في رحاب سورة الشورى بقلم سحر سهيل المهايني

مما يلفت النظر ان تحمل سورة "مكية عنوان : (الشورى) والتي تعني في لغة اليوم "الديموقراطية" ، وان تكون الشورى  قبل ???? عاماً العنوان المؤسس لحياة المجتمع المسلم في "مكة " وقبل قيام الدولة المسلمة في المدينة المنورة و في عصر يسوده التنازع القبلي ، والإغارة والنهب والسلب !! وهذا أمر لا يقول به بشر , بل رب البشر....

إذ أن العرب آنذاك -بل العالم بأكمله-  بعيد كل البعد عن منطق  "الشورى" !

حتى الحضارات القائمة آنذاك كسرى وفارس يحكمها ملك عضود!! وهذا مالم يكن لبشر أن ينطق به، اي ان يدعو رسول الله الى الشورى، أو بلغة اليوم (الديموقراطية) في عصر وعالم بعيد كل البعد عن ذاك المفهوم  -   أمر يثبت قضية الوحي " إن هو إلا وحي يوحى" ....

الامر الثاني ؛ الله عز وجل لم يجعل مبدأ الشورى مقتصراً على الأمور السياسية ، بل جعله مبدءاً  معاشاً بدءاً من أفراد الاسرة الواحدة ، وانتهاءً بعلاقة الحاكم مع المحكوم ، "وأمرهم شورى بينهم"،   وقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم مثالا حيّا للالتزام بحيثياته سواء في حياته مع زوجاته كما حدث حين طلب مشورة أم سلمى في قضية هامة تخص امر المسلمين  يوم الحديبية ، او  في حياته السياسية كما حدث في قضية مصيرية يوم  أحد ، إذ جعل رسول الله الشورى ملزمة حتى ولو أدت للخسارة ، وذلك حين التزم  رسول الله صلى الله عليه وسلم  بمبدأ الشورى وقرر الخروج للقاء العدو خارج المدينة المنورة - رغم ميله للقاء العدو داخل تحصينات المدينة -وذلك نزولا عند رأي الأكثرية الذين ارتأوا الخروج للقاء العدو خارج حدود المدينة المنورة ،ورغم خسارة المعركة نزل قوله تعالى "وشاورهم في الامر " من اجل تثبيت هذا المبدأ القرآني العظيم وجعل    ًالشورىً ملزمة  في حياتنا أفراداً وجماعات  ، وتقريره سلوكاً معاشاً تقوم عليه العلاقات الانسانية ، والسياسية والدولية ...

وما خاب من استشار وما ندم من استخار ...

وهكذا نزلت الآيات الكريمة في مكة تخط للمسلمين القواعد الاخلاقية وتضع الإطار السلوكي الرباني قبل ان تفرض الصلوات الخمس وبقية الشعائر التعبدية من صيام وزكاة و حج، اي ان تأسيس البناء الأخلاقي وعملية تزكية النفس من أدران الجاهلية هي التي هيأت النفوس الى استقبال وتطبيق الشعائر التعبدية والأحكام القرآنية بالسمع والطاعة وبكامل الرغبة والطواعية... 

وما أروع ذاك العرض لمبادئ وقيم الاسلام والذي لخصه سيدنا جعفر بن أبي طالب لملك الحبشة حين قال: (كنا قوماً أهل جاهلية نعبد الأصنام ونأكل الميتة ونقطع الأرحام، ونسيء الجوار ويأكل القوي منا الضعيف، ونفعل الفواحش

حتى جاءنا رجل منا نعرف صدقه ونسبه وأمانته وعفافه ، فدعانا إلى الله عز وجل لنوحده ونعبده ، ونخلع ما كنا نعبد نحن وآباؤنا من دونه من الحجارة والأوثان ، وأمرنا بصدق الحديث ، وأداء الأمانة ، وصلة الرحم ، وحسن الجوار ، والكف عن المحارم ، والدماء ، ونهانا عن الفواحش ، وقول الزور ، وأكل مال اليتيم و و و  و أخذ يعدد كريم الأخلاق التي دعا اليها رسول الله صلى الله عليه وسلم وتمثلها في خلقه وسلوكه

فما كان من النجاشي الا ان دخل الاسلام قلبه ...

ان حالة الانفصام التي يعيشها المسلم اليوم هي بسبب إهمال القاعدة الاخلاقية - والتركيز على الشعائر التعبدية 

ولكن العبادات لاتؤتي ثمرتها الا بالتقوى، والتقوى تحتاج الى تزكية، وتزكية النفس تحتاج الى تخلية العلائق قبل التحلية، والتحلية لا تتم الا باكتساب   كريم الأخلاق والتي تحتاج بدورها الى ممارسة واعية، من خلال التعلق والتخلق بأسماء الله الحسنى ..

فإذا نظرنا الى الصفحة الاولى مثلاً من سورة الشورى نجد فيها اسم الله : العزيز ، الحكيم ، العلي ، العظيم ، الغفور ، الرحيم ، الوكيل ، الولي ، المحي ..

وحظ المسلم من اسماء الله الحسنى قائم على التعلق والتخلق بها : مثلاً التخلق باسم الله "الرحيم" يستحثنا على  ان نكون رحماء فيما بيننا ، والتخلق باسم الله  "الوكيل" يدفعنا الى حسن التوكل على الله عز وجل بعدم التواكل، بل ويحفزنا إلى أن ندرك أننا موكلون  على إقامة البناء الديني المتين في أنفسنا وبيوتنا ومجتمعاتنا وهكذا .....

 المهم ان نعمل على تفعيل آيات القران الكريم وتمثلها في كل جزئية من جزئيات حياتنا،

عندها نكون -بإذن الله -قد وصلنا الى تلاوة القرآن الكريم تلاوة تدبر وتفاعل مؤسس لتغيير ما في الأنفس والوصول الى الإصلاح والصلاح المنشود  

( إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم ) تلك هي سنة الله....

فلن يصلح الله عز وجل حالنا مالم نقوم بإصلاح ذاتنا وفق الوحي الالهي: القرآن الكريم ومن كان قرآناً يمشي: سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم الذي وصفه ربه جلا وعلا بقوله: " وإنك لعلى خلق عظيم "

إضافة تعليق

1 + 15 =
Solve this simple math problem and enter the result. E.g. for 1+3, enter 4.