على مستوى الفرد أم على مستوى الدولة، باعتبار أصوله وفروعه ربانية، ولا تميل مع الأهواء البشرية، وفي البحث الثاني استعرضت تمّيز النظام الاقتصادي الإسلامي عن غيره من النظم الاقتصادية العالمية الوضعية، التي تأصلت وفق أهواء العنصر الأقوى، واتجهت لخدمة مصالحه، وهي، وإن كان حديثها عن العدل مستفيضاً، فإن الواقع ينفيه، ولا يمكن أن يتحقق من خلالها إلا الظلم وضياع الحقوق البشرية.
وجاء الفصل الثالث متمماً لما بدأته في الفصل الثاني مبينة دور العدل في الإنتاج الاقتصادي وعناصره، من خلال دراسة الفرق الشاسع بين تحقق العدل في الأنظمة الوضعية والنظام الاقتصادي الإسلامي فيما يتعلق بالإنتاج وتميّزه –أي النظام الاقتصادي- يرجع إلى كونه، وبكل أركانه فرع من فروع الشريعة الإسلامية.
دور العدل في التبادل الاقتصادي
وفي الفصل الرابع تستعرض دور العدل في التبادل الاقتصادي في سائر النظم الاقتصادية مبيّنة مفهوم حرية المنافسة، وشروط تحقق مزاياها العادلة، وأنه لا يمكن أن تكون المنافسة عادلة في هذه الأسواق إذا قيدت حرية المتعاملين فيها لغير ضرورة، ولغير هدف إنساني. ولاختفاء شروط المنافسة العادلة اختفت مزاياها في السوق الرأسمالي الذي حولته الحرية إلى سوق احتكاري يقوم على ظلم المتعاملين في الأسواق. ولأن المنافسة العادلة مطلوبة في الأسواق التجارية، فإن الإسلام ضمن تحققها من خلال ارتباط التبادل بالعقيدة والدين، وانضباط أحكام التبادل بضوابط ربانية، بحيث لم تترك الحرية على إطلاقها، ولم تعدمها، وإنما قيدتها بحيث تحقق مقاصد الشريعة الإسلامية. كما أن الإسلام لم يكتف بوضع الأحكام والضوابط المنظمة للسوق بل أوجد نظاماً دقيقاً من رقابة شاملة لها قسمان: ذاتي وخارجي، تضمن تطبيق أحكام التشريع الإسلامي المتعلقة بالتبادل، وأيضاً، تحقيق مقاصد التشريع الإسلامي من التكليف بأحكامه مما يؤدي إلى العدالة بين المتعاملين.
أما دور العدل في التوزيع الاقتصادي في سائر النظم الرأسمالية والاشتراكية، فقد أشارت إلى أثر التشاؤمية في النظم الوضعية حيث تنتفي العدالة في التوزيع على المستويين المحلي والعالمي، لأنها تقوم على تسلط القوي سواء كان صاحب المال، أم كان صاحب السلطة. في حين ترتبط سياسة التوزيع في النظام الاقتصادي الإسلامي بالقيم الإيمانية والأخلاقية إلى أبعد حدود، الأمر الذي يجعلها في نهاية المطاف تؤدي إلى العدالة والتوازن في التوزيع، لأنها تجعل تملك المال والغنى تكليفاً يقوم به الغني تجاه مجتمعه.
دور العدل في الاستهلاك الاقتصادي
وتأتي عبر الفصل السادس والأخير إلى دور العدل في الاستهلاك الاقتصادي، باعتباره جوهر الأهداف التي يتوجه إليها النشاط الاستهلاكي الإسلامي، وهو على عكس الاستهلاك الوضعي الذي يقوم على مبادئ تطلق نوازع الأفراد وشهواتهم من خلال ما تقدمه للمستهلكين من حرية مطلقة من كل قيد. وهذا الفكر أضرَّ بالاقتصاد الوضعي، وأوقعه بأزمات متتالية، كما جعل المؤسسات الاقتصادية تبالغ في إنتاج السلع، وتجديدها وتطويرها، مما ولَّد عند المستهلكين الإدمان على الاستهلاك المفرط.
وتختم الدكتورة ثناء الحافظ كتابها بجملة من التوصيات تؤكد فيها على ضرورة الالتزام بضوابط الشريعة الإسلامية، وضوابط الاستهلاك الإسلامي، كما توصي الدول الإسلامية بالالتزام بسياسة توزيع الثروات والدخول في التشريع الإسلامي، وتوصي العلماء والمفكرين بضرورة الاهتمام بالتراث الاقتصادي الإسلامي وجمعه ونشره، والعمل على تدريسه في المعاهد والجامعات.
المصدر: موقع مسلم أون لاين

إضافة تعليق