رحيل إسماعيل فهد إسماعيل... مؤسس الرواية الحديثة في الكويت

فقدت الكويت، والساحة الأدبية في الخليج، أمس، الكاتب والأديب الكويتي الكبير، إسماعيل فهد إسماعيل، الذي يُعدّ مؤسس الرواية في الكويت عن عمر ناهز 78 عاماً.
ولد إسماعيل في البصرة بالعراق عام 1940 وتلقى تعليمه في الكويت والعراق. حصل على البكالوريوس في الأدب والنقد من المعهد العالي للفنون المسرحية بالكويت. وعمل في مجال التدريس وإدارة الوسائل التعليمية، وأدار شركة للإنتاج الفني. وحصل إسماعيل فهد إسماعيل على جائزة الدولة التشجيعية في مجال الرواية عام 1989، وجائزة الدولة التشجيعية في مجال الدراسات النقدية عام 2002، وجائزة سلطان بن علي العويس الثقافية في دورتها الرابعة عشرة 2014-2015.
بدأ بكتابة القصص القصيرة في مجلة الرائد الكويتية عام 1963 التي جمعها لاحقاً في مجموعة قصصية بعنوان «البقعة الداكنة» صدرت عام 1965 عن مكتبة النهضة في بغداد.
أصدر روايته الأولى «كانت السماء زرقاء» عام 1970، كما كتب عدداً من الروايات، من بينها «الضفاف الأخرى» و«الطيور والأصدقاء» و«خطوة في الحلم» و«دوائر الاستحالة» و«ذاكرة الحضور» و«إحداثيات زمن العزلة» و«السبيليات»، ومسرحية «للحدث بقية ابن زيدون»، ورواية «في حضرة العنقاء والخل الوفي » (2014) التي دخلت القائمة الطويلة لجائزة البوكر 2015، وتلاها رواية «الظهور الثاني لابن لعبون».
عدنان فرزات
لم يكن بعيداً جداً وهو يلوح بالسلام قبل الوداع... فقط منذ أسابيع مضت قالوا إن الأديب إسماعيل فهد إسماعيل تعرض لوعكة صحية، ولكنه قبل ذلك بفترة يومين تقريباً كان حاضراً في الملتقى الثقافي الذي أسسه الكاتب طالب الرفاعي في منزله، وجرت مناقشة رواية «صندوق أسود آخر» للراحل.
إسماعيل فهد إسماعيل هو «منعطف» التحول الروائي في الكويت، هذا الكلام بشهادة معظم النقاد الذين أرخوا للرواية في الكويت، فقبل ظهوره في السبعينات من القرن الماضي، كانت الرواية تسير بوتيرة هادئة على يد عدد قليل من الروائيين الذين قدم بعضهم عملاً واحداً فقط. وإذا اعتبرنا أن تاريخ الرواية في الكويت يعود إلى عام 1948 على يد فرحان راشد الفرحان من خلال عمله «آلام صديق» التي انقسم حولها النقاد هل هي رواية أم قصة طويلة، وإذا سلمنا بأن التاريخ التالي لظهور الرواية هو على يد عبد الله خلف عام 1962 من خلال روايته «مدرسة من المرقاب»، التي ذهب بعض النقاد إلى أنها هي التاريخ الحقيقي لظهور الرواية، فإنه منذ ذاك التاريخين وحتى السبعينات لم تكن الرواية قد ظهرت بشكلها الناضج والحرفي إلا حين ظهرت أعمال إسماعيل فهد إسماعيل التي اتفق معظم النقاد على أنها بداية الرواية الحقيقية في الكويت. ومن هؤلاء النقاد الدكتور محمد حسن عبد الله الذي ألف كتاباً ضخماً عن تاريخ الحركة الأدبية في الكويت. وسار معه عدد آخر نسبوا مهنية الرواية إلى إسماعيل فهد إسماعيل الذي انتهج أسلوباً جديداً على صعيد الشكل وكذلك المضمون.
تميزت حياة الراحل الأدبية بالاتزان والاعتدال، فلم يدخل صراعات أدبية أو خلافات مع أحد، باستثناء خلاف «فكري» مع الأديب الراحل أحمد السقاف الذي كان حينها أميناً عاماً لرابطة الأدباء الكويتيين. ما عدا ذلك، كان الراحل صديقاً ومقرباً من الجميع، وكثير من كتاب الأجيال الجديدة سبحوا في نهره الروائي. وكان سنداً لكثير من الروائيين الذين تميزوا لاحقاً، وأبرزهم الروائي سعود السنعوسي الذي حصل على جائزة البوكر بنسختها العربية، وأيضاً الكاتب طالب الرفاعي الذي لازم الراحل سنوات طويلة، واعتاد أن يناديه «خالي». وفي فترة من الفترات ارتبطت ثلاثة أسماء في المشهد الثقافي هم إسماعيل فهد إسماعيل والكاتبة ليلى العثمان والرفاعي، وشكل الثلاثة نسيجاً واحداً وصل صداه خارج الكويت.
كان الراحل شغوفاً بالأدب لدرجة أنه استغل مكتبه التجاري فحوله في فترات الفراغ إلى منتدى ثقافي يلتقي فيه الأدباء الذين غالبيتهم من الشباب، وقد حمل الملتقى اسمه، وكان يضم مختلف الجاليات العربية إلى جانب الأدباء الكويتيين. وحتى في أعماله كان الراحل يتوغل في مجتمعات عديدة، منها المحلي ومنها العربي، وهو ما أكسبه انتشاراً واهتماماً في شتى الاتجاهات الجغرافية.
كانت قريحة الراحل واسعة المدى، فلم يكتف بالرواية، بل كتب القصة والمسرح والنقد، وكان غزير الإنتاج، ولديه سباعية ضخمة جداً وثق بها وقائع أيام الاحتلال في الكويت بعنوان «إحداثيات زمن العزلة»، التي عايشها واقعياً، كما حصل مرتين على جوائز الدولة التشجيعية، ورشحت بعض أعماله لجائزة البوكر العربية.
كثيرون لن يتخيلوا اليوم المشهد الثقافي من دون إطلالة هذا الرجل الهادئ البسيط العميق، الذي كان يسير كأنما خطواته فوق بساط من الهواء لا صوت له... أعماله هي التي كانت تتحدث نيابة عنه ويترك ما لا يريد قوله شخصياً إلى أبطال رواياته.

إضافة تعليق