قيامة العرب

الملايين سعداء وفخورون لأنه قدر لهم أن يعيشوا ويشهدوا بزوغ هذا الفجر الذي يسجله التاريخ، نحن الذين عشنا أحلك درجات الظلام والعتمة، لدرجة أننا نسينا الرؤية والإحساس بالضوء.
هنالك إجماع بأن الشعب العربي في مصر وتونس كان يعيش حالة «كآبة قومية»، ودرجة مدقعة من اليأس، ينام ويفيق على كابوس الواقع العربي الضعيف المهزوم المغلوب المتخلف الذي لا حول له ولا قوة، بينما الآخرون هم القوة والعلم والتحضر.
تونس كانت مركز موجة عاتية أحدثت ما أحدثته، موجة انتقلت إلى ضمير كل إنسان عربي، وأعادت الحياة إلى رفاة الجسد العربي، إلى تلك الجثة التي كادت تتآكل وتتعفن ببطء.
ما كان لأية وسيلة أن تؤتي ثماراً وتأثيراً، كما فعلت ثورتا تونس ومصر، ما من شيء كان يمكن أن يعلمنا ويوقظنا ويشعل الأمل فينا كما فعل درس تونس العملي.
يبدو أن المستبدين ظنوا أن إرادة الإنسان العربي قد تفحمت إثر حكمه النار والحديد، والضغوط الهائلة التي بقي يرزح تحتها لعقود وقرون، لكن العالم كله لم يتخيل أن تلك الإرادة والضمير المتفحمين قد تحولا إلى ماس ثمين، إلى المادة الأصلب في الطبيعة، والأنفس والأغلى، بعد الآن لا يمكن تحويلها إلى رماد ينثر هباء، لم يعد فحماً رخيصاً بلا جدوى، صار ماساً نظيفاً شفافاً براقاً يسحر عيون العالم ببريقه، لا يمكن كسره أو تطويعه بعد الآن.
الإنسان العربي بعد ثورتي تونس ومصر لن يكون أبداً كما كان قبلهما، لقد بعثتا فيه إحساسه بالحرية والكرامة والإنسانية، ذلك الخط الأحمر الذي لا ينبغي التفريط به أبداً بعد الآن مهما كان الثمن، ذلك الإنسان الذي اكتشف قواه الخلاقة، وقهر الخوف.
من كان يتخيل أن مارداً عملاقاً سيخرج من داخله، وأن الإنسان العربي على نقيض كل الاعتقادات المشؤومة التي كانت تشله، سيبدي كل هذا السلوك المسؤول والشجاع والمتحضر.
ناريمان غسان عثمان

إضافة تعليق