تحولات الكتاب في زمن النت

فإذا كان الكتاب اليوم مافتئ يحتفظ بمكانته، فإن الكثير من دعاماته أصبحت تتطور والعادات الإنسانية المرتبطة بها بدأت هي أيضا تتغير 

ترجمة: عبده حقي

لقد قلب التطور التكنولوجي والإنترنت عالم الكتاب الذي ظهر منذ أكثرمن خمسة قرون في أشكال مختلفة. هذا الكتاب، وبهذا الشكل الذي بين أيدينا، بدأ يعرف عدة تحولات. فإذا كان الكتاب اليوم مافتئ يحتفظ بمكانته، فإن الكثير من دعاماته أصبحت تتطور والعادات الإنسانية المرتبطة بها بدأت هي أيضا تتغير؛ ولقد بدأت بوادر هذه الحركة منذ أواسط التسعينيات من القرن الماضي مع ظهور النص الإلكتروني والناشرين الإلكترونيين والمكتبات على الخطEn ligne والمكتبات الرقمية.

وبلغ هذا التطور شأوا آخر بعد سنة 2000 مع ظهور ما يسمى بالقاموس على الخط والقواعد النصية على شبكة النت، والأعمال المتعددة الوسائط والكثير من الكتب الرقمية والكتب الرقمية الخاصة بالمكفوفين وضعيفي البصر وظهرت برمجيات الترجمة وبرمجيات القراءة الحاسوبية إلخ، وأخيرا، وليس أخيرا، نحن اليوم بانتظار الورق الرقمي.

يشكل النت أهم اتجاه للكتاب الرقمي؛ لقد أصبح النت في بضع سنين أضخم أنسيكلوبيديا ومكتبة وأوسع جسم صحافي الأشهر اكتمالا؛ وإضافة إلى كل هذا فالنت بات يقدم خدمات خاصة بالكتاب، مثل رقمنة الأعمال الورقية، خلق برمجيات القراءة، خلق الكتب الرقمية، ووضع آليات للقراءة رهن إشارة جميع القراء.

لقد صار بإمكان المكفوفين وضعيفي البصر الإطلاع على الأعمال العلمية والأدبية بعد أن تم تحويلها إلى كتب رقمية ونشرها على النت. فإلى جانب الكتاب الورقي فقد ظهر الكتاب الإلكتروني الذي يمكن مطالعته على الحاسوب أوجهاز خاص أوعلى لوحة Tablette للقراءة، ومن جهة أخرى فقد تمكن العديد من الكتاب من إستثمار الإمكانيات التي توفرها تقنية (الروابط المتعددة) من أجل خلق أشكال سردية جديدة.

لقد زلزل العفريت الرقمي عالم النشر الذي عرف باستقراره منذ أكثر من مئة سنة؛ وخلافا لبعض تكهنات البعض من ذوي الأحكام المتسرعة التي يطلقونها وخصوصا منهم الأخصائيون المتحمسون للمد الرقمي، فإن الكتاب الورقي لايبدو حتى هذه اللحظة مهددا في كيانه كما أن ساعة احتضار الورق غير واردة في الأفق.

من حظ القراء ومريدي المعرفة والتعلم أننا أصبحنا نتوفر على سندين للتعلم والمعرفة بدلا من سند واحد؛ إن الكثير من الأعمال الورقية الحالية قد تخلصت عن طريق معالجتها رقميا إنطلاقا من قواعد معطيات الشئ الذي جعل من الأيسر الحصول على نفس العمل الأدبي بمظهرين: ورقي ورقمي.

وإذا كان العديد من القراء اليوم يستثمرون الكثير من إمكانيات القراءة الرقمية فهذا لا ينفي أن فئة قليلة فقط هي التي صارت تشتغل على (0 ورق ـ صفر ورق) والكثير منهم ما فتئوا يعشقون الكتاب الورقي لسهولة استعماله ومن جهة أخرى رغبة في تملكه.

يبلغ عمر الكتاب الورقي خمسة قرون ونصف، أما الكتاب الرقمي فيصعب تحديد تاريخ ميلاده. فإذا ما اعتبرناه نصا إلكترونيا فإننا يمكن أن نحدد عمره في 35 سنة مع إطلاق مشروع (غوتمبرغ) سنة1971 من طرف ميشيل هارت الذي كان يطمح إلى التوزيع المجاني للأعمال ذات المواضيع العامة بواسطة الفاعل الإلكتروني. وكان على الإنسانية أن تنتظر تطور النت أواسط التسعينيات كي ينطلق فعليا نشر النصوص الرقمية على المستوى العالمي.

أما إذا نظرنا إلى هذا التطور الرقمي من الوجهة الإقتصادية فيمكن القول إن الكتاب الرقمي قد ولد سنة 1998 مع دخول سوق البيع بعض العناوين الرقمية الأولى من طرف دار النشر 00www.00h.com التي انقرضت لأسباب غير معروفة.

لكن باعتماد التجديد فالكتاب الرقمي التجاري سيأخذ انطلاقته الفعلية بعد سنتين (أي سنة 2000) وتحديدا في النصف الثاني منها؛ وهكذا وفي نونبر (نوفمبر) تشرين الثاني من سنة 2000 وضعت (مكتبة بريتيش) على النت الطبعة الرقمية لـ (إنجيل غوتمبرغ) (1454 – 1455) الكتاب الذي لم يسبق طبعه ورقيا.

إن الكتاب باعتباره أصلا عملية تجميع للعديد من الأوراق المطبوعة التي تشكل حجما ما؛ فإن إستعمال مفهوم (كتاب) وارتباطه بالصفتين (رقمي) و(إلكتروني) يثير عند البعض بدعة إذا إعتبرنا الكتاب سندا ماديا. لكن هذه الرؤية قد تبدو مقبولة إذا ما أخذنا بعين الإعتبار بعده المطبعي. أليس الكتاب محتوى قبل أن يكون سندا ماديا؟

فسواء أكان الكتاب ورقيا أم رقميا فهو بالدرجة الأولى مجموعة من الكلمات نابعة من شخص يرغب في التواصل بأفكاره ومشاعره أوعلومه في مستوياتها العالية، الرفيعة.

نقول وثيقة إلكترونية؟ وثيقة رقمية؟ كتاب إلكتروني؟ كتاب رقمي؟ يجب علينا أن نحدد العبارة الملائمة واللائقة. لقد سبق لـ (جون غابرييل غاناسيا) وهو مدير مجموعة ذات اهتمامات علمية (GIS) منذ 1995 أن أشار إلى هذا في تقرير بحث أنجزته شعبة المستقبليات خصص لموضوع الكتاب الإلكتروني فقد خلص هذا البحث إلى أن مفهوم (الكتاب الرقمي) في اللغة الفرنسية يبقى مفهوما قاصرا بل وفي غير محله. إن هذا المفهوم يبدو قاصرا لكون الكتاب يشير إلى سند خاص للكتابة التي هي وليدة حقبة زمنية سحيقة بينما الوثيقة الإلكترونية تتضمن الكتابة والصورة والصوت.

إنه أيضا مفهوم غير ملائم لأننا لا يمكن أن نقارن مفهوم الكتاب بمفهوم إلكتروني؛ فنحن بصدد شئ لامادي، افتراضي ومحدد بواسطة مجموعة من الأساليب والطرق المؤدية وهيكلة منطقية؛ فضلا عن أن الأمر يتعلق بشكل محدد ووظيفة محددة، كما تجدر الإشارة إلى أن النظام الخاص بما يسمى الكتاب الإلكتروني لم يحدد بعد من قبل المهتمين والمختصين.

إنه أيضا نفس الرأي عند (بيير شويتزر) مخترع مشروع @folio اللوحة الرقمية (القراءة الجوالة) الذي كتب في يوليو/تموز 2002 وكنت دائما أجد أن عبارة كتاب إلكتروني عبارة خائنة ومفخخة أيضا؛ لأننا عندما نقول (كتاب) فإننا نرى شيئا مبتذلا من ورق، شيئا أكثر رواجا إلى درجة أنه صار غير ذي قيمة (...) بينما يتعلق الأمر ببلوغ ذروة summum التكنولوجيا في هذه الحضارة الرقمية الراهنة.

وإذن فإن مفهوم (كتاب) يعني بالإضافة إلى بعده المطبعي محتوى ما بحيث أن الشئ التقني، العبقري لا نراه يتحقق. ومن هنا فإن البعد الخاص بالكتاب باعتباره شيئا تقنيا يمكننا من التصفيح والتوريق والحفظ والتوزيع والتسويق والنشر والتبادل الخ أعمال أدبية وعلوم، كل هذا يبدو أساسيا بصفة مطلقة؛ وعندما نقرنه بـ (إلكتروني) أو(رقمي) فهذا يعني شيئا آخر: إنه لا يعني البعد الأساسي للكوديكس، لكنه العمل الخارق، الصموت للتدفق والسيولة التي تمكن من نقل المعرفة عن بعد، وشحن الذاكرة الخ.

وكل هذا لاعلاقة له مع عبقرية الكوديكس الأصيلة؛ إن ما يتعلق بالنت هو شئ آخر مختلف عن تاريخ التلغراف والهاتف ومختلف الشبكات (...) إننا نعيش مرحلة انتقالية مزعجة موسومة بتعميم الوثائق الرقمية ورقمنة العديد من الوثائق الورقية على أعلى مستوى والتي تبقى رغم ذلك وفية لأصلها الورقي؛ ولأسباب عملية أكثر منها وجدانية فمن الصعب على عشاق الكتاب تجاوز الكتاب الورقي الذي لا يبدو كما يتصور البعض موته وشيكا في المستقبل المتوسط أو البعيد بل على العكس من ذلك قد يفاجئ الإنسانية بعمره المديد.

في مقال له صدر في فبراير سنة 1997 على صفحات مجلة (إعلاميات – أخبار) ألح بيير بيرو مؤسس المكتبة الرقمية (أثينا) (Athena) ألح على التكامل بين النص الرقمي والنص الورقي.

إن النصوص الرقمية في رأيه تمثل تحفيزا على القراءة وإسهاما وافرا في نشر الثقافة، خصوصا في مجال الدراسة والبحث النصي. إن هذه النصوص الرقمية هي بمثابة مكمل للكتاب الورقي الذي سيبقى عنصرا محوريا وأساسيا لا نظير له في مجال القراءة والتكوين والمعرفة والإبداع. وإذا بات من المؤكد والضروري الاعتماد على النص الرقمي؛ فإن الكتاب الورقي سيبقى كذلك، وإلى ما لانهاية، ذلك المرافق المقدس الذي تلتقي في عمقه الكثير من الرموز: فنحن نضمه بأيدينا، نحضنه، نرنو إليه، يجذبنا أحيانا شكله وحجمه الصغير أكثر من محتواه؛ إن (هشاشته) تخفي كثافة فاتنة، مثل الإنسان الذي يخشى الماء والنار، غير أنه مع ذلك يتوفر على القوة التي تجعل كينونة الكتاب الورقي في مأمن من عوادي الزمن.

يبدو إذن أنه من غير اللائق وضع الكتاب الرقمي والكتاب الورقي موضع تعارض كما أشار إلى هذا أوليفيي بوجول رئيس شركة (ليستال) ومقاول مؤسسة (سيبوك Cybook) وهي عبارة عن لوحة إلكترونية للقراءة!

إن الكتاب الإلكتروني الذي يمكننا من القراءة الرقمية لا ينافس الورق في دجنبر2000؛ بل إنه مكمل للقراءة ويفتح آفاقا جديدة لنشر الأعمال التي تتآصر فيها الكلمة بوسائط أخرى (الصورة، الصوت، صورمتحركة ...) فالواقع يبين استقرارا في الاستعمال الورقي في مجال القراءة فضلا أيضا عن تصاعد في صناعة النشر الخاصة بالكتاب الرقمي والكتاب الإلكتروني على غرار الموسيقى الرقمية التي مكنت المولعين بها من الوصول إلى الاستمتاع والإبداع فإن القراءة الرقمية تلغي الكثير من العوائق للوصول إلى (النص) سواء بالنسبة لجيل الشباب أو الأجيال السابقة.

إذا كان البعض قد تسرع في قرع ناقوس الخطر على مستقبل الورق، فإنه أصبح الآن لا يتحدث فقط عن (الرقمي الشامل) في المستقبل القريب، بل بدأ يبشر بتجاور بين (الورق) والبيكسيل Pixelويبشر كذلك بالعمل ذي الوجهين (ورقي ورقمي).

ويبقى على الكتاب الرقمي أن يكشف عن مؤهلاته وإضافاته القيمة مقارنة مع الكتاب الورقي الذي رسخ دوره في المنظومة الإقتصادية منذ أكثر من خمس مئة سنة ونيف (...) هناك عمل جبار ينتظر الكتاب الرقمي خصوصا ما تعلق بإنشاء سلسلات collections وشبكات للتوزيع وتحسين أجهزة القراءة وكذلك تخفيض أثمنتها؛ أكثر من هذا على القراء أن يتعودوا على القراءة على الشاشة؛ بما توفره هذه الأخيرة من امتيازات وإيجابيات كـ (البحث النصي، الفهرسة الثابتة).

وبصفة عامة فإن إستعمال هذه الآلات (الحاسوب، الجهاز الشخصي، الهاتف الجوال، السارتوفون، أو اللوحة الإلكترونية، لا يعادل) بأي شكل من الأشكال الوضع والمناولة المريحة التي يمنحنا إياها الكتاب الورقي؛ ومع ذلك رغم بعض الصعوبات التي تعترض القراء الرقميين فإن أتباع القراءة الرقمية في تصاعد مستمر؛ وإنهم بانتظار أجهزة للقراءة أكثر تقنية ونجاعة وكتبا وجرائد إلكترونية على أجهزة أكثر مرونة.

ولأسباب مالية بالأساس فالعديد من المنشورات لا تتحقق على اللوحة الرقمية؛ فبالإضافة إلى سهولة الحصول على الوثيقة الإلكترنية وثمنها البخس فبإمكاننا تحيينها في كل لحظة وحين، وهذا هو أوج التقدم الرقمي (...) كما أننا لم نعد في حاجة إلى انتظار طبعة ثانية وثالثة و.. و.. تحت رحمة الإكراهات التجارية وإرغامات الناشر خصوصا ما تعلق بالأعمال والدوريات العلمية والتقنية حيث تكون المعلومة العلمية جديدة وأساسية والتي يجب تحيينها بصفة مستمرة. فالبنسبة لهذه المنشورات العلمية فإن التكنولوجيا الرقمية صارت تدعو إلى التفكير العام في دلالة النشر والتوجه إلى النشر الأون لاين.

إن السحب الورقي سيبقى أبدا أساسيا؛ فهناك العديد من الجامعات والكليات التي صارت تنشر مراجع على المقاس تتألف من اختيار دقيق للفصول والمقالات على قاعدة معطيات، التي يضاف إليها تعاليق الأساتذة؛ فبالنسبة لمؤتمر أو منتدى فإن سحب القدر اليسير من الوثائق قد يكون تحت الطلب انطلاقا من وثيقة إلكترونية منقولة عبر وسيط إلكتروني إلى إحدى المطابع، بينما المجلات الأونلاينية ذات البث الإلكتروني فإنها غالبا ما تعتمد على شراكة مع مؤسسة مختصة في الطبع تحت الطلب.

كتبت الباحثة والأستاذة في مؤسسة الدراسات التطبيقية العليا ماري جوزيف بيير، في فبراير 2003 (يبدو لي أن نشر المقالات والأعمال العلمية قد بات يأخذ أشكالا رقمية الشيء الذي سيمكن الباحثين من استثمار بنوك المعلومات المتطورة جدا والتي ستمكن من التوصل المباشر والحوار بين الكتاب؛ إن مؤسساتنا مثل (المركز الوطني للبحث العلمي CNRS) قد بادرت إلى تحفيز الباحثين على نشر أعمالهم على الخط (أون لاين) كما حثت المشرفين على المختبرات العلمية على نشر أبحاثها على الصفحات الإلكترونية وبالسرعة المطلوبة.

إضافة تعليق

1 + 4 =
Solve this simple math problem and enter the result. E.g. for 1+3, enter 4.