أقدم نسخة من القرآن الكريم

يثور الجدل في الآونة الأخيرة حول اكتشاف نص قرآني نادر (مخطوطة) محفوظ في مكتبة جامعة برمنغهام، ليذهب البعض إلى القول إنه «لا يستبعد أن يكون أقدم نص مدون للقرآن الكريم» بل هناك من الباحثين من رجح أن يكون هذا النص القرآني معاصراً لحياة الرسول صلى الله عليه وسلم (570-632م) (منير يوسف طه: «مخطوطتا جامعة برمنغهام.. الواقع والتوقعات»، مجلة أعناب، العدد الأول (تشرين الثاني/ نوفمبر 2015، ص 46)، يتوافق قراءتي لهذا المقال، مع قراءتي لمقال آخر يُشير كاتبه إلى أن «من الأمور المثيرة للدهشة وجود برديتين عربيتين مؤرختين (22 هـ/ 643 م)؛ إحداهما تتعامل مع مسألة جمع الضرائب، والثانية إيصال ثنائي اللغة (يوناني– عربي) يحتوي علي توريد أغنام للجيش الإسلامي»، وعثر عليهما في مصر. (ماهر أحمد عيسى: «لماذا تحول المصريون إلى اللغة العربية؟»، مجلة رواق التاريخ والتراث، العدد الأول (كانون الثاني/ يناير 2016)، ص 134)، أثار ذلك اهتمامي بالموضوع، وبينما أبحث في أرشيفي عثرت على صفحات مصورة تحمل خبر منشور بمجلة «الإخاء»، العدد السابع للسنة الخامسة، (ديسمبر 1928م/ جمادى الثانية 1347هـ)، ص 641، 642. بعنوان: «القرآن الكريم، أقدم نسخة منه بخط الخليفة عثمان (رضي الله عنه) والنسخة المنقولة عنها في سان بطرسبرغ». فرأيت أن هذا الخبر قد يحل كثير من الإشكاليات المتعلقة بالموضوع، فرأيت أن أنشره، وهو كالتالي:

أول ما اهتدى الباحثون إلى نسخة القرآن الثمينة العريقة في القدم كان في عام 1869 في مدينة سمرقند، وقد حفظت هذه النسخة النفيسة في مكتبة سان بطرسبرغ الإمبراطورية العامة، وكان أول من أحضرها حاكم تركستان العام، الجنرال كوفمان، قالوا: وكانت قد قدمت هذه النسخة هدية من آسيا الصغرى إلى كوجا التركستاني الشهير، الذي ولد عام 1403 بعد الميلاد، قدمها له أحد البحاثة من رجال الدين، ثم نقلت إلى تركستان بفضل واهتمام الفاتح العظيم تيمورلنك. وهذه النسخة كبيرة القيمة، عظيمة الخطر، لأنها مكتوبة بخط عثمان بن عفان ثالث الخلفاء الراشدين، وقد كتبت كلها بيده، ومن هنا تتجلى للقارئ نفاسة هذه النادرة المعدومة المثال، التي جمعت بين جلال القدم وجلال الكاتب.

وقد انكب على دراستها العالم الباحث الكبير الأستاذ «شبوتين» العضو بجمعية الآثار الإمبراطورية الروسية، ومن رأي هذا الأستاذ الجليل أن هذه النسخة كتبت في العهد الأول من الإسلام، وأنها لا يمكن أن تكون قد كتبت بعد القرن الثاني من الهجرة بحال ما (أي من عام 732-814م)، وهذه النسخة التي حفظت في بطرسبرغ عظيمة الخطر لما يستفيده الباحثون والمنقبون، بالإطلاع عليها، والنتائج والمعلومات القيمة عن الخط العربي وطريقة كتابته في الزمن الأول من الإسلام.

وقد حدث لسوء الحظ أن قامت الثورة عام 1917، فأسرع مسلمو روسيا إلى طلب هذه النسخة لأنهم أحق بها من غيرهم، فأجيب طلبهم، وأرسلت إليهم النسخة بناء على ذلك لينقلوها إلى تركستان، ولكن هذا الحلم الجليل لم يتحقق فقد فقدت هذه النسخة في الطريق ولم يعلم أحد مقرها بعد ذلك. ولم يبق للناس سوى عزاء واحد عن هذه الخسارة الجسيمة التي يشعر بها كل من يقدرها حق قدرها، ذلك هو التعزي بالنسخة المأخوذة عنها بوساطة رجال جمعية الآثار في سان بطرسبرغ في 26 أيار/ مايو عام 1904، وقد كتب عليها مدير الجمعية إمضاءه لاعتمادها، وعلى الصفحة الأولى من هذه النسخة العنوان مكتوباً بالروسية والفرنسية كما يلي: «القرآن الكريم من سمرقند، نقلت عن النسخة الأصلية التي كتبها الخليفة عثمان ثالث الخلفاء بخط يده (644-665م) وهي النسخة المحفوظة بمكتبة بطرسبرغ الإمبراطورية العامة، وقد نقلت هذه النسخة بتصريح من جمعية الآثار في بطرسبرغ بواسطة المسيو بيزاريف، وتمّ ذلك في بطرسبرغ سنة 1905».

وقد بذلت العــناية الفائقة في طبع هذه النسخة مع الاحتفاظ بالألوان الأصلية التي امـــتازت بهـــا النـــسخة الأولى في فواصل الآيات، فـــجاءت آية من آيـــات الإبداع والافتنان، وهي تقع في ثلاثمــائة وثــلاث وخمسين صحيفة، حجم كل منها (9-69 سنـــتيمتراً) وزنة النسخة الواحدة 18 كلغ، وغلافها يجمع إلى جمال الرونق متانة الصناعة، وقد كتب على الغلاف الجملة الآتـــية: «طبع منها خمسون نسخة فقط تباع منها خمــسة وعشرون فقط، وثمن كل واحدة منها مئة جنيه».

إضافة تعليق

9 + 5 =
Solve this simple math problem and enter the result. E.g. for 1+3, enter 4.