الكتب والمكتبات العامة

 

«لاأزال أشتري الكتب لكنني حال الانتهاء من قراءة أحدها أمنحه لشخص ما أو مكتبة عامة»

 

ليس لدي كثير من الكتب، في الواقع، وقبل سنوات كانت لدي خيارات معينة في الحياة، وكانت تقودني فكرة محاولة الحصول على أقصى درجات الجودة من الكتب بأقل قدر من التكاليف. وهذا لا يعني أنني اخترت حياة الرهبنة، بل على النقيض من ذلك تماما، فعندما التزمنا بامتلاك عدد غير محدود من الأشياء، أصبحت لدينا حرية كبيرة. ويشتكي بعض أصدقائي من أنه نظرا لامتلاكهم لمجموعة كبيرة من قطع الملابس فإنهم يبددون ساعات طويلة من حياتهم في انتقاء ما يلائمهم من الملابس. ونظرا لأنني اختزلت خزانة ملابسي بملابس يشكل فيها اللون الأسود العنصر الأساسي، فإن هذه تعتبر إحدى المشكلات التي لا أحتاج لمواجهتها.

 

لكنني لا أكتب هنا لكي أتحدث عن الأزياء، إنما عن الكتب. ولكي أعود إلى الأمور الجوهرية، قررت الاحتفاظ ب 400 كتاب فقط في مكتبتي، بعضها لأسباب عاطفية، وبعضها الآخر لأنني أعيد قراءتها على الدوام. واتخذت هذا القرار لأسباب عدة، أحدها لشعوري بالأسى لرؤية كيف كان يتم جمع سلسلة الكتب بعناية طوال العمر، ثم تباع بعدئذ بالأرطال دون أدنى احترام لها. وسبب آخر هو: لماذا يتعين علي إبقاء كل هذه الكتب في المنزل؟ هل لإظهار نفسي أمام أصدقائي على أنني مثقف؟ أم لزخرفة الجدران؟ وحتما فإن الكتب التي حصلت عليها ستكون أكثر فائدة بكثير في مكتبة عامة منها في منزلي.

 

اعتدت على القول في السابق إنني بحاجة إلى كتبي لأنني اعتزم الإستفادة منها، ولكني عندما أحتاج إلى أية معلومات الآن، فإنني أقوم بوصل جهاز الكمبيوتر بالإنترنت، وأطبع كلمة السر، ويظهر أي شيء أحتاجه على الشاشة أمامي. هذا هو الإنترنت الذي أصبح مسخرا لخدمة الجميع، وهو يعتبر أضخم مكتبة في العالم.

 

بالطبع، ما زلت أشتري الكتب، ولا يمكن لأي جهاز إلكتروني أن يحل محلها، ولكن حالما أنتهي من قراءة أحد الكتب، أتخلى عنه، وأمنحه لأحد الأشخاص، أو أسلمه للمكتبة العامة. وليس هدفي إنقاذ الغابات، أو أن أكون كريما، وكل ما هناك أني أؤمن أن لكل كتاب مساره الخاص، ويجب ألا يتعرض للإدانة ويحكم عليه بأن يبقى على الرف بلا حراك.

 

وكوني كاتبا يعتمد في حياته على حقوق النشر، فربما اعمل ضد مصلحتي في نهاية المطاف، فكلما زاد عدد كتبي المطبوعة، زاد كسبي للمال. لكن ذلك لن يكون أمرا عادلا بالنسبة للقارئ، وخاصة في الدول التي لا تعتمد فيها العديد من البرامج الحكومية على المعايير الأساسية في الاختيار الجاد للكتب، وتحديدا الاستمتاع بقراءة نص جيد.

 

لذلك لندع كتبنا ترحل من مكانها، وتلمسها أيد أخرى، وتستمتع بها عيون أخرى. وبينما أكتب هذا المقال أتذكر بصورة مبهمة قصيدة ألفها جورج لويس بورغيس تتحدث عن كتب مصيرها أن تظل حبيسة الرفوف ولا تقرأ مجددا.

 

أين أنا الآن؟ في بلدة فرنسية صغيرة في جبال البيرينيه، أجلس في مقهى، وأستمتع بهوائه المكيف، نظرا لأن درجة الحرارة في الخارج لا تحتمل. وبمحض الصدفة حظيت بامتلاك مجموعة بورغيس من الكتب في البيت، على بعد كيلومترين من المكان الذي أكتب فيه هذه المقالة، وهو كاتب أتابع مؤلفاته باستمرار. ولكن لماذا لا أخوض معترك الاختبار؟

 

قطعت الشارع، وسرت 5 دقائق متجها إلى مقهى إنترنت آخر، واستعنت ببعض أجهزة الكمبيوتر الموجودة فيه، وألقيت بالتحية على صاحب المقهى، وطلبت زجاجة مياه معدنية باردة جدا، وفتحت أحد محركات البحث، وطبعت بعض الكلمات من مقطع شعري أتذكره، بالإضافة إلى اسم المؤلف، وفي أقل من دقيقتين حصلت على القصيدة بأكملها، متجلية أمامي على الشاشة، وقرأت فيها هذه الأبيات:

 

هناك سطر كتبه فيرلين لن أتذكره من جديد

 

هناك مرآة رأتني للمرة الأخيرة

 

هناك باب أغلق حتى نهاية الوقت

 

ومن بين الكتب التي في مكتبتي

 

هناك كتاب لن أفتحه مجددا على الإطلاق

 

وفي الحقيقة، لدي شعور بأنني لن أعيد فتح العديد من الكتب التي تبرعت بها، نظرا لأن كتبا جديدة ومثيرة للاهتمام يتم نشرها على الدوام، وأحب قراءتها. أعتقد أنه شيء رائع أن يكون لدى الناس مكتبات. وعادة ما يتم أول اتصال للأطفال بالكتب من خلال الفضول تجاه تلك المجموعة من الكتب المحتوية على أشكال وحروف. غير أني أعتقد دائما إنه أمر رائع عندما أقابل القراء في حفل توقيع للكتب، وتكون هناك كتب مستعملة كثيرا، أقرضت عشرات المرات لأولئك القراء، وهذا يعني أن الكتاب يتنقل مثل عقل المؤلف الذي يتنقل أثناء انكبابه على تأليف الكتب.

إضافة تعليق

3 + 5 =
Solve this simple math problem and enter the result. E.g. for 1+3, enter 4.