جوائز أدبية .. مسألة ثقة

في الوقت الذي نبحث فيه عن جوائز بمبالغ خيالية، ونرفع تحدي الإبداع والقراءة بالأرقام التي تهزُّ الأفئدة، تضج أوروبا بأعرق جائزة فرنسية "غونكور" التي حددت قيمتها بمبلغ يقلّ عن العشرة يورو، وهي على مدى قرن وخمس سنوات لا تزال تصنع الحدث الأوروبي والعالمي، ما دامت قد توجت أدباء يستحيل أن يجدهم القارئ وهم مطمورون في بلدانهم الأصلية لأسباب يضيق المقام لذكرها الآن، حال الجزائري كمال داود، والمغربية ليلى سليماني، ومن سبقهما من كتاب من أصول إفريقية أو عربية يكتبون باللغة الفرنسية.

تصر غونكور أن تقدم جائزة تقدّر الكاتب وتحترمه، ولا تدخله في متاهة الصراع المادي، الذي يقلل من حسِّه الإنساني الفطري، والمبادئ التي يفترض أن يقوم عليها الأدب. وقد نجحت في تّحديها الغريب، فخلقت ما يشبه الحياة الثانية لشخص فقد نبضه وتنفسه للحظات بعد إنعاشه.

غونكور التي بسطت أجنحتها على العالم العربي والإفريقي حيث تُوجد بؤر تعليم اللغة الفرنسية، أثبتت أن مجرّد الإعلان عن نتائجها يرفع من مستويات بيع الكتاب إلى أرقام خرافية، لم تتحقق لنا نحن حتى حين بلغت جوائزنا "المليون دولار" وهو "الرقم السقف" الذي وضعته أكاديمية نوبل للفائزين بجائزتها.

ويبدو أن الحيلة في الجوائز ليست في بريق الجائزة، ولا في أمور ثانوية اهتمت بها مؤسسات عربية لمحاكاة الغرب، بل في الجدية، والاحترام للنص الأدبي، إذ من المستحيل أن يصمد قارئ مرحلة ما أمام بريق مصطنع.

لقد منحنا جوائز في العالم العربي "زيّ الرُّز" لكتاب انطفأ بريقهم بمجرّد نضج المراهقين الذين تهافتوا على كتبهم خلال تلك المرحلة، وبعضهم منح أكثر من جائزة، لدرجة السخف والابتذال، حتى بدت أشكالهم شبيهة بذلك القائد الذي يرتدي بذلة مليئة بالنياشين فيما لم يشارك في حرب واحدة. هذا ما عملت الأكاديميات بحجم غونكور على تفاديه، على مدى عمرها الطويل، الذي تجاوز القرن وبضع سنوات، لقد صنعت جسراً من الثقة بين القارئ والكاتب، وأسست بشكل صحيح لتقاليد قراءة متينة، حتى أصبح كاتب مثل "مارسيل بروست" مثلاً يقرأ إلى اليوم، وتشعر الأجيال القارئة له، أن أدبه يعنيهم، هو الذي غادرنا في مثل هذا الشهر العام 1922، وقد نال جائزة غونكور في 1919.

أما الفرنسي الذي نالها هذا العام، نيكولا ماتيو فقد نالها برواية عن مراهقي بلده، ومتاعبهم وسط التغيرات العالمية التي لامست فرنسا، ويتوقع أن يبيع الكتاب أرقاماً ساحقة منذ اللحظة، تبدأ بنصف مليون نسخة خلال هذين الشهرين فقط..! وتنتهي بثقة أبدية مع القارئ.

إضافة تعليق

15 + 2 =
Solve this simple math problem and enter the result. E.g. for 1+3, enter 4.