أحداث مصر وتونس ومكانة العرب الدولية

تداعيات ما حدث في مصر وتونس لن تقتصر على حدود البلدين ،فثمة ارتدادات عالمية للزلزال السياسي الذي جرى، وإذا كان من نتائج مباشرة وغير مباشرة فسيكون من أبرزها تغير صورة العربي أو العرب عموماً في المتخيل الجمعي الأوروبي على الصعيد الشعبي وعلى مستوى الذاكرة السياسية الأوروبية
فثمة تصور عمومي ساهمت فيه أقلام المثقفين الغربيين وسالت به مذكرات وانطباعات المستشرقين شكل صورة نمطية فيها الكثير من السوء عن هذه الأمة، فجاء أداء بعض من ساسة العرب وحكامهم ليزيد تلك الصورة سوداوية إلى درجة اعتقد فيها الكثير من المشتغلين بالفكر السياسي الأوروبي أن الهوان والخضوع والطاعة للحاكم مركب كلي في البنية النفسية العربية قد يصل إلى درجة السلوك العام ،ما جعل الغرب بسياساته وساسته يرسم استراتيجيات للمنطقة انطلاقاً من تلك الصورة النمطية وهو ما دفعت شعوب هذه المنطقة ثمنه غالياً من نهب لثرواتها وقيوداً على حرية أبنائها وإمعاناً في انتهاك مقدساتها.
من خلال هذا المشهد السوريالي يمكن النظر إلى ما أحدثته ثورتا الشباب في مصر وتونس في نظرة الغرب إلى العرب، وهو ما سنكتشفه لاحقاً عبر تغير مفترض وحتمي في سياسات الغرب تجاهنا، وهنا تجدر الإشارة إلى التفسير السيكولوجي لما أقدم عليه المواطن التونسي محمد بو عزيزي وهو إقدامه على حرق نفسه لشعوره بالظلم فهو وإن قام من حيث المبدأ بفعل شخصي وذاتي إلا أنه بالمعنى الاجتماعي والنفسي عبر عن الضمير الجمعي بفعل ذاتي، وهنا توحدت الأنا مع النحن بدليل أن (النحن) انفجر كالبركان أو كالنار التي تنطلق من مستصغر الشرر بفعل الأنا الفردي الذي كان بمثابة الصاعق لذلك الانفجار الشعبي.
إن أخطر ما يمكن أن تواجهه الثورتان المصرية والتونسية حاضراً ومستقبلاً تعرضهما لمونتاج أميركي إسرائيلي يحرفهما أو يحاول حرفهما عن مقاصدهما الأساسية وخلق انطباع بأنهما حركتا احتجاج لأجندة داخلية فقط، بمعنى أكثر تحديداً أنهما مطلبيتان هدفهما تصحيح أوضاع داخلية تتعلق بالمستوى المعيشي أو فضاء الحرية أو أحواض السياسة الجافة في البلدين، فذلك مطلب جوهري من مطالبهما ولكن الصحيح أيضاً أنهما تعبير رفض جماعي لسياسات خارجية أعدمت وألغت الإرادة الشعبية في تمظهرها السياسي عبر أداء مرتهن لقوى خارجية تتناقض كلياً مع نبض الشارع العام بمعنى آخر كانت الكرامة الوطنية حاضرة تماماً وشكلت وقوداً إضافياً لكلتا الثورتين الشعبيتين.
إن ما جرى في البلدين الشقيقين يعكس بالمعنى ذاته -وهذا أمر مهم للمشتغلين بالحقل السياسي والحزبي- مسألة في غاية الأهمية، وهي أننا أمام أجيال شابة لم تعد قواعد العمل السياسي الكلاسيكي تستجيب لطموحاتها وتطلعاتها وآليات تفكيرها بحيث بدت وسائل التواصل الاجتماعي أشبه ما تكون بأحزاب عابرة للمناطق والدول وقادرة على تشكيل رأي عام تصعب السيطرة عليه أو التحكم بآليات حركته ،ناهيك عن الإطاحة بفكرة أننا أمام شباب لا يهتم بالشأن السياسي والعام ،وأنه ينصرف لقضايا الترفيه أو المتعة الفردية والصراعات والموضة وغيرها وهو ما ثبت عدم صحته، فمركز الثقل في كل ما جرى كانت نواته الصلبة جيلاً شاباً تتراوح أعماره بين العشرين والثلاثين سنة.
إن الغرب الذي تباهى بديمقراطيته وقواه الحية استطاع أن يحقق قفزات حضارية بطاقة شبابه وعقوله المبدعة وقدرته على نهب ثروات شعوب أعتقد أنها ستكون خارج تأثير مراكز الحضارة والإبداع وتكيفت مع مندرجات التخلف، حتى غدا من سيميائها بدأ يشعر اليوم وهو ما أخذت تشتغل عليه مراكز دراساته الإستراتيجية أنه أمام عالم عربي جديد نواته قوى شابة استطاعت أن تحول الآلام العظيمة إلى آمال وانتصارات عظيمة.

إضافة تعليق