العراق في لاتح: سريالية المشهد السياسي العربي

قيل للشاعر أبي تمام: لماذا لا تقول ما يُفهم؟ فأجاب: وأنت لم لا تفهم ما يُقال؟
محمد نجيب السعد / كلية البيان
ظهرت السريالية، كحركة أدبية، في فترة حالكة السواد من تأريخ الأنسانية، وكانت الكتابات السريالية تعبر عن رفض للواقع أو الهروب منه، وأن هذا الموقف الرافض أو المتهرب يتطلب نوعا من اللاعقلانية واللاوعي في التعامل مع الاشياء، وذلك قد يبدو ترجمة لما قاله الفيلسوف سقراط وهو يصف الشاعر "ضوء، شيء مجنح مقدس، وهو لايبدع ما لم يلهم ويفقد وعيه، ويبطل فيه عمل العقل". يقول الشاعر بريتون احد مؤسسي السريالية، واهم اقطابها في فرنسا، بأن السريالية هي املاء من الذهن في غياب كل رقابة من العقل، أي أن السرياليين لم ينفصلوا تماما عن الواقع لأنهم كانوا واقعيين في تفصيلاتهم، لكنهم لا يجمعون صورهم ابداً في كلٍ واقعي، بل هم ـ كما الحال في أحلامنا ـ يترجمون هواجس وتضمينات اللاوعي مشغوفين بالاعتباطية والرؤى المرعبة. ويقول بول كلي، الرسام السريالي الألماني "اعتدنا في الماضي، ان نمثل الاشياء المرئية على الأرض، أشياء أما يستهوينا النظر إليها، أو تلك التي نرغب في أن نراها، نحن اليوم نكشف عن الحقيقة الكامنة وراء الأشياء المرئية، وبذا نبرهن على أن ما يُرى إن هو إلا حالة منفصلة في علاقتها بالكون، وأن هناك حقائق أخرى مجهولة كثيرة." أنه شكل من أشكال القلق وهو قلق المبدع الحقيقي الذي يرفض الحيادية أو الارتكان الى الخمول والسكينة والدعة، والشاعر هو صاحب الروح القلقة والطموح إلى شيء كان يريد الوصول اليه، إنسان غير منسجم ليس مع محيطه فحسب، بل ومع ذاته ايضاً، مما يدفعه الى رؤية ما لا يرى وسماع ما لا يسمع، ومن ثم قول ما لا يقال. ويخلد السرياليون إلى فكرة تبدو غريبة إلى حد ما تتجلى عبر رؤية حادة لتفكيك الواقع وتشتيته إلى جزيئات، ثم محاولة بنائه من جزيئات الواقع الأخرى وهو ما نراه جليا في “ لاتح “ عبدالحميد الطائي الذي صدر في العام 2008 عن دار الفكر الدمشقية ضمن سلسلة حواس حروف وهي كما يقول الطائي في مقدمته "مُحاوَلَةٌ لإِحْيَاءِ أَنْوارِ الْكَلامِ فِينَا فِي سِلْسِلَةٍ تَشْمَلُ أَكْثَرَ مِنْ حَرْفٍ، تَبْدَأُ بِحَرْفِ الَّلامِ فِي لاتِح". من أجل فهم واقع اختلط فيه الماضي والحاضر والمستقبل، "هَذا الْماضِي يُفْهَمُ فِي حاضِرِنَا عَلَى أَنَّهُ لا شَيْءَ لَنا مِمَّا كانَ لَنا.وَما لَنا الآنَ لَمْ يَكُنْ لَنا أَمْسِ. كُنَّا أَقْوِياءَ وَبِتْنَا ضُعَفاءَ، وَ(لا) مُسْتَقْبَلَ لَنا حَتَّى نَعُودَ لِمَعْنَى كانَ، كَيْ نَكُونَ". هذا الموقف يتطلب اللاعقلانية بعدما تعطل العقل الذي" تَمَّتْ اِسْتِباحَتُهُ بِقَناعَةِ أَنَّ أَمْسَنا سَبَبُ أَوْجَاعِنا، وَأَنَّ يَوْمَنا لا ثِمارَ لَهُ.. إِلاَّ بِتَوْجِيهٍ، وَكأَنَّنا (لا) بَدْرَ لَنا فِي الأُصُولِ، وَكَبَّلَتْهُ تَقلُّباتُ الزَّمَنِ الَّذِي لا تَتغَيَّرُ سُنَنُهُ وَتَتبَدَّلُ أَحْوالُهُ".
لقد شاهد العرب بغداد وقد غزتها الدبابات الأميركية، بعدما جالت متباهية فوق الجسد العراقي من شماله حتى جنوبه، شاهدوه يبث مباشرة على الهواء مثلما تبث الحفلات ومباريات كرة القدم:
إِنَّ الإِدْرَاكَ الصَّادِقَ، لِتَبَاعُدِ رُؤَى الالْتِفَافِ فِي
مَرْكَزِ انْبِعَاثِ الْفِكْرَةِ، مِنَ الْعَدَمِ، يُوَصِّلُ حَلَقَاتِ
النَّفَاذِ الْمُبَاشِرِ إِلَى الْمُتَلَقِّي فَوْرًا، بِغَضِّ النَّظَرِ
عَنْ كَوْنِهَا مُعَلَّقةً عَلَى جِدَارِ الْعَبَاقِرَةِ كَتُّحْفَةٍ.
لكن العرب لم يشاهدوا تلك السريالية العجيبة التي كانت كانت تنسج خيوطها و منذ زمن بعيد في الكيان العربي . أن العرب لم يشاهدوا التداعي الذي دب في الجسد العربي منذ زمن بعيد ، أنه الواقع كما يعتقد الطائي مُنْذُ وَاقِعَةِ الْجَمَلِ حَتَّى الآنَ:
شَاطِئُ وَهْمِهِ
يَحْوِي الآنَ
أَسْمَاكًا نَتِنَةً
كَانَ قَدْ لَفَظَهَا
قَاعُ بَحْرِهِ
بِمَوْجَةِ حَيْضٍ طَاهِرٍ شَفِيفٍ.
ويتكرر مع كل احتلال وانتداب، كلما جاءت "الحمير" لتستوطن
السواحل بحثا عن عشبٍ ،
تلبّط السمكُ
على سطح البحرِ
راجياً خلاصهُ
من تنفسٍ خانقٍ
في قاعِ المحيطِ .
منظر الدبابات والقطع العسكرية الأميركية (هذه المرة، لكنها تستحضر صور قديمة جديدة كلما داس أجنبي الارض العربية) وهي تتحدى المشاعر وتسخر منا وكأنها تقول لنا نحن محتلون ونمشي فوق كرامتكم، مثلما مشى آخرون كثر، وليس شوارعكم. لقد سارت الدبابات الأميركية فوق القلوب والأجساد قبل الشوارع التي هشموها كلها بنذالة عجيبة لا تليق إلا بهم. وهذا يعني أن ما نراه الآن، سواء في العراق أو في مناطق أخرى من الوطن العربي، هو إعادة لسيناريو واقعة الجمل، وستزكم الأسماك النتنة الأنوف لأننا لن نرى على الشاطئ سواها طالما أننا لا نعتبر:
الأَيَّامُ تَمُرُّ
لا ذَاكِرَةَ لَهَا،
نَحْنُ مَنْ يُدَوِّنُ لِلذِّكْرَى
دُونَ أَنْ نَعْتَبِرَ.
لكن العرب الذين جلسوا يشاهدون بغداد وهي تسقط لم يروا ما رأه الطائي :
لِلنَّقْمَةِ عَلَى طَرَفِ لِسَانِهِمْ، بُذُورُ شِقَاقٍ.
تَرْفُضُ طِيبَةَ الأَرْضِ، إِنْ ابْتَسَمَتْ عَدْلاً، أَوْ
نَطَقَتْ نُصْحًا لِلْمَاءِ الَّذِي يَرْوِي ظَمَأَ
تُرْبَتِهَا الْقَاحِلَةِ بِأَفْعَالِهِمُ الْمُسْتَفِزَّةِ أَبَدًا
لِنَزْعَةِ الْجَفَافِ.
لم يروا الطائفية التي ستغزو العراق مثلما فعلت الدبابات وستغرقه في وحلها، ولم يروا تلك البشاعة التي خلقها الاحتلال الجديد القديم أينما توجهت. هذا حدث في العراق بعد 2003، سمعت إن شابًا اختطف من أحد الأزقة، وبعد أيام أعيد إلى أهله بعد أن تُرك أمام منزلهم وهو فوق صينية كبيرة مطبوخًا، ومعه ورقة تقول "اشربوا الشاي بعد أن تأكلوه". (الا تذكركم الواقعة بمسرحية ميديا ليوريبيديس، عندما أرسلت ميديا الى زوجها جيسون وعلى صينية كبيرة رؤوس أولادهما الثلاثة بعدما سمعت بزواجه من أمرأة ثانية). هل يصدق أحد أن هناك بشاعة في العالم تستطيع أن تفعل هذا؟ هل اكتفى قدرنا الأصم عن سماع عذاباتنا؟ أم أنه ما زال بحاجة إلى نحيب متجدد؟ تلك الديمقراطية التي تفوح منها رائحة الأجساد المطبوخة و المحترقة هي الوعود التي جاء بها بريمر و الاحتلال:
تَفَحُّصُ أَطْرَافِ الْخَيْطِ دُونَ التَّمَعُّنِ فِي
مَلْمَسِهِ، يَجْعَلُ الإِبْرَةَ تَنْسَلُّ خِلْسَةً إِلَى
قُمَاشِ الْحُفَاةِ فَتُفَصِّلُ مَلْبَسَهُمْ فَضْفَاضًا،
عَلَى هَوَى التُّخْمَةِ، لِتُكَزَّ الْجُيُوبُ الْمَنْذُورَةُ
لِلدَّفْعِ أَوَّلَ كُلِّ شَهْرٍ.
تلك الوعود نفسها التي أطلقها الجنرال مود البريطاني بعدما داست سنابك خيله شارع الرشيد في العام 1919 (جئنا محررين لا فاتحين) وقالها الصليبيون قبله، ومثلما انهالت الوعود هنا وهناك على شعوب الوطن العربي المبتلاة وقد أصبحت عبر التأريخ نهبا مشاعا للقوى الأجنبية التي جاءت من جميع الاتجاهات. تخيل معي مدينه صغيره تقع في اقصى الجنوب العراقي لم يكن لديها سوى السماء والبحر والصحراء تقاوم مدة أربعة عشر يوما، بينما بغداد التي يحميها الحرس الجمهوري سقطت خلال ليلتين، نعم صدق او لا تصدق سقطت بغداد بليلتين فقط، استيقض العراقيون في بغداد صباحا ليصيبهم الذهول من منظر الدبابات والمدرعات الاميركية التي كانت تجوب شوارع بغداد. تلك ليست سريالية دادا أو بريتون أو سلفادور دالي. والعرب ما زالوا صامتين. صمت أزلي قاتل:
دَاخِلَهُ عُوَاءٌ فِكْرِيٌّ يَنْبَحُ بِهِ لأُذُنِ
وَجْهِهِ. اَلْمُتَّكِلِ عَلَى شَمِّ بَصَلَةٍ،
لِيَعْطَسَ فَتَسِيلَ مِنْ عَيْنَيْهِ
اَلدُّمُوعُ حِبْرًا، لِدَوَاوِينِهِ
الْمَصْفُوفَةِ عَلَى رَفِّ أَفْكَارِهِ
فَيَتَوقَّفَ نُوَاحُهُ، لِكِلابِ الْلَحْظَةِ
الضَّالَّةِ.
وجفت الأقلام وصمت الأدب مذهولا مثلما ذُهل الجميع :
اعْتِلاءُ عَرْشِ كِتَابَةِ الْحَدَثِ الآنِيِّ، تَمْتَزِجُ
فِيهِ رَوَائِحُ جَنَّةٍ مَوْعُودَةٍ، بِانْبِعَاثِ عَوادِمِ
مَصَانِعِ الْوَهْمِ، فَيَسْتَحِيلُ تَمْيِيزُ مَدْخَلِ
حَرْفِهَا، وَمَخْرَجِ جُمْلَتِهَا، فَتَكُونُ حَالُ
الْقَارِئِ، كَحَالِ كَاتِبِهَا وَهُوَ حَافٍ..
جاء الاميركي هذه المرة، مثلما فعل قبله البرتغالي والفرنسي والبريطاني وقد تعلم درسا واحدا" اسمعوا, أنتم تنتمون إلى الجيش الأميركي, القوة العظمى التي تقهر ولا قوة فوقها, ولهذا عليكم أن تضعوا في الحسبان أنكم تحملون في دمكم ميزة أنكم من أميركا وأنكم الأقوى والأقوى.. (كانت تلك الدروس التي نتلقاها يومياً إلى درجة صار من الصعب علينا أن نستوعب أن ثمة من هو أفضل منا, وجعلنا نرى بقية كائنات الأرض أقل منا بكثير, مجرد صراصير تمشي على هذه الأرض" . بهذه الكلمات, يتطرق الجندي الأميركي جيمي ماسي صاحب كتاب (أقتل، أقتل) إلى الفكرة العسكرية وفق المنظومة الحربية الأميركية والتي بدأت على أساس إخضاع عقول الجنود إلى تلك الفكرة المركزية وهي ليست فكرة جديدة مطلقا، أقرأوا الخطاب الغربي جيدا منذ الحروب الصليبية، مرورا بالعصر الاستعماري وصولا الى الاستعمار الجديد، أنها نازية متجددة تغير لغتها فقط: جنس مختلف وأن بقية الأجناس تحت نعال أحذيتهم العسكرية الثقيلة. وكان الطائي لطيفا في تصوير هؤلاء "حمير"، أنهم يختلفون تماما، اليس كذلك؟ وجاءت الفترة الانتقالية، الموت في جسد وليد خديج مشوه:
لا بُدَّ مِنْ تَرْجَمَةٍ أَمِينَةٍ، لِقَوَاعِدِ وَمُقَدَّرَاتِ الْوَعْيِ
اَلْلاهِثِ لِلإِدْرَاكِ الْحِسِّيِّ، عِنْدَ ارْتِمَاءِ زَوَايَا الْهَمِّ
الْوَاسِعِ بِالْمَقَايِيسِ الْمُعْتَادَةِ لآفَةِ الْمَدْخَلِ
الضَّيِّقِ، لِبَاحَةِ الدَّمْجِ الْقَسْرِيِّ.
ودخلنا في لعبة الانفجارات (من يفجر من؟ و لماذا ؟) :
وِلأَنَّ شَطْرَ الدَّمَارِ عَلَى مَرَاحِلَ، يَدْعُو لِلْقَلَقِ.
وَيَلُفُّنَا بِهَاجِسِ انْتِظَارٍ خَانِقٍ، تَفَتَّقَتْ لَدَى
أَصْحَابِ الْعَيْنِ النَّاعِسَةِ، حِكْمَةُ الْوُلُوجِ صَبَاحًا
إِلَى الْحَمَّامِ، وَأَخْذِ "دُشٍّ" قَبْلَ الانْشِطَارِ الزَّائِفِ
بِمُوَاجَهَةِ الْبَشَرِ.
والأجساد المحترقة والمقطعة تتراقص على أنغام البرتقالة الجديدة
إِنَّ ابْتِعَاثَ صَمْتِ النَّاطِقِينَ بِالأَهَازِيجِ الْمَخْمَلِيَّةِ،
مِنْ رُقَادِهِمْ قَدْ يُوقِظُ الدَّنْدَنَةَ الْمَدْفُونَةَ غَدْرًا فِي
وَحْلِ الرَّقْصِ الأَعْوَجِ، لَكِنَّهُ، قَدْ يُحْنِقُ. وَنُسْتَبْلَى بِهِ
إِنِ اسْتَرْقَصَ ذَاكِرَةَ الْخَصْرِ وَهَزَّ رَأْسَهُ، لِغِرْبَانِ
الأَغَانِي الْمُصَوَّرَةِ حَدِيثًا.
وبريمر العربي يقود الاوركسترا :
مُمَاطَلَةُ شَهْرَزَادَ لِشَهْرَيَارَ، تَحَدٍّ لا يُوَاجَهُ بِسَرْدِ
خُرَافَاتٍ جَدِيدَةٍ، لِبَغْدَادَ اَلَّتِي يَحْرُقُهَا جَرَيَانُ
دِجْلَةَ، وَانْسِيَابُ الْفُرَاتِ كَعَرَقٍ عَلَى جَبِينِ
مُسْتَغِلٍّ لِزَيْفِ الطَّائِفِيَّةِ لا الْعِرْقِيَّاتِ.
وأنا أسأل متى كان الرافدان دجلة والفرات كذلك؟ اجتمعت مظالم الأمس مع مفاسد اليوم، وخرج الحديث من دائرة المعقول إلى ممارسات بشعة، وبدا الناس في حيرة من أمرهم هل التغيير من أجل الديمقراطية وهل التحول من أجل عراق أفضل سيكون بمثل هذه الممارسات؟ وبمثل هذه النتائج المأساوية على أهلنا في العراق؟
يَتَعَمَّدُ كُسَالَى الْحِيلَةِ اَلْخَبَلَ،
وَيَحِلُّ عَلَيْهِمْ عِنْدَهَا اَلْهَبَلُ، خَدَّاعُونَ، نَصَّابُونَ، يَدَّعُونَ
الْخَجَلَ، لامْتِصَاصِ جَذْوَةِ
غَضَبِ مَنْ عَلَى خِدَاعِهِمْ صَبَرَ
وَاتَّكَلَ.
وماذا بعد؟ أنها مأساة حينما تتحول لملهاة..... انها العراق الأن :
بَلُّورَةٌ..
كَسْرُهَا يَعْنِي الإِقْرَارَ بِذَنْبٍ،
دُونَ وِصَايَةٍ مِنْ طَارِقِ طَبْلٍ،
غَرِيبٍ عَنْ سِنَامِ نَاقَتِنَا،
أَرْضَعَتْهُ بَقَرَةٌ حَلُوبٌ،
يَرْتَدِي قُبَّعَةً مُسْتَدِيرَةً وَيَشْمَئِزُّ
مِنَ الْغِتْرَةِ وَالْعِقَالِ،
يَسْتَلِذُّ خُطَاهُ
عَلَى شَظَايَانَا.
خمس عشرة لوحة رسمها الطائي في لاتحه للعراق، بدأت بالأمس وانتهت باليوم (الآن) تاركة القارئ يفكر بالغد وهو يراه أمام عينيه ينبع من فسيفساء سريالية أبطاها أشباح تبحث بين أنقاض الحاضر عن هوية المستقبل التي أضاعوها بالأمس.

إضافة تعليق