آخر بائع للصحف صامد في رأس بيروت

يجلس مصطفى صالح (79 سنة) أمام رفوف الخشب التي يعرض عليها الصحف والمجلات في بهو مستشفى الجامعة الأميركية في بيروت، كما كان يفعل منذ عشرات السنين، لكنه اليوم بات آخر بائع صحف إلى جانب ابن عمه في محلة رأس بيروت.

يقول صالح إن شارع الحمراء الذي اشتهر بتنوعه الثقافي، كان يتوزع فيه 11 بائع صحف في أكشاك قبالة المقاهي والمطاعم وصالات السينما والمسارح، لكنهم اليوم أغلقوها الواحد تلو الآخر، ولم يبق سوى شقيقه قرب سينما الحمراء، فـ «بيع الصحف بالكاد يغطي كلفة معيشتي أنا وزوجتي».

هي مهنة توارثها صالح عن والده الذي جاء من بلدة تبنين الجنوبية، ووضع طاولة صغيرة عند مدخل بناية «التبلين» (العسيلي)، وفرش عليها الصحف والمجلات، وتوالى مجيء نحو 200 شخص آخرين من البلدة نفسها لبيع الصحف في بيروت، وتراجع عددهم الآن إلى 20 بائعاً.

صالح الطفل كان يساعد والده في توزيع الصحف على سكان رأس بيروت. يقول: «كل بيت كان يقرأ الصحف، وأنا أبيع الصحف منذ عام 1952 في مستشفى الجامعة الأميركية، كنت أزور غرف المرضى عارضاً ما لدي من صحف ومجلات، وكانت إدارة المستشفى تطلب مني القيام بهذه المهمة يومياً إلى أن خصصت لي زاوية في بهو المستشفى».

صالح حاصل على الشهادة الابتدائية، ودرس اللغة الإنكليزية في صفوف ليلية. تزوج وأنجب. وتمكن من خلال بيع الصحف من تعليم أولاده في الجامعة الأميركية على نفقته الخاصة. يقول: «ابني الكبير يحمل شهادة ماجستير في إدارة الأعمال، وابني الصغير يحمل شهادة ماجستير في علوم التغذية، وابنتي تخصصت في الحمية الغذائية وتعمل في دبي».

ويعتبر صالح أن أجمل أيام حياته هي «فترة ازدهار الصحافة في لبنان. كان مؤسس (جريدة) الحياة كامل مروة جاري، منزله يقع في البناية التي كان فيها مقهى الويمبي، وكان كلما نزل إلى شارع الحمراء لينتظر أولاده العائدين من المدرسة، يقف ويحدثني. في رأس بيروت كان يسكن كثير من الأميركيين، وكنت أوزع كل يوم 700 نسخة من الصحف. ولا أزال أذكر مقابلة أُجريت مع الأستاذين كامل مروة وغسان تويني على التلفزيون، أجمعا خلالها على أن التلفزيون يشكل خطراً على الصحف لأنه يدخل إلى كل المنازل».

لكن صالح يرى «أن التلفزيون لم يؤثر على بيع الصحف، بقيت الناس تقرأ، وفي الأزمات يرتفع البيع. ولكن، منذ أكثر من عشر سنوات تراجعت قراءات الناس. كنت أبيع 500 عدد من مجلة التايم أسبوعياً، الآن لا أبيع أكثر من 15 عدداً. كل شيء تراجع. ولم تعد الأزمات تغري الناس لقراءة الصحف. ومن يحب قراءة الجريدة بقي مخلصاً لقراءتها ورقياً، إنما لا أحد ممن هم دون سن العشرين يشتري جريدة. قراء الصحف هم ما فوق سن الـ50. في السابق، الناس من كل الأعمار كانوا يقرأون الصحف، حتى طلاب الطب».

ويقول: «عندي إنترنت بالبيت، ولكن لم تعجبني قراءة الصحف بواسطته. أحب أن تتسخ يدي بحبر الجريدة». ويتابع: «زوجتي قالت لي لا تتعذب بعد الآن وتجلب الصحف إلى المنزل، إنني أقرأها عبر الهاتف». ويعلّق ضاحكاً: «الخيانة الأولى أتت من زوجتي».

مهنة بيع الصحف صُنعت لصالح «صداقات مع ملايين الأشخاص وآلاف الأطباء». وبقي من الصحف التي يبيعها «11 صحيفة لبنانية، و3 مجلات لا تزال على قيد الحياة، إضافة إلى نيويورك تايمز لأنها تطبع في بيروت، وفايننشال تايمز تأتي من دبي، وكل المجلات المعروفة توقفت بصمت، ولا تزال مجلة باري ماتش الأكثر مبيعاً كمجلة أجنبية لأنها رخيصة الثمن».

ويشير صالح إلى «أن المواطن الخليجي عندما يأتي إلى المستشفى يشتري الصحف والمجلات، ولا سيما الأجنبية منها»، لافتاً إلى «تقلص الصحف العربية، فلم تعد تأتي أي مطبوعة مصرية أو سورية».

زبائن صالح المخلصين يقصدونه يومياً، وانضم إليهم هذه الأيام شباب يستأذنونه استخدام مفتاح كهربائي خلف الكرسي الذي يجلس عليه لـ «تشريج (شحن) هواتفهم».

إضافة تعليق

3 + 5 =
Solve this simple math problem and enter the result. E.g. for 1+3, enter 4.