صراع الهوية والكتابة وجدل العلاقة

أن ينتهي الجدل حول علاقة الرواية بالتاريخ، الإجابة في ظننا مُعلقة، ذلك أن أكثر الآراء تنصرف ناحية صعوبة فك الاشتباك بين ما هو تاريخي وما هو سردي تخييلي، ولعل التنظيرات المُؤسسة لهذا الفهم تعود إلى مفهوم الرواية التاريخية الذي وضعت له قواعد في كتابات أولى في الأدب الإنجليزي وقوفاً عند وليم شكسبير في أعماله التي تناولت فترات تاريخية، وغيره أمثال فيكتور هوجو في فرنسا وتولستوي في روسيا، بل حتى ماركيز له نصيب في الاتكاء على اليومي والتاريخي في بعض أعماله.

وفي الأدب العربي كذلك الأمثلة كثيرة، ولم يكن للتخييل، والتخييل الذاتي بالأساس من مساحة كما هي الحال الآن في بعض الأعمال التي تستند إلى التاريخ ولحظاته، ولو أردنا تلخيص جملة الجدل في هذه المسألة فإن بعض النقاد يرون أن الرواية التاريخية هي العمل على إعادة بناء النص طمعاً في تناول ما تم إغفاله أو سقط من يد المؤرخ، أو حتى كان من غير المفكر فيه، وهذا الفريق يستعد بكامل عدته الإبداعية لكتابة تاريخ التاريخ، أو تأريخ ما لم يؤرخ له، إنه يستلهم لحظات تاريخية يعمل على تركيبها من جديد، وهذا التركيب المقترح يهرب باستمرار من فخ الوقوع في التدوين وهو شغل المؤرخ، وحقيقة من الصعب الوصول إلى نقطة مريحة لفك العلاقة بين ما هو إبداعي وما هو تاريخي، ولذا فإننا نعتقد بسلامة الذهاب ناحية دراسة كل عمل على حدة، وذلك ما سيعجل بالوصول إلى نتائج تراكمية تسمح في وقت ما أن نحل هذه المسألة. وقد لا نذهب بعيداً إن قلنا إن أعمال الروائي الفرنسي اللبناني الأصل أمين معلوف هي التي أنقذت الرواية من شرك التأريخ والأرشفة لتحول السرد إلى كتابة جديدة، وهذا بسبب براعة وجدة معلوف التي أكثر ما تتبدى في عمله (ليون الإفريقي)، وهذا ما نكتبه هنا لمصلحة هذه القضية.
إن الأديب والكاتب والصحافي أمين معلوف المولود في (25 فبراير 1949م) يحتل مكاناً بارزاً في سماء الكتابة الأدبية عالمياً وعربياً، إذ تتخذ أعماله من الذاكرة الحرجة أصولها ومعالم سردها، فمعلوف يحترف إعادة كتابة التاريخ روائياً، وهو إذ يفعل ذلك لا يقوم بعمليات الرصد والإشارة كما هي في تركيبها التاريخي، بل يعمد بشكل دقيق إلى إعادة الاعتبار للتاريخانية وهي حالة كتابة فوق تاريخية، تستند في الأساس إلى تاريخ الظاهرة الاجتماعية والفاعلين فيها، ومعلوف الذي عمل بالصحافة حتى العام (1975م)، أصدر أول أعماله «الحروب الصليبية كما رآها العرب عام (1983م)»، وأعماله ترجمت إلى لغات عديدة، والرجل مهموم بقضية الهوية ولمن يقرأ كتابه (الهويات القاتلة) يقع على ترجمة جديدة لمفهوم الأنا والآخر، بل لم ينس معلوف، ولم يستطع التخلص من عروبته برغم هجرته الباكرة إلى فرنسا واندماجه في المجتمع الأدبي هناك، حتى بات كاتباً فرنسياً بامتياز، وفي ذلك حاز في عام (2010م) جائزة أمير أوسترياس عن مجمل أعماله. 
إن أعمال الأديب أمين معلوف تشير إلى هذه الخصيصة، صراع الهوية وأنسنة الفاعل الاجتماعي، نجد ذلك في روايته (ليون الإفريقي 1984م) وهي تركيب سردي ماتع يتتبع الظاهرة العربية بشكل حثيث، ويضع يده على التحولات التي جرت في البنية الاجتماعية والروحية، وانعكاس ذلك على مجمل أوضاع العرب وثقافتهم، هويتهم ووجودهم الحضاري، إن حسن الوزّان بطل هذه الرواية وساردها العليم يقدم لنا بانوراما تاريخية تتكئ على أحداث حقيقية تقع ما بين الأعوام (1489م - 1527م)، وهذا الفترة هي التي بدأت بسقوط الأندلس وحتى نهاية رحلة البطل المعلوفي (ليون)، فشهادة الراوي/ البطل تقدم لنا أحوالاً عدة ومواقف وانعطافات مركزية في الظاهرة، حسن بن محمد الوزّان ويوحنا - ليون دومديتشي بيد أحد البابوات، والذي انتهى به المطاف بعد رحلة عجائبية إلى أن يسمى (ليون الإفريقي) نسبة إلى إفريقيا وهو الاسم القديم لتونس، والمفارقة تقع في أن ابنه الذي ولد في روما عاد بهوية معاكسة وشديدة التباين لمسيرة الرجل، فبات يعرف بـ(ابن الرومي) تعبيراً عن صراع الهويات الذي خاضه الوزاّن، الوزان الذي يعرف نفسه في الرواية: (ولكنني لست من إفريقية ولا من أوروبا، ولا من بلاد العرب، وأُعرف أيضاً بالغرناطي والفاسي والزّياني، ولكنني لم أصدر عن أي بلد، ولا أي مدينة، ولا أي قبيلة، فأنا ابن السبيل، وطني هو القافلة وحياتي هي أقل الرحلات توقعاً)، هذه الهوية المركبة هي روح هذا العمل، هي هوية قاتلة ومحيية في الوقت ذاته، إذ يتعاظم وجود الواحد منها على أنقاض الثانية دون هدمها، ولعل هذا الصراع المكتوم أو المتصالح معه في ثنايا الرواية هو مطلق جاهزيتها في السر. حسن كان كل شيء، بل لم يكن شيئاً ما، يوماً ما، حسن المسلم والمسيحي واللا ديني، هو مثال عظيم لكونية الإنسان، هذه الكونية التي إن رغبت في فض اشتباكها وقعت أسير الواقع وصيرورته، لقد تمدد في الكون، كونه وزمانه الثقافي الذي عاش فيه، يقول: (ولسوف تسمع في فمي العربية والتركية والقشتالية والبربرية والعِبرية واللاتينية والعامية الإيطالية؛ لأن جميع اللغات وكل الصلوات ملك يدي، ولكني لا أنتمي إلى أي منها، فأنا لله وللتراب، وإليهما راجع في يوم قريب). 

إن الهوية المركبة جعلت من الوزّان روح عصره، وبيان زمانه، يعصر كل ما يقع عليه وجدانه، يماري، يحتال، يخاتل ويمارس وجوده الواقعي بامتياز، فمنذ ميلاده جرت معركة الهوية، ألم يولد لامرأة تقبع تحت ظل الامتياز الاجتماعي (سيدة حُرة) محكوم عليها بالخضوع لأشراط الطبقة، وبين (أمة) ذكية تعرف كيف تغوي زوجها، لتتحقق معادلة الطبقة والعرق، إنها (وردة) المسبية ورغم ذلك ملكت امتيازها الخاص بأن جعلت الأب المسنود بالطبقة أيضاً يتنازل لأجلها، بل كانت النقيض المُر للأم الحرة بنت العم، لقد عبرت عن عبوديتها وهي طليقة قالت: (نحن نساء غرناطة حريتنا عبودية مستترة، وعبوديتنا حرية بارعة) الرواية. وقالت أيضاً في معنى تنازع العرق والطبقة (كنت حُرة وكانت جارية، ولم يكن الصراع متكافئاً. كان بوسعها أن تستخدم على هواها جميع أسلحة الغواية، وأن تخرج من دون حجاب، وأن تغني وترقص، في حين كان لزاماً عليّ بحكم وضعي ألا أتخلى عن وقاري، وألا أُظهِر كذلك أي اهتمامات بأبيك، وكان يدعوني (بنت العم). 
أما المدينة فقد كانت تحتضر في صمت، كانت تتآكل من أطرافها بفضل الدسائس والانهيارات، بل وحتى التوقع، هذه المدينة التي ولد فيها (ليون) باشرته بالطرد والعُزلة، ففي ثنايا السقوط تتغرب العائلة، وتذهب إلى فاس المدينة التي تعاني هي الأخرى صراعاً هوياتياً مريراً، فيها اليهودي والعربي والمسيحي، في أديان الله تعيش مع بعضها دون علاقة روحية أو سلام، بل كل طرف يتمسك بتناقضاته لا يُخرجها إلا عند الأزمات. إن الهوية التي تقوم الرواية عليها هوية متوحشة، مثلها حسن الوزان في كل مكان ذهب إليه، في فاس اكتشف ملكاته في التدين الفطري وكذلك اختار أصدقائه الدائمين، حسن في كل مكان، في إفريقيا جنوب الصحراء كانت الممالك السوداء هي التي أهدت حسن عروسه المختارة، هي من اكتشف بها نفسه، إنسان يحب ويعشق، وعلى رغم أنها مسترقة فإن الرجل كان خلواً في خصيصة نفسه من إثم الاسترقاق، فعاملها معاملة جيدة، لم يحدث أن عنّفها أو حتى جرح مشاعرها، هذه السيدة المُهداة ستكون عربون حياته الجديدة وهو في مهربه. 
 هنا كذلك يأخذنا معلوف إلى صراع العلم والدين في الثقافة العربية، والصراع في الأندلس، بين مدرستين مثلت الأولى انعطافات الوليد بن رشد ومن سبقه من ابن طفيل وبن باجه في الأخذ بعلوم الأوائل، وبين بن مسرة وبن سبعين وبقية المتصوفة العرفانيين، هو الصراع بين العقل والنقل، بين العلم والدين، ومن ترجماته الراهنة بين العلمانية والإسلامية، وليس بالضرورة أن تتطابق هذه الفرضيات إذ نستخدمها بشكل تقريبي ونسبي للغاية. 
أما في مصر كان المماليك يلفظون آخر انفاسهم والترك يولوحون برايات النصر الجديد، فهذا وقتهم يستلمون فيه الزمن الثقافي العربي الإسلامي من يد المماليك، وقد أبدع معلوف في تصوير حالة القاهرة وبقية المدن المصرية التي زارها بطله، فهي لا تكنّ الكثير من الحب لسادتهم من المماليك، لكن ذلك لم يمنعهم من الإعجاب ببطولة طومان باي وهو ينافح لأجل بقاء سيرة دولته في أهم منارات الشرق في مصر. وفي تركيا التي حمل ليون معه خبراته المتراكمة يقدم لنا معلوف الإمبراطورية وهي تتمدد وتعيد بناء الشرق من جديد. إن الانتقال الذي جرى في مصر بعد سلسلة من التحولات في الذات العربية من الفاطميين إلى الأيوبيين ثم المماليك وآخرهم الأتراك بقيادة سليم الأول، تكشف لنا عن غياب فكرة الشعب في الثقافة العربية، إن كل ما دونه المؤرخون اتصل فقط بالجانب السلطاني، وغابت كل ملامح الأمة، أما معلوف فقد آلى على نفسه بالعمل مؤرخاً إنسانوياً يعلو بدرسه السردي على معنى التاريخ الرسمي للحضارة العربية، وهذا هو عمل الروائي أن يؤرخ للمخفي والمقموع واللا مفكر فيه، نجد هذه الخصيصة في كل بقعة زارها معلوف بسارده العليم، غرناطة مدينة التناقضات والعجائب. 
بينما مصر المكثفة الإنسانية، حالة خاصة في درسنا الثقافي، بلد تستطيع فيه التناقضات أن تعقد تسويتها الخاصة، لا مجال للعصبية إلا بقدر الانتماء إلى الطبقة، ولذا فقد حاربت مع طوماي باي ولم تحزن كثيراً لمقتله البطولي، إن مشهد إعدام طومان باي قد ورد في الرواية كما تقدمه الكتب التاريخية، لكن الحرفة عند معلوف تبدت في بيان الفضاء الذي جرت فيه المقتلة، يقولك: (تعالت آلاف الغمغمات وكأنها دوي يزداد زلزلة في كل لحظة: الحمد لله رب العالمين، الرحمن الرحيم، مالك يوم الدين..) ... وكان لفظ آمين صرخة ممدودة خانقة ثائرة، ثم لا شيء، وران الصمت، وبدأ العثمانيون أنفسهم مشدوهين، وكان طومان باي هو الذي حركهم بقوله: (أيها الجلاد، قم بعملك!). 
حسن الوزان هو من وشى بنفسه واستسلم للاختطاف، فصديقه عباد والذي كان يتولى إقلاله إلى تونس مع نور زوجته وابنها بايزيد، أراد معلوف أن يعيد علينا درس الاستشراق لإدوارد سعيد. 
من منفى إلى آخر هي روح هذه الرحلة الوزانية، فحسن بن محمد الوزان يعود من جديد إلى جذوره المصنوعة، ولكن هذه المرة في معيته مقابله الهوياتي ابنه، وفي وصيته له تنتهي الرحلة المعقدة والمجدولة في رأس الصراع الهوياتي ورمزه المؤنسن حسن الوزان، يقول له هاك خلاصة المعنى من المعركة الوجودية التي خضتها، وأنت بني تحمل نقيضي الذي أتصالح معه ببقايا واقعيتي التي أحملها سلاحاً ضد الأزمات والمكاره، مرة جديدة يا بني يحملني هذا البحر الشاهد على أحوال التيه التي قاسيت منها، وهو الذي يحملك اليوم إلى منفاك الأول، لقد كنت في روما (ابن الإفريقي)، وسوف تكون في إفريقية (بن الرومي)، وأينما كنت فسيرغب بعضهم في التنقيب في جلدك وصلواتك، فاحذر أن تدغدغ غريزتهم يا بني، وحاذر أن ترضخ لوطأة الجمهور! فمسلماً كنت أو يهودياً أو نصرانياً عليهم أن يرتضوك كما أنت، أو أن يفقدوك» هكذا كانت نهاية الإنسان الكوني حسن بن محمد الوزان. 
 إن رحلة ليون الإفريقي هي رحلة العقل العربي بتناقضاته وإشكالياته، أزماته وانكساراته، واقعيته وسحريته، رحلة هي التعبير الأسمى، هي صراع الهوية في الثقافة العربية، صراع بدأ منذ اللحظة الأولى التي انطلقت فيها جيوش المسلمين نحو العالم وتعيد بناءه، تركبه وفق إرادات متعارضة، والوزّان صاحبنا خاض كل حروبه السلمية وغيرها، بسلاح واحد وهو السرد للذات، إن مساحة التخييل الذاتي في هذا العمل واسعة ومثيرة للإعجاب حقيقة، إذ لم يقع أمين معلوف في فخ الكتابة التاريخية بنمطها المباشر، بل إن شغله السردي هو كتابة فوق الكتابة، إذ اتخذ من اللحظة التاريخية المشتغل عليها في كثير من المرويات، حالة جديدة، لقد استطاع أمين معلوف أن يحل المشكل القائم، المشكل النقدي الكلاسيكي في كثيره حول علاقة الرواية بالأدب، إنه التخييل الذي يهتم بحياة الناس العاديين، فالعلاقة التي ابتناها أمين معلوف، وقام بتركيبها بشكل سردي فريد تجيب عن التساؤل، وإجابته واضحة وهي (أن الأدب لا يعدو كونه حالة كتابة فوق الكتابة).

إضافة تعليق

1 + 2 =
Solve this simple math problem and enter the result. E.g. for 1+3, enter 4.