لقاء مع الناقد والشاعر السوري الدكتور وليد قصاب

 


رجل النقد والأدب بامتياز، بكل ما أوتي من قدرة على فهم اللغة وتراكيبها وما وراء كلماتها، عدو الحداثة إذا كانت تنتهك الحرمات وتتجاوز الأخلاق، أحب وطنه العربي الكبير فدافع عن لغته وأصالته وتراثه ودينه، وكتب أجمل ما كتب لفلسطين وللعودة وللبندقية ولغزة المحاصرة وشعبها الصامد ، هذا هو ضيفنا الدكتور وليد قصاب .

 

للمكان أثر في شخصية الإنسان ، فكيف كان هذا في سيرتك ؟

لقد نشأت في دمشق وتعلمت فيها وترددت على مساجدها وعلى حاراتها, وكانت نشأتي في حي العقيبة - تحت المئذنة التابع لسوق ساروجة وهو من الأحياء الدمشقية العريقة, كان بيتنا قريباً من جامع التوبة, وتتلمذت على مشايخ الحي, منهم الشيخ عبد الوهاب دبس وزيت, والشيخ محمد هشام البرهاني, والشيخ حسين الخطاب ومجموعة من العلماء, ودرست في مدارس دمشق طبعاً وثانوياتها, وبعد ذلك تخرجت من جامعها ودرست التربية فيها أيضاً, ثم سافرت فيما بعد إلى القاهرة وأمريكا لإكمال الدراسات العليا.

 

أين أثر هذه المدينة في شخصية الشاعر والناقد والقاص الدكتور وليد القصاب:

دمشق هي روحي بما فيها من عبق التاريخ وعبق الجغرافية, وعبق الفتوحات التي تعرف, وهي منعكسة فيّ كثيراً ولا سيما في القصص, فلي خمس مجموعات قصصية كلها تقريباً تدور أحداثها في أحياء دمشق القديمة, فدمشق حضورها قوي جداً في شعري وفي قصصي, وعندي روايتان لم أنشرهما أيضاً وحضور مدينتي فيهما حضور قوي وواضح, وفي الشعر أيضاً كتبت أكثر من قصيدة عن دمشق وعن سورية وعن الوطن بشكل عام.


عندما قرأت سيرتك الشخصية واجهني سؤال: كيف استطعت أن تنتقل من كلية الصيدلة إلى كلية الأدب العربي؟ وكيف تلمست خطا الأدب؟


الأدب كان في الأصل هوايتي, فأنا كنت أكتب القصة والشعر منذ أن كنت في الصف الثالث الإعدادي, ونشرت أول قصة وأنا في الصف الأول الثانوي, نشرت حيها في مجلة الثقافة, التي كان يصدرها مدحت عكاش وما يزال, وكان يكتب فيها يوم ذاك كبار الكتاب والشخصيات, فأنا كنت أحب الأدب والشعر منذ أن كنت صغيراً, وعندما نلت الثانوية العامة - الفرع العلمي كان والدي رحمه الله يريد أن اتجه اتجاهاً علمياً؛ كان يقول لي دع الأدب هوايةً, أي لا تجعله حرفة أو مهنة, وكان يقول لي إذا دخلت كلية الآداب فسوف تتحول إلى إنسان أكاديمي يقرأ عن الأدب أكثر مما يقرأ الأدب, وكان يحذرني من هذه القضية يقول لي بالعكس اجعل الأدب هواية فادخل فرعاً علمياً. وتوفي الوالد قبل أن أنتهي من المرحلة الثانوية, كنت على ما أظن في الصف الثاني الثانوي, وبعد أن توفي والدي حصلت على الشهادة الثانوية العلمية, وكنت أيضاً متفوقاً في العلوم فترددت طويلاً؛ أريد أن أنفذ وصية والدي, وأريد أن أحقق رغبتي الشخصية, وهذا أوقعني في حيرة حقيقية.


ما الذي أغراك بالأدب؟


أنا أحب الأدب حقيقة. كنت أقرأ منذ كنت في المرحلة الابتدائية, أعتقد أني قرأت كل هذه السلسلة التي تسمى سلسلة الروايات الخضراء لكامل الكيلاني, وقرأت روايات أجاثا كريستي والقصص التي كان يكتبها موريس لوبلان الذي اخترع شخصية أرسين لوبين, لقد قرأت قصصاً كثيرة, فكنت أحب الأدب فالأدب هذا هواية, لما أخذت الثانوية العامة أردت أن أحقق وصية والدي وأن أنتسب إلى الفرع العلمي, ولا سيما أنَ كثيراً ممن حولي نصحوني بالصيدلة, ولا يخفى عليك, لقد سألت نفسي السؤال ذاته الذي تسأله الآن فقلت أجمع بينهما, وكان مسموحاً أن نجمع بين كليتين, هذا الكلام في عام ألف وتسعمائة وسبعة وستين عندما أخذت الثانوية العامة, فسجلتُ في كلية الصيدلة وفي كلية الآداب, ومضيت فيهما معاً, ووصلت إلى السنة الثالثة في كلية الصيدلة وفي الآداب, وبعد ذلك ثقل علي العبء, لا أخفي عنك أنني لم أحب الصيدلة رغم أني ما حملت أية مادة على الإطلاق, بل كنت أنجح بتقدير جيد, ولعل الذين درسوا في جامعة دمشق يعرفون ما معنى النجاح بتقدير جيد, ولا سيما قبل أربعين سنة تقريباً, أما في الآداب بدأت أشعر أنني كنت أحقق ذاتي, وبدأت أكتب وقدمت تمثيلية للإذاعة وبدأ اسمي ينتشر قليلاً, ونشرت أول مجموعة قصصية نشرتها لي وزارة الثقافة عام ألف وتسعمائة وثمانية وستين ميلادية, أحسست أن الأدب هو شخصيتي, من خلاله أستطيع أن أحقق ذاتي فتركت الصيدلة وأكملت في طريق الأدب.

 

في قصيدة الشموخ قلت:


من قلب قلب اللَيل يبدو بارقٌ ، فترى الظَلام أمامه متقهقرا
إنَ اليهود سحابةٌ في أرضنا ، لا بد يوماً أن تزول وتُدحرا
أنت من جيل النكبة، الجيل الذي رأى بأم عينيه احتلال فلسطين وما خلفه من مآس كثيرة؟ أين فلسطين في شعر وليد قصاب؟ وما هو أداء الشعر في هذه القضية؟


ليس هناك ديوان من دواوين شعري إلا ويكون فيه قصائد عن فلسطين سواء بشكل صريح أو بشكل رمزي، لقد كتبت كثيراً عن فلسطين وعن أطفال الحجارة وعن غزة وفي رثاء الأبطال الفلسطينيين الشهداء، يعني كتبت كثيراً عن فلسطين وبدون مبالغة أكثر من عشرين أو ثلاثين قصيدة, وكتبت عنها في القصة فأنا لي أكثر من قصة كتبت فيها عن القضية الفلسطينية، فلسطين أخي تعيش في دم كل واحد منا, في أحلامك لا يمكن أن تنسى فلسطين، لا تحتاج إلى من يذكرك بها, ولا تحتاج إلى من يحمسك من أجلها،ولا أتصور أنَ هنالك إنساناً مسلماً أو عربياً عنده ذرة من الشهامة أو ذرة من كرامة ثم هو لا يستحضر فلسطين، بالمناسبة لن تجد شاعراً على الإطلاق مهما كان اتجاهه إلا وكتب عن فلسطين. هذه فلسطين من أكثر القضايا التي حضرت في الشعر العربي فأنا كتبت عن فلسطين كثيراً جداً, فمنذ ديواني الأول كان اسمه يوميات من رحلة بحار كتبته وأنا كنت شاباً عمري واحد وعشرون عاماً وكنت في القاهرة آنذاك أول ما ذهبنا للدراسات العليا وربما في أكثر من أربع أو خمس قصائد في هذا الديوان عن فلسطين، ومعي الآن قصيدة هي عن طفل فلسطيني يسأل عن الحكاية, وقد نشرت في مجلة العربي ولو جمعتَ ما نظمتُه عن فلسطين لوجدته يساوي أكثر من ديوان.



هذا يقودنا إلى سؤال مهم: كيف تقرأ التجربة الشعرية الفلسطينية خلال ستة عقود؟


في قضية فلسطين ركب موجتها شعراء كثيرون وهؤلاء الذين سموا شعراء الأرض المحتلة كما تعرف كمحمود درويش و سميح القاسم وتوفيق زياد كتبوا عن قضية فلسطين من منظار يساري أيدولوجي معين لا يخفى على أحد، وهنالك شعراء كتبوا عن فلسطين من منظار إسلامي, وهنالك شعراء كتبوا عن فلسطين من منظار قومي, وهنالك شعراء كتبوا عن فلسطين من منظار إنساني, و فلسطين فجرت ينابيع من الشعر, وفجرت مواهب كثير من الشعراء, وقد تكون هذه ميزة أنك تجد جميع أصحاب الاتجاهات الفكرية والسياسية حاضرين في الكتابة عن فلسطين؛ يعني أنت تستطيع أن تكتب عن كتاب رسالة فلسطين من الشعراء الثوريين مثلاً أو الشعراء اليساريين إذا أحببت، من الشعراء الإسلاميين وغيرهم فقد كتب عن فلسطين كتابات لا حصر لها من وجهات نظر مختلفة, ونحن بالنسبة لنا في الحقيقة نرى أن أصح ما كتب عن فلسطين هو الذي كتب من منظار إسلامي فكري؛ لأن قضية فلسطين هي قضية إسلامية و ليست قضية قومية, فشعراء الأرض المحتلة جعلوا قضية فلسطين كأنها أرض الزيتون, وأنت تعلم فلسطين ليست أرض الزيتون وليست أرض الليمون ولا أرض التين وما شاكل ذلك فقط، فلسطين هي الأقصى, هي المسجد الأقصى هي القدس هذا التراث العربي الإسلامي.



يظن بعض الشعراء الفلسطينيين أمثال صالح هواري وغيره أن النقد العربي قصّر في حق الأدب الفلسطيني, وأن التجربة النقدية العربية برُمَّتها كانت تجربة فاشلة لأنها تحيزت لشعراء دون غيرهم؟


أخي هذا الكلام لا يخلو من صواب, للأسف نحن نعاني في النقد العربي الحديث من التحيز ومن عدم الموضوعية ومن الشللية ومن الانتماءات الحزبية, هذا موجود في النقد وموجود في الأدب, وموجود في كل شيء, قضية عدم النزاهة والموضوعية موجودة في كل الاتجاهات, والمثقفون الآن أصبحوا شللاً وانتماءات، ما أكثر ما حجبت الجوائز التقديرية عن شعراء يستحقون, وما أكثر ما أبرز ناس وحجب آخرون, فحياتنا العربية المعاصرة كلها تعاني من عدم الموضوعية وانعدام النزاهة.


كتب ولكن كانت متحيزة يعني في لقاءنا معه، يعني هو تحدث بهذا الكلام في لقائنا معه قال: النقاد تناولوا عدد من الشعراء الفلسطينيين مثل محمود درويش مثل توفيق زياد وهناك عشرات الشعراء الفلسطينيين الذين لم تكتب فيهم أية دراسات نقدية رغم زخم تجربتهم وهذا كان سبب التحيز؟


هذا الكلام صحيح, هذا ينطبق على الشعراء الفلسطينيين وعلى غيرهم، نحن الآن كما قلت لك شلل وانتماءات وأحزاب و تحزبات, والناقد الآن أصبح لا يكتب إلا عن أصدقائه, و لا يكتب إلا عمن يعرف لا يكتب إلا عمن له معه مصلحة.


هناك من يقول في هذه الأيام بعدم جواز توظيف الشعر في أية مهمة ما رأيكم في هذا القول؟
هذا القول أخي تبناه طائفة من الحداثيين ومن العلمانيين ومن الشكليين إذا أحببت, إنه في النقد اتجاه قديم حديث, هناك من يرى أنَ الأدب لا ينبغي أن يوظف لخدمة قضية معينة وينطلقون من منطلق أنَ الأدب إذا وظِّف أو جُنّد أو كان الأديب ملتزماً فإن الالتزام يؤثر في الجودة الفنية. وهناك مقولة في النقد العربي للأصمعي, كان يقول "الشعرُ نَكِدٌ بابُه الشر ُّفإذا دخل فيه الخيرُ لانَ وضعُفَ". فهنالك اتجاه كما قلت لك, اتجاه شكلي جمالي هؤلاء أصحاب الفن الجماليون يرون أنَ الأدب ينبغي أن يبتعد عن الالتزام وعن خدمة القضايا حتى لا يؤثر ذلك في الجودة الفنية, طبعاً هي مقولة مرفوضة بالنسبة لنا لا نقبلها وخاصة من منظار التوجه الإسلامي على الأقل, في الإسلام الكلمة أمانة, ولم يخلق الله سبحانه وتعالى شيئاً عبثاً والإنسان مسئول عن كل شيء يقوله . فهذا اتجاه, لكن هناك اتجاه آخر أيضاً موجود في أدبنا وفي تراثنا, وعند الآخرين أن الأدب يكتسب مصداقيته ويكتسب قيمته عندما يكون له وظيفة يحققها, فنحن طبعاً مع هذا الاتجاه الثاني لأنه اتجاه يتفق - كما قلت لك - مع تصوراتنا الإسلامية, وليس صحيحاً أنَ الالتزام يغتال الفنية في الأدب, إلاَ إذا لم يكن الأديب قوياً. الالتزام - أخي الكريم - يحتاج إلى مهارة فنية أكثر مما يحتاجها الأدب غير الملتزم,الأدب الملتزم والأدب غير الملتزم يشبهان جوادين انطلقا من نقطة واحدة, أحدهما كان ملتزماً أن لا يكسر الحواجز وأن ينضبط في السير - هذا الملتزم - حتى يصل إلى نهاية الشوط, والآخر يكسر الحواجز والقيود والأعراف والتقاليد فمن من الممكن أن يصل قبل الآخر إلى نهاية الشوط؟ الثاني طبعاً فكيف أنت تستطيع أن تسبقه مع وجود الحواجز في طريقك؟ إذا كنت تملك شاعرية عالية. فلذلك الالتزام معوق, لكن كيف نتغلب على هذا القيد؟ بأن نترقى في أدواتنا الفنية حتى نستطيع أن نجمع بين الجمال والالتزام.


طالما أنك ذكرت موضوع القيود ما رأيكم بمن يقول إنَ الوزن هو قيد يقيِد الشاعر فيجعله من الصعوبة عليه أن يقول ما يريد بالشكل الحرفي؟.


هذا أخي يقوله الضعفاء، الفن كله قيد، ليس هنالك فن من دون قيد، كل صنعة فيها قيود، كل مهنة من المهن، ليس هنالك مهنة ما فيها قيد. أنت الآن تخرج وتركب سيارتك وتمشي بلا قيود؟ أم تلتزم بالضوابط وبإشارات المرور والقوانين ووضع حزام الأمان وما شاكل ذلك؟ فليس هنالك فن من دون قيد على الإطلاق، هذه مقولة غير صحيحة, هذا الذي يشتكي من أن الشعر له وزن والوزن يقيده شاعر ضعيف، والتاريخ لا يؤيد ذلك، يعني استطاع الشعراء الكبار أن يعبروا عن قضايا الأمة وعن هموم الأمة وأن يقدموا أرقى أنواع الفن دون أن يشكل ذلك عائقاً في الطريق، أما الآن فهؤلاء الضعفاء يريدون أن يكسروا القيود. إذاً هنالك اتجاه,و هذا الاتجاه الحداثي يقوم أصلاً على الخروج عن كل ما سلف, تعريفها أنها الخروج عن كل ما سلف، وغسل الذاكرة العربية من المخزون التراثي العربي الإسلامي, هذه كلها مقولات لحداثيين لا أريد أن أسمي أسماءهم في هذا المقام. فهذا اتجاه في الحقيقة، اتجاه للأسف موجود، وهو الخروج عن الأعراف وعن التقاليد وعن ما كل ما سلف، ومن جملة ذلك الوزن الذي يحتجون بأنه يشكل قيداً على الشاعر.
قلت في مقالة لك بعنوان الغموض واحتقار القارئ :


منذ أن فشت في الأدب العربي المعاصر فاشية الحداثة المستوردة الهجينة حملت معها فيما حملت من أوشاب نزعة الغموض المقيتة التي أحال الأدب إلى طلاسم وأحاجٍ لا يكاد يفهم المتلقي منها معنى أو شعوراً.


واستشهدتَ ضمن الدراسة بأدونيس ودرويش قي خضم مقالتك ألا ترى في هذا الكلام عداءً مبالغاً فيه للمدرسة الرمزية؟


المدرسة الرمزية هي التي حملت بذور الغموض, والرمزية اتجاهات متعددة, إ‘لا أننا ضد الرمزية المغرقة بالغموض الآن هذا الغموض لا يشتكي منه القارئ العادي, الغموض الآن يشتكي منه حتى الأساتذة والمتخصصون, وحتى كتاب هذه النماذج أنفسهم تسألهم ماذا تعني بما كتبت؟ ماذا تعني بما قلت؟ فلا يملك جواباً، فالجواب الذي يعطيه لك هو ما يقوله أدونيس:( "ينبغي أن لا تسأل عن معنى القصيدة, ينبغي أن تكف عن السؤال ماذا تريد القصيدة أن تقول، وما دلالتها، وأن تبحث فقط في اللغة، في طريقة استعمال الأديب للألفاظ والعبارات، لا ينبغي أن تسأل عن ماذا يقال! ينبغي أن تسأل عن كيف يقال) فهذا اتجاه حملته المدرسة الرمزية لكن الرمزية اتجاهات، هنالك اتجاهات رمزية توحي لك بالمعاني وتستطيع أن تصل إلى بعض الدلالات التي تحملها القصيدة أو يحملها النص، هنالك غموض قطع العلاقة الآن بين الشعر وبين المتلقي، أنت تفتح الصحف والمجلات الآن فتقرا ولا تكاد تفهم شيئاً على الإطلاق، والحداثيون مثلما رأيت نصوص أدونيس ومحمود درويش يتباهون بذلك؛ أدونيس يفتخر بأن قصيدته لا تصل إلى القارئ, وهنالك حداثي لبناني اسمه عصام محفوظ إذا سمعت به يقول: "إذا علمت أن قصيدتي قد فهمها الناس فسأحرقها" فهذا الغموض ليس من ثقافتنا العربية الإسلامية، وهجين على ثقافتنا, وطبعاً نحن - أخي الكريم - نفرق بين غموض إيجابي وبين غموض سلبي، هذا الكلام عن الغموض السلبي.

 

وكيف هو الغموض الإيجابي؟


الغموض الإيجابي هو من طبيعة الشعر، الشعر بطبيعته غامض, والدليل على ذلك أن الأساتذة يشرحون لنا القصائد في الشعر، أستاذ اللغة العربية يشرح لتلاميذه, لكن هذا الغموض الإيجابي يتبدد بالقراءة, تقرأ القصيدة مرة تفهم مدلول الألفاظ وتعرف خلفية القصيدة المناسبة التي قيل فيها تصل إلى القصد. هذا الغموض الإيجابي، لأن لغة الشعر تقوم على المجاز أصلاً, لغة الشعر لغة مجازية والمجاز طبعاً أصعب من الحقيقة ،أيهما أسهل أن أقول لك إن فلاناً كريم أم أن أقول فلان كثير الرماد؟


لا أكيد ""كريم"" ..


الدلالة أوضح في فلان كريم، فلغة الشعر بطبيعتها لغة غامضة لأنها تعتمد على المجاز، لكن نحن نعتمد على الغموض السلبي، الغموض الذي لا يتبدد من خلال القراءة كما هو حاصل في معظم النماذج التي نقرأها الآن في الشعر العربي الحديث.



لكن وجدنا عددا من هذه النماذج في عدد من القصائد الصوفية ومحيي الدين بن عربي قريب منها, و أنت تلاحظ أنه في أشعار و كتابات محيي الدين بن عربي .


لكنه غموض يتبدد بالقراءة كما قلت لك، يعني أنت عندما تعرف لغة الصوفيين ومصطلحات الصوفيين تستطيع أن تتصل إلى المعاني، المجال الآن ليس متسعا إلى أن نخوض في النماذج, إنَ عندي مئات من القصائد التي لا يشتكي منها القارئ العادي فقط بل يشتكي منها الأساتذة والنقاد والمتخصصون. بلند الحيدري تسمع به وهو حداثي يقول: "إنني لا أفهم كثيراً من قصائد أدونيس رغم أنني أعرف أدونيس وأعرف تفصيلات حياته وهو صديق حميم لي ومع ذلك أنا لا أفهم ما يقول" فنحن نتكلم عن هذا النوع من الغموض السلبي الذي لا يتبدد بالقراءة أو بمعرفة المصطلحات التي يستعملها الشاعر.


قلت في لاتزال تؤمن أن القصيدة العمودية ما زالت حية وقادرة على التعبير عن الكثير من همومنا كما أنني ما زلت مخلصاً للشعر العمودي مع اهتمامي بشعر التفعيلة المعتمد على وحدة التفعيلة. كيف نفهم الحداثة بين الشعر العمودي وشعر التفعيلة؟ حين أصبح بعض من أمثال جابر عصفور يعدُّ القصيدة العمودية عبئاً على الحداثة وشعر التفعيلة انقلابا عن التقليد ؟


لاحظ أخي أنَ قضية الحداثة قضية طويلة عريضة كما يقال, أنا لي ثلاثة كتب في الحداثة, فالحداثة في الحقيقة قضية فكرية أيديولوجية بالدرجة الأولى؛ الحداثيون يتمسحون تمسحاً بالقضايا الفنية أما الحداثة هي قضية فكرية أيديولوجية


وهذا الكلام ليس استنباطاً, وإنما وبصريح عباراتي أذكر لك أن جابر عصفور الذي ذكرته يقول ليست العبرة بأن تكون القصيدة عمودية أو تكون تفعيلية أو تكون قصيدة نثر وإنما العبرة بالرؤية الفكرية التي تقدمها القصيدة فالحداثة رؤية فكرية.

 

أنت مع هذا الكلام إذاً؟


لا أنا أشرح لك الآن، الحداثة عندهم رؤية فكرية, ما معنى هذه الرؤية الفكرية إنها رؤية فكرية تقوم على العلمانية, وتقوم على الإلحاد, وتقوم على العقلنة وتقوم على تأليه الإنسان، وتقوم على الخروج عن المألوف. هذا بصريح العبارات، يقول أدونيس: "المجتمع المتدين لا يمكن أن يكون مجتمعاً حديثاً، الإلحاد يعني تحرير الإنسان، الإلحاد - هذا كلامه طبعاً - الإلحاد يعني عودة الإنسان إلى إنسانيته، الإنسان المتدين إنسان مستلب هو لا إنسان استلبته الغيبيات والباطنيات والمتافيزيك" يعني كل هذا استلبه فهو إنسان غير حداثي، فهذه الرؤية الفكرية للحداثة. وبالتالي عندما تكتب شعراً سواء أكان عمودياً أم كان من شعر التفعيلة أم كان قصيدة نثر إذا عبر عن رؤية فكرية ثورية بين قوسين - بتعبيرهم طبعاً - عندئذ أنت حداثي؛ لذلك أبو نواس عندهم أكبر حداثي في الشعر العربي لماذا؟ قال لأنَ أبا نواس قد خاطب الناس بالدين الذي اختاره لنفسه وليس بالدين الذي اختاره الله للناس:
فإن قالوا حراماً قلْ حرامٌ ولكن اللذاذة في الحرامِ
,
الاستشهاد لأدونيس هنا, عرفت كيف؟



ابن سكرة أكبر حداثي لأنه روّج للذة وللخمر, وعمر بن أبي ربيعة حداثي عند أدونيس لأنه دعا إلى الشعر الجنسي.


إذاً الحداثة عندهم هي الخروج عن العرف الأخلاقي!


هذا هو، هذا هو تماماً, لا حظ هذا بالمفهوم الفكري, وكما قلت لك طبعاً, الرداء الفني جاء نتيجة الرغبة في الخروج على ما سلف, انتبه! باعتبار الحداثة انطلقت من الخروج على ما سلف سواء أكان هذا الذي سلف فنياً أو مضمونياً اجتماعياً، فبدأت الآن بالدعوة إلى قصيدة التفعيلة فنحن نقبل قصيدة التفعيلة نقبلها لأنها تقوم على وزن و لكن لا نقول إنها بديل للقصيدة العمودية ولا نقول إنها أرقى من القصيدة العمودية, كما يدّعون، بل نموذج من الكتابة موجود يكتبه من يشاء.


وهل لديك تحفُّظ على قصيدة النثر؟


قصيدة النثر نتحفظ عليها تسميةً, هي نثر وقد تكون أحلى من الشعر, وقد تكون أرقى من الشعر, أليس كذلك؟ من قال إنَ الشعر دائماً أحلى من النثر؟ هنالك نماذج نثرية أرقى بكثير من الشعر في تراثنا، وفي الوقت الحديث نثر الجاحظ أجمل من شعر محمود الوراق، أنا جمعت شعر محمود الوراق وحققت ديوانه ونشرته، نثر الجاحظ أجمل من شعر محمود الوراق لماذا الإصرار على أن يسمى النثر شعراً؟ ألا يعني هذا احتقاراً للنثر؟ هذه القضية، قصيدة النثر ليست شعراً و إنما هي نص نثري قد يكون جميلاً أو غير جميل بحسب طبيعته.


نرى في بعض المحاضرات قصائد ملحمية مثل الشهنامة وغيرها وهذا نوع من الشعر ليس كثيراً في الشعر العربي, فما رأيك في الشعر الملحمي الطويل هل هو مناسب لأدبنا العربي أم لا؟


العرب لم يعرفوا الملحمة وهذا ليس عيباً, لكن الملحمة فن كتبه بعض الشعراء وكتبه بعض الأدباء، لكن الحقيقة أنه من الصعب كتابة ملحمة في القصيدة العمودية، لنكن صريحين في هذه القضية فأنا شخصياً، صدر لي ديوان جديد اسمه صفحات من سيرة عنترة فاز بجائزة سعاد الصباح، تقريباً الديوان كله قصيدة واحدة, قصيدة ملحمية تحدثت فيها أنا عن سيرة عنترة بإسقاطات معاصرة وكتبته بشعر التفعيلة, وقد كتب الآن في العصر الحديث شعراء كثيرون ملاحم وما الضير في ذلك؟


إذاً صعوبة الملحمة في الشعر العمودي .


هذا تصوري الشخصي, وإن كان شوقي حاول أحياناً, شوقي ما كتب ملاحم كتب مسرحيات شعرية, ولكن أنا في تصوري أنَ الأنسب للملحمة أن تكتب بشعر التفعيلة لأن الملحمة فيها العنصر الدرامي والمفروض أن تختلف النغمات وأن يختلف التقطيع بحسب المشاعر أو العواطف الموجودة, فيها فالملحمة قليل حضورها، الملحمة أخي انقرضت حتى عند الأمم الأخرى, الملحمة الآن لم يعد لها حضور حتى في الغرب ويقولون إن الملحمة تناسب الإنسان في عهد طفولته المبكرة، إن الملاحم لا تتناسب مع العصر الذي نعيش فيه لأن الملحمة تقوم على الأسطورة, وتقوم على الخرافة وتقوم على العقل العفوي التلقائي, بينما عقل الإنسان الآن صار عقلاً علمياً لم يعد يؤمن بالخرافات، لم يعد يؤمن بالأساطير، لم يعد يؤمن بالغيبيات فالعصر الآن لم يعد عصر ملاحم.


هل يجوز للشاعر أن يبدأ حياته الشعرية من قصيدة التفعيلة؟ أم يجب أن يتقن شعر العمودي أولاً ثم ينتقل إلى التفعيلة؟


هذا في الحقيقة سؤال وجيه جداً, وأنا كتبت عنه, الشاعر ينبغي أن يبدأ بالشعر العمودي؛ ينبغي أولاً أن يثبت أنه شاعر. قلت مرة في ملتقى الإبداع التابع لرابطة الأدب الإسلامي الذي ينعقد كل يوم أربعاء إنه يجب أن يبدأ الشاعر بالقصيدة العمودية لكي يثبت أنه شاعر. أنا أريد أن أعرف أنك شاعر كيف أعرف أنك شاعر؟ ينبغي أن أتيقن أنك تتقن الوزن، فالشاعر ينبغي أن يبدأ بالقصيدة العمودية ثم ينتقل بعد ذلك إلى قصيدة التفعيلة أو يزاوج بينهما لا بأس بذلك، انظر مثل بدر شاكر السياب، انظر نازك الملائكة وصلاح عبد الصبور وعبد الوهاب البياتي، هذا الرعيل الأول على اختلافنا معهم في الاتجاه الفكري, قد تختلف مع بدر شاكر السياب، مع نزار قباني, مع محمود درويش, قد تختلف معهم في الفكر، لكن لا نختلف على أنهم شعراء متمكنون، وبدؤوا حياتهم بالشعر العمودي ثم كتبوا بعد ذلك بشعر التفعيلة, فنحن أخي الكريم لسنا ضد شعر التفعيلة، شعر التفعيلة نموذج من الشعر.

 

ألا ينبغي أن يوضع ضوابط لشعر التفعيلة حتى لا نقع في هذه المحاذير؟


هذه قضية الضوابط نعاني منها أشد المعاناة, لأن الحداثة تنفر من الضوابط, هذا من جملة الأشياء التي تتعلق بالحداثة, فكتبت هذا الكلام في أحد كتبي، الحداثة ضد المعايير, ضد القواعد، ضد الثوابت. يقول لك كل شيء إذا صار معياراً فقد صار طقساً والحداثة ضد المعايير وضد الطقوس. نازك الملائكة كما نعرف في كتابها قضايا الشعر المعاصر حاولت أن تضع بعض الضوابط لشعر التفعيلة وهوجمت هجوماً عنيفا، هاجمها يوسف الخال ومن قبل أدونيس ومن قبل جابر عصفور، واتهموها بأنها تريد أن تقيد الشعراء وأن تضع لهم حدوداً وقيوداً، فالآن كل حياتنا الأدبية الحديثة - للأسف - من دون ضوابط.


يتهمون الشعر العمودي بالخطابية فهل هذا عيب من عيوب الشعر العمودي في رأيكم؟


لاحظ أخي أنَ الخطابية والمباشرة مطلوبة في بعض المواقع، لكن أن تتحول القصيدة كلها إلى خطابية ومباشرة كما نرى عند الكثيرين فهذا في الحقيقة عيب في الشعر، لأننا كما نشكو من القصيدة الحداثية أيضا، في الحقيقة هنالك شكوى في المقابل من القصيدة العمودية، لنكن موضوعيين, إن بعض الذين يكتبون القصيدة العمودية لا تزيد القصيدة عنده عن كونها كلاماً موزوناً مقفى, ليس فيها صور وليس فيها إيحاءات وليس فيها رموز على حين أن الشعر ليس هكذا, وحتى منذ القديم فإبن رشيق يقول: "ليس كل من عقد وزناً بقافية فقد قال شعراً".عرفت أخي, فشعراء القصيدة العمودية ينبغي أن لا يقعوا في مطب الخطابية والمباشرة الزائد عن الحد, الشعر كما قلت لك ليس كلاماً موزوناً مقفى فقط، فالوزن والقافية هما عنصران أساسيان في الشعر ولكن ليسا كل شيء، ابن سينا والفارابي وابن رشد يقولون الشعر كلام موزون مخيِّل، وابن رشيق كما قلت لك في أكثر من موضع يقول: "الشعر هو ما قام على الاستعارة الرائقة والتشبيه الجميل والتمثيل الرائع وأما إذا لم يكن في الشعر إلا الوزن والقافية فهذا ليس بشعر" وكان يسمي الشاعر الذي يخلو شعره من هذه الصور يسميه الشاعر المُخْلي ويجعل الإخلاء عيباً في الشعر، فأيضاً نحن نريد شعراً، فالشعر لغة مجاز ولغة تصوير.
أستاذي ألا ترى أحياناً أن الشعراء الإسلاميين، الشعراء الذي يكتبون الشعر الإسلامي في القضية الفلسطينية نلحظ أن الشعراء اليساريين أو الملحدين يصعدون على أكتاف هؤلاء ويشتهرون أكثر من هؤلاء.


أخي كما قلت لأن هؤلاء بأيديهم أجهزة الإعلام وبأيديهم مراكز قوية، الشعر الحر الذي تكلمنا عنه منذ قليل, الشعر الحر إنما انتشر بقوة اليسار وهذا مكتوب في تصريحات وبيانات في ذلك, عندما استلم اليساريون في العالم العربي الحكم روجوا للشعر الحر, للشعر الحديث والإعلام لعب دوراً كبيراً في ذلك، ونحن للأسف في العالم العربي نخلط دائماً بين الشهرة وبين الجودة لي كتاب اسمه المرأة في أجهزة الإعلام كتبته من حوالي عشرين عاماً تكلمت فيه عن هذه القضية، قضية الشهرة والإعلام، نحن نخلط بين الشهرة والإعلام،وهذا من الأشياء التي يجب أن ننتبه ونحاذر منها فالشهرة لا تعني الجودة, الشهرة قضية إعلامية بالدرجة الأولى، يأتون الآن بأي واحد يظهرونه بالتلفاز عشر مرات أو خمس عشرة مرة يصبح مشهوراً.



يقول بعضهم إن الناقد يجب ألا يكون حكماً. في رأيكم أين تنتهي حدود الناقد؟
هذا اتجاه من اتجاهات النقد يروج له الحداثيون الآن كثيراً، هو من اتجاهات النقد الأدبي الحداثية أن الناقد لا ينبغي أن يكون حكماً وإنما ينبغي أن يكون مجرد موصِّف للعمل الأدبي. لعلك تقرأ في النقد الأدبي الحديث والاتجاهات الحداثية مثل البنيوية الأسلوبية السيميائية وما شابه ذلك من اتجاهات, تجد أنها تعتمد على توصيف العمل الأدبي، يعني أنا آخذ قصيدة للشاعر الفلاني وأتحدث عما يسمى بنية هذه القصيدة أي هذه القصيدة تقوم بنيتها على الإكثار من الجملة الفعلية أو على الإكثار من الجملة الاسمية أو تعتمد على ظاهرة التناقض أو تعتمد على ظاهرة التوتر؛ مجرد توصيف للعمل الأدبي من غير حكم ونترك الحكم لمن؟ للمتلقي، هذا اتجاه وطبعاً نحن لسنا مع هذا الاتجاه، لأن من مسؤولية الناقد أن يضبط الحركة الأدبية وأن يكون مصححاً لها. طبعاً هو ليس وصياً أنا لا أقول وصاية، لكن من حقي أن أنبه إلى ما يوجد في هذه الأعمال الأدبية التي تغرق الأسواق من قيم مضمونية أو قيم فنية، أؤدي دوري في بيان الصالح من الطالح في هذا الإنتاج. النقد قديماً كان بالدرجة الأولى يعتمد على الحكم, النقد القديم كان يعتمد على الحكم وأنا شخصياً في كتبي أقول إن الناقد أو النقد له ثلاثة وظائف: الوظيفة الأولى هي الشرح والتفسير والوظيفة الثانية هي التحليل، والوظيفة الثالثة هي الحكم أو التقويم، وهذا التقويم هو رأي الناقد, والمتلقي هو حر أن يقبل هذا الرأي أو ألاّ يقبله.



في هذا الإطار قد يُسأل أحياناً شاعر أي القصائد أو أي قصائدك أحب إليك وقد يقول حكّموا الجمهور. أنا لا أريد أن احكم أنا بنفسي. برأيكم هل يمكن تنصيب الجمهور حكماً أو ناقداً على الشعر؟


أخي الكريم نعم يمكن تنصيب الجمهور، يعني هو حكم من نوع معين، لا تستهن بذائقة الجمهور كما يفعل الحداثيون، بالمناسبة أدونيس ومجموعته التي كنا نتحدث عنهم قبل قليل - وكان الأخ يسألني عن الغموض - هم دائماً يحمّلون الجمهور العربي مسؤولية عدم فهم الشعر. يقول أدونيس: "الجمهور العربي جمهور قليل الثقافة, جمهور غير ثوري، جمهور تقليدي، ذوقه رجعي لم يصل إلى مستوى الحداثة، ولذلك هو لا يتذوق هذا الشعر الحديث"، هذا الكلام بالحقيقة مرفوض بقوة، ينبغي عدم الاستهانة بذوق الجمهور على الإطلاق ولا سيما الجمهور العربي، يا أخي نحن أمة الشعر، العرب أمة الشعر, أكثر ما يفتخر به العرب وأكثر ما نفتخر به نحن معجزتنا البلاغية،" القرآن الكريم" معجزة بلاغية لغوية, فالجمهور، نعم أخي حَكَم, لكن حَكَم من نوع معين بمعنى أنه ليس حكماً متخصصاً، الآن أنا لو ذهبت لأشتري ووقفت أنا عند الصائغ, ألست حكماً عندما أختار هذا العقد دون ذاك، حَكَمٌ أم لا ؟ حكم لكن لست حكماً خبيراً من هو أكثر خبرة مني فيقول يا أخي هذا العقد الذي اخترته ذهب عيار ثمانية عشر قيراطاً, أو هذا ليس ذهبا، هذا مزيف، هذا كذا، فالجمهور حكم يمثل الذائقة الجمعية ويعتد بذوقه, ولكن كما قلت لك لا يعتد برأيه في القضايا الفنية, انتبه إليّ هذا الجمهور غالباً ينجذب إلى المضمون أي أنت ترى شاعراً ينشد قصيدة فترى الناس يصفقون والمدرج يدوي فالجمهور هو بالحقيقة يصفق للمعنى أكثر مما يصفق للفن، فأنت تتكلم في قضية تمس مشاعره وتنفس عنه تقوم أنت بالبوح عنه، هو يصفق لأن هناك من حقق له ذلك البوح, من تكلم عنه، فالجمهور لا يُعتد به في الناحية الفنية كما قلت لك، هو مرجع يهمك رأيه من حيث أن شعرك وصل إلى الناس، من حيث أن شعرك لامس همومهم ومشكلاتهم ومشاعرهم، ولكن ينبغي ألا تقع في هذا المطب، بل أن تعتد برأي الناقد الخبير فيما يتعلق بالفنيات والجماليات الموجودة في القصيدة.

 

عودة إلى موضوع فلسطين، ما مهمة الشعراء اليوم أمام القضية الفلسطينية؟


والله يا أخي الكريم مهمة الشعراء أمام قضايا الأمة بأكملها, وعلى رأسها قضية فلسطين أن يجندوا أدبهم لخدمة هذه القضايا، علينا أن نحذر كما كنت أقول مما يقوله هؤلاء الحداثيون، والأن الحداثيون يريدون شعراً بلا وظيفة, يريدون شعراً يبتعد عن القضايا السياسية وعن القضايا الاجتماعية وعن القضايا الدينية بحجة أنهم يريدون شعراً صافياً وأن الشعر إذا تلوث (هذه هي عبارتهم ) أن الشعر إذا تلوّث بالقضايا الاجتماعية والسياسية أي إذا تأدلج فقد أصبح شعراً ضعيفاً. هذا كلام غير صحيح, نحن نريد الشاعر الذي يكون ضمير أمتنا ورائد أمتنا لأن الكلمة مسؤولية ونحن محاسبون على هذه الكلمة النبي عليه الصلاة والسلام يقول: "هل يَكُبُّ الناسَ على مناخرهم في جهنم إلا حصائد ألسنتهم" فنحن الآن في هذه المرحلة مطلوب منا أن نجند كل الأسلحة التي نملكها من أجل أن نحيي ثقافة المقاومة، أخي الآن المشكلة أن ثقافة المقاومة تنهار؛ تسمع الآنَ من يقول لك السلم ومن يقول لك ألقينا السلاح وما عاد في مقاومة والعدو (هؤلاء أولاد عمنا ونصالحهم)، يعني الآن ثقافة انبطاح كما ترى.


إذاً كيف يستطيع الشعراء اليوم أن يحافظوا على ثقافة المقاومة؟ وثقافة العودة على وجه الخصوص؟


ينبغي أن يقوم الشاعر نفسه بهذا الدور، أن يحيي ثقافة المقاومة و أن يكتب عن هموم و قضايا الأمة, الآن أخي لا وقت ليتغزل الواحد منا بمحبوبته وبصاحبته. طبعاً لا أقول أمنع،ولكن أخجل أن تجد أمتك تموت وتقصف وأنت تتغزل بصاحبتك وتكتب هذا الشعر، كما قلنا هذا ليس مصادرة على هذا، كما كان حال الشاعر أخي في عصر صدر الإسلام كان النبي عليه الصلاة والسلام يسميه مجاهداً وكان يقول: "إن المؤمن يجاهد بلسانه وسيفه"، والرسول عليه الصلاة والسلام عندما وصل إلى المدينة التفت إلى شعراء الأنصار وقال لهم ما يمنع القوم الذي نصروا الإسلام بأسلحتهم وأموالهم ألا ينصروه بألسنتهم. دعوة صريحة إلى الشعراء أن يتجندوا فقام حسان بن ثابت رضي الله عنه وعبد الله بن رواحة وكعب بن مالك وقالوا: "نحن لها يا رسول الله", وتجندوا للدعوة إلى الإسلام، وهناك قبائل أسلمت خوفاً من قصائد حسان بن ثابت, فالشعر لعب دوراً قوياً جداً في الفتوحات.
هل يمكن أن يلعب هذا الدور مرة أخرى؟
نعم أخي يمكن لعب هذا الدور مرة أخرى. الشعر لا يزال حياً في نفوس الناس، المشكلة أنني أتكلم عن الحداثيين كثيراً، والله الحداثيون أفسدوا الشعر وزهَدوا الناس فيه, لكنَ الشاعر عندما ينشد قصيدة في مجلس ترى الناس كيف تتحمس لذلك. وقد ورد في الأثر: "لا تدع العرب الشعر حتى تدع الإبل الحنين".


فالشعر هو الكلمة الطيبة المعبرة القوية المؤثرة تؤثر، ورب العالمين قال عن الكلمة: "أَلَمْ تَرَ كَيْفَ ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ أَصْلُهَا ثَابِتٌ وَفَرْعُهَا فِي السَّمَاءِ تُؤْتِي أُكُلَهَا كُلَّ حِينٍ بِإِذْنِ رَبِّهَا وَيَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَالَ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ"


فالشعراء يستطيعون أن يقوموا بهذا الدور، وينبغي أن يقوموا بهذا الدور.


نحن في بيت فلسطين للشعر أمامنا عدة مسؤوليات ولدينا عدة مشاريع. ماذا توجه لنا من مقترحات و نصائح.


والله أنا أقول لك أن تحسنوا انتقاء النماذج الأدبية التي تقدمونها للقراء، أي لا تنشروا لكل من كتب، نريد أن نعود إلى قضية الاهتمام بالشكل والمضمون في العمل الأدبي, فلا تأخذكم الحماسة, والله كل واحد كتب عن فلسطين نأتي به وننشر يعني توخوا الإنتاج الجيد والنماذج الجيدة وما أكثرها، لا نريد أن تكون مجرد حماسة و مجرد اهتمام بالمضمون فقط، ثم بعد ذلك أيضاً لا تكونوا متعصبين إلى شكل معين من أشكال الشعر,


أخيراً ما هو جديدكم القادم


لي ديوان سيصدر قريباً بعنوان (النثيرة) هذا النموذج من الكتابة اسميها (النثيرة) وهي على وزن القصيدة، كنا نسميها أولا النثر الفني بعد ذلك قالوا إنها تختلف عن النثر الفني، فلكي لا ندخل معهم في جدل طويل,فقلنا لهم أنتم تعدونها تختلف عن النثر الفني فسنسميها النثيرة. والله ينفع بكم أخي الكريم.


شكراً لكم دكتور وليد


حياكم الله و نشكر بيت فلسطين للشعر على هذا اللقاء

 

أجرى الحوار: وسام الباش و محمد توكلنا

المصدر: موقع بيت فلسطين للشعر

إضافة تعليق

15 + 0 =
Solve this simple math problem and enter the result. E.g. for 1+3, enter 4.