قارنت حضارياً بين المشافي الإسلامية والمشافي الغربية المستشرقة زيجـريد هونكه أنصفت الحضارة العربية الإسلامية

شهد المجتمع العربي والإسلامي في وقت مبكر مؤسسات علاجية ومصحات اشتهرت باسم (البيمارستانات)، وكانت على درجة عالية من الدقة والتنظيم والرقي الطبي والحضاري الذي حققه الإسلام والمسلمون في تلك العصور المبكرة، وأكدت نبوغ المسلمين في علوم الطب وفروعه المختلفة، وحرصهم على إنشاء مؤسسات للعلاج والاستشفاء قبل أن تعرفها أوروبا بقرون عديدة.

فقد ألف العرب والمسلمون في فروع الطب المختلفة الكتب والمراجع وابتكروا الآلات الطبية، وأقاموا المستشفيات الثابتة والمتنقلة، واتسم العمل في تلك المستشفيات بالطابع الخلقي والإنساني بما يفوق نظام العمل اليوم بأرقى المستشفيات في بلاد الغرب.

 

وظهور المستشفيات في الحضارة العربية والإسلامية بشكلها الثابت المتعارف عليه اليوم جاء في وقت مبكر، وكان العرب يسمون المشافي (بيمارستانات) ويخففونها فيقولون (مارستانات).

وكلمة (بيمارستان) تتكون من مقطعين: (بيمار) بمعنى مريض، و(ستان) بمعنى مكان، أي أن معناها مكان معالجة المرضى أو (معسكر المرضى)، وفي الوقت الذي كانت فيه المشافي تشيد في كل مدينة من المدن الإسلامية، كانت أوروبا تغرق في ظلام الجهل والتخلف، ولا تعرف مثل هذه المؤسسات الحضارية التي انفرد بها المجتمع الإسلامي في تلك العصور.

ففي العصر الأموي أقيم أول مشفى في عهد الوليد ين عبدالملك (86 96 هـ / 705 - 715م). أما أول مستشفى بمعناه الكامل فقد أنشئ في عهد هارون الرشيد عام (193) هـ، في بغداد، وجلب له الأطباء من المستشفى الساساني في جوند ياسبور في خوزستان، وأقام أحمد بن طولون أول مارستان في مصر عام (261 هـ)، وكذلك أقام صلاح الدين الأيوبي البيمارستان الناصري بالقاهرة عام (1182م).

وأمامنا نماذج لهذه البيمارستانات والمؤسسات العلاجية، مازالت موجودة وقائمة بمبانيها وعماراتها حتى اليوم في عدد من المدن العربية والإسلامية مثل القاهرة ودمشق وحلب وبغداد، لتشهد على الرقي الحضاري والتقدم الطبي الذي وصل إليه العرب المسلمون في وقت مبكر، وقبل أن تعرف أوروبا هذه المؤسسات الطبية بمئات السنين.

ولقد لفتت هذه البيمارستانات انتباه الرحالة والمؤرخين والمستشرقين، فانبهروا بما شاهدوه فيها من دقة ونظام ورقي طبي، ومن هؤلاء المستشرقة الألمانية زيجريد هونكه، التي عشقت الحضارة الإسلامية، وأشادت بإنجازاتها الحضارية في العديد من المجالات من خلال مجموعة من الكتب الرائعة.

ففي كتابها (شمس العرب تسطع على الغرب)، نجدها تصف مستشفيات الحضارة الإسلامية وصفاً بديعاً، وتعقد مقارنة بين المستشفيات التي أنشأتها الحضارة الإسلامية، وبين مستشفيات أوروبا في تلك الفترة، حيث تطورت عمارة البيمارستانات، خلال عصور الحضارة الإسلامية، فكان لها نظام وطابع معماري مميزان يقومان على مجموعة من الشروط الضرورية، التي يجب أن تتوافر في المكان الذي يبنى فيه البيمارستان، وذلك بأن يتوافر فيه الهواء الصحي والمياه العذبة.

 

وفي ذلك تقول: عندما أراد السلطان عضد الدولة، أن يبني مستشفى جديداً في بغداد، أوكل إلى الطبيب الذائع الشهرة (الرازي) بالبحث عن أفضل مكان له، فكان أن أوصى الرازي خدمه بتعليق قطع كبيرة من اللحم من مختلف الأنواع في كل أطراف بغداد، ثم انتظر مدة أربع وعشرين ساعة، وانتقى المكان الذي ظل فيه اللحم على أحسن حالة. وأما السلطان صلاح الدين في القاهرة، فقد اختار أحد قصوره الفخمة، وحوله إلى مستشفى كبير (المستشفى الناصري)، وانتقى في اختياره ذاك قصراً بعيداً عن الضوضاء.

وتؤكد أن البيمارستان الإسلامي، وفر للمريض كل أنواع الترفيه والاحتياجات، حتى المزيّن (الحلاّق) يوفر للمرضى من قبل الإدارة، ويدل هذا على درجة الإنسانية والرقي التي وصلت إليها. وكان المريض يجلس في البيمارستان، حسب حالته العلاجية، حتى ولو امتدت إلى شهور عدة، فالبيمارستان ملزم به.

وهكذا توافرت في مستشفيات الخلفاء والسلاطين، كل أسباب الرفاهية التي كانت تتوافر في قصورهم، من أسرة وثيرة ناعمة، إلى حمامات كانت تتمتع بها الطبقة الحاكمة في بيوتها، ومن المعلوم أن هذه المستشفيات، على غناها ورفاهيتها، كانت تفتح أبوابها للفقراء ولكل أبناء الشعب بدون تمييز.

فعندما انتهى المستشفى المنصوري في القاهرة، طلب السلطان المنصور قلاوون قدحاً من العصير من المستشفى، فشربه وقال: (وهبت هذا المستشفى إلى أندادي وأتباعي، وخصصته للحكام والخدم، للجنود والأمراء، للكبار والصغار، للأحرار والعبيد، للرجال والنساء على السواء).

 

أما في الغرب، فإن مستشفى (ستراسبورج) هو أول مستشفى التحق به طبيب رسمي، وكان ذلك عام (1500م)، أي بعد ثمانمئة عام من تأسيس أول مستشفى عربي إسلامي، كان قد أنشأه الوليد بن عبدالملك الخليفة الأموي وعين فيه الأطباء والممرضين. وفى عام (1517م) أنشئ في مدينة (ليبزج) مستشفى خاص بها أسوة بـ (ستراسبورج)، ثم حذت باريس حذوهما فأنشأت مستشفى (أوتيل ديو) عام (1536م).

ثم تقول هونكه في كتابها: (ولكي ندرك مدى التقدم الذي وصلت إليه المستشفيات العربية في العصور الوسطى، لا بد من عقد مقارنة بين حالها وبين ما كانت عليه مستشفيات أوروبا في تلك العصور، فقد كان من أشهر المشافي في أوروبا في القرون الوسطى مستشفى أوتيل ديو في باريس، وقد جاء ذكره في كتاب ألفه ماكس نوردو، قال فيه عن هذا المستشفى: كان يستلقي في الفراش الواحد أربعة مرضى أو خمسة أو ستة، فترى قدمي الواحد في جانب رأس الآخر، وكان الأطفال الصغار إلى جانب الشيوخ الكبار، حقاً إن هذا لا يصدق، ولكنه الحقيقة والواقع.. وكانت المرأة تئن من مخالب المخاض، إلى جانب رضيع يتلوى من التشنجات، ورجل يحترق في هذيان الحمى، إلى جانب مسلول يسعل سعلته الجارحة، ومصاب بأحد الأمراض الجلدية يمزق جلده الأجرب بأظافره الثائرة. وكانت رائحة الهواء في قاعات المرضى فاسدة، حتى إن الزوار ما كانوا يجرؤون على دخوله، إلا بعد أن يضعوا على وجوههم إسفنجة مبللة خلّاً، وتبقى جثث الموتى أربعاً وعشرين ساعة في الفراش).

وتبرهن هونكه على الرقي والتقدم الذي وصلت اليه مستشفيات الحضارة الإسلامية في وقت مبكر، فتتحدث في كتابها، عن مريض أجنبي كان يعالج في أحد مستشفيات قرطبة، كتب رسالة إلى أبيه يصف له ما وجده من رعاية واهتمام في المستشفى.

يقول فيها: (لقد سجلوا اسمي هناك بعد المعاينة، وعرضوني على رئيس الأطباء، ثم حملني ممرض إلى قسم الرجال، فحمّمني حماماً ساخناً، وألبسني ثياباً نظيفة من المستشفى، وحينما تصل ترى إلى يسارك مكتبة ضخمة وقاعة كبيرة حيث يحاضر الرئيس في الطلاب، وإذا ما نظرت وراءك يقع نظرك على ممر يؤدي إلى قسم النساء، ولذلك عليك أن تظل سائراً نحو اليمين، فتمر بالقسم الداخلي والقسم الخارجي مروراً عابراً، فإذا سمعت موسيقا أو غناء ينبعثان من قاعة ما، فادخلها وانظر بداخلها، فلربما كنت أنا هناك في قاعة النُقَّه (جمع ناقه)، حيث تشنف آذاننا الموسيقا الجميلة ونمضي الوقت بالمطالعة المفيدة.. واليوم صباحاً جاء كالعادة رئيس الأطباء مع رهط كبير من معاونيه، ولما فحصني أملى على طبيب القسم شيئاً لم أفهمه، وبعد ذهابه أوضح لي الطبيب أنه بإمكاني النهوض صباحاً، وبوسعي الخروج قريباً من المستشفى صحيح الجسم معافى، وإني والله لكاره هذا الأمر (يقصد الخروج من المستشفى)، فكل شيء جميل للغاية ونظيف جداً، الأسِرّة وثيرة وأغطيتها من الدمقس الأبيض، والملاءات بغاية النعومة والبياض كالحرير، وفي كل غرفة من غرف المستشفى تجد الماء جارياً فيها على أشهى ما يكون، وفي الليالي القارسة تدفأ كل الغرف...).

وقد كان من الطبيعي أن تكون البيمارستانات الإسلامية على هذا القدر من الرعاية والاهتمام بالمرضى من كل الفئات، فقد كانت تُرصد لها الأوقاف، ليصرف من ريعها على رواتب الأطباء والعاملين، والإنفاق على علاج المرضى، وخصص لإدارتها ناظر يقوم على أمرها، وعلى الأموال والأوقاف المخصصة لها، وكان هذا المنصب من الوظائف الديوانية العظيمة في الدولة لا يُختار له إلا الأكفاء من ذوي القدرة والأمانة.

إضافة تعليق

6 + 6 =
Solve this simple math problem and enter the result. E.g. for 1+3, enter 4.