الكاتب والكتابة

بعيدا عن الأزمات السياسية وشرور الحروب، أود أن أتطرق إلى موضوع جميل، يخص الكاتب والكتابة، لمعرفة شعور الكاتب أثناء الكتابة وعلاقة ذلك الشعور بالإبداع.
إن معرفة الحالة الشعورية والجسدية التي يعيشها الكاتب تساهم في الكشف عن علاقة المعاناة الجسدية والانفعالية بالكتابة الإبداعية، ولقد تناولت بعض الدراسات هذا الجانب لما له من أهمية في التعرف على أبعاد العملية الإبداعية.
إن الحالة الانفعالية والنفسية التي تؤثر على الحالة الجسمية للكاتب، تنعكس بدورها على العمل الأدبي، وربما لهذه الحالة علاقة بصدق التعبير أو ما يسمى بالصدق الفني، أي أن العمل الأدبي يمثل بصدق حقيقة مشاعر الكاتب وأحاسيسه، ويمكن أن نطلق أحياناً على قصيدة صفة الحزن ونقول قصيدة حزينة، أو رواية متشائمة.
يقول جيروم ستولينتز، في كتابه النقد الفني، المترجم من قبل الدكتور فؤاد زكريا: «من الممكن أن يعبر العمل الأدبي أو الفني عن صور، أو انفعالات، أو أفكار، وكثيراً ما تتلاحم الصور والانفعالات والأفكار التي يعبر عنها عمل ما ويكون لها في الوقت ذاته طابع انفعالي مميز خاص بها».
وأغلب الدراسات تؤكد حدوث التغيرات الانفعالية والجسمية للكتابة الأدبية، لكن لكل أديب خصوصيته الفردية.
تتحدث الكاتبة عائشة عودة في كتابها الأدبي «أحلام الحرية» عن شعورها لحظة الكتابة لتوثيق تجربتها في المعتقل مع الجلادين الصهاينة قائلة: «مع الكتابة وجدت نفسي أدخل حالة من الاكتئاب تطول لأكثر من أسبوع وأحيانا تدوم أسابيع عدة، وفي إحدى المرات تعالت دقات قلبي وتسارعت، وتم نقلي إلى المستشفى خوفاً من نوبة قلبية، وتكررت الحالة فأدركت أني ما زلت غير مستعدة لنبش التجربة وكتابتها، فقررت الانتظار على أمل أن يأتي وقت أكتب فيه بألم أقل، وبعد ذاك كانت الكتابة تجربة ورحلة لاكتشاف الذات وفهم التجربة من جديد، الكتابة ليست معاناة فحسب، بل متعة تضيء النفس وتحررها من إسار التجربة».
ولقد وثقت في كتابي «مظاهر العملية الإبداعية في تجربة الكتابة الأدبية»، نظرة مجموعة من الأدباء والشعراء البحرينيين للكتابة، وكان لي الشرف أن يجيب على أسئلتي مجموعة من أكثر الأدباء شهرة، واستطعت من خلال تلك المقابلات أن أوثق الحالة الشعورية للكاتب أثناء الكتابة.
فالشاعر قاسم حداد، يقول: «لحظات الكتابة لا معاناة فيها، الكتابة نجاة من وجع الحياة وهي الملجأ الأليف والحنون بالنسبة لي، أما التوتر والقلق الصاخب فإنه يتركز في مرحلة ما قبل بداية الكتابة بقليل، حيث تصاعد حالة الانتظار والتوقع، بالنسبة لي مثل حركة البركان الداخلية، حالة تشبه اندياح النيران في الجسد، وما إن تبدأ الكتابة حتى يذهب الوجع والتوتر».
والأديب أمين صالح، يقول: «قبل شروعي في الكتابة بفترة وجيزة تنتابني حالة شبيهة بالحمى الخفيفة، جسمي يضطرب، أطرافي تنتفض، أعصابي تتوتر، غير أنها تزول حالما أبدأ الكتابة، الكتابة تعطي لحياتي معنى، بدونها قد أكون لا شيء لا أحد».
الشاعر علي الشرقاوي الذي نتمنى له الشفاء والسلامة، يقول: «أكثر مرحلة يشوبها القلق والتوتر هي مرحلة ولادة القصيدة، وأثناء الكتابة أشعر باللذة الروحية وبأنني أملك كل هذا العالم، الكون والمحيطات، أكون الملك ورعاياي الحروف».
الأديب محمد عبد الملك يقول: «عندما أتوقف عن الكتابة تبدو الحياة مملة وأبدو لنفسي تافهاً، ضعيفاً، عاجزاً وتبدو الأشياء المحيطة بي أكثر قدرة على الفتك بي، أما لحظة الكتابة فهي لحظة مركزة جداً، يكاد الداخل يكتبني، سرعة الكتابة تكون شديدة مع بعض التوتر، كتابتي هي أنا، كلما أبدعت نفّست، فإذا لم أكتب تتجه الأشياء إلى الداخل، أصاب بنوع من الاكتئاب وأشعر بالعدم».
الأديب عبدالقادر عقيل يقول: «الكتابة سؤال الذات، لذا فإن الأسئلة التي أطرحها لا نهاية لها، بالكتابة أعبر المجهول والأسرار والطلاسم، الكتابة هي الرؤيا، وأعظم وسيلة للكشف عن الغيب، هي الحلم الجميل الذي يهدم الواقع ويعيد تشكيله من جديد، والمتعة الحقيقة تأتي حين أبدأ بإعادة صياغة ما كتبته على الجهاز أشعر وقتها إنني أؤدي كونشرتو».
والشاعر علي عبدالله خليفة يقول: «في الغالب يتوهج شيء ما بداخلي وأحس بشفافية مطلقة تجاه كل شيء في الكون، لحظتها أدرك أني في غير حالتي الاعتيادية فانفرد بنفسي وأتهيأ للكتابة، ومرحلة الدفق الأولى هي الأثمن والأعز بالنسبة إلى الشاعر، وفيها تتشكل بؤرة العمل الإبداعي، وهي حالة مركبة ذات طبيعى بالغة الخصوصية بالنسبة للشاعر».
فما أجمل لحظة الكتابة، هي كالصلاة يتوجه فيها الكاتب بكل قدسية إلى محرابه ليطهر ذاته، وكالإمام يؤم الآخرين لينقلهم إلى عوالم في غاية الإبداع والجمال.

إضافة تعليق