بمناسبة ذكرى رحيله عبد الوهاب المسيري.. رؤية فلسفية فريدة للعالم والإنسان ..(أكتوبر 1938 - 3 يوليو 2008)- الجزء الأول

الله هو الركيزة الأساسية لكل شيء، الركيزة الأساسية للتواصل بين الناس، لضمان أن الحقيقة حقيقة، فإن نُسِي الله: فإن ركيزة الكون كلها ستنتهي"

(عبد الوهاب المسيري)           

في أكتوبر/تشرين الأول من العام 1938م، وتحديدا في بلدة دمنهور بمحافظة البحيرة، كانت عائلة "المسيري" العريقة على موعد مع مولودها "عبد الوهاب" الذي، وعلى خلاف المسار التجاري لوالده، بدا منذ صباه مؤثرا سبيل العلم والثقافة على ما سواه، فإذا هو يمضي في دراسته الابتدائية والثانوية ببلدته -مرحلة التكوين والبذور على حد وصفه[1]- ليرتحل بعدها إلى الإسكندرية، ويبدأ في كلية الآداب مساره الطويل مع الأدب والفكر، فيُعيّن -بعد أربع سنوات من التفوق الدراسي- معيدا بها عام 1959م، ويسافر إلى الولايات المتحدة، بعد أربع سنوات أخرى، لدراسة الماجيستير بجامعة "كولومبيا"، ثم يعود بعد ذلك بالدكتوراة في الأدب الإنجليزي والأمريكي المقارن من جامعة "ريتجرز" عام 1969م[2].

          

وفي مصر، شغل الدكتور "عبد الوهاب المسيري" بعد عودته منصب رئيس وحدة الفكر الصهيوني بمركز الدراسات السياسية والاستراتيجية بالأهرام[2]، وهو المنصب الذي دعّم معرفته ودراسته للحركة الصهيونية وألقى بظلاله على نتاجه الفكري في موسوعته "اليهود واليهودية والصهيونية"، ثم انتقل بعد ذلك إلى منصب المستشار الثقافي للوفد الدائم لجامعة الدول العربية لدى هيئة الأمم المتحدة بنيويورك[2]، لتتسع علاقاته بالساسة والمفكرين في الشرق والغرب وتتاح له الفرصة لدراسة المجتمع الغربي عن قرب واختلاط.

            ثم يختتم بعد ذلك مسيرته الوظيفية من حيث بدأ، في كلية الآداب، ليشغل منصب أستاذ الأدب الإنجليزي والمقارن بجامعات "عين شمس" بمصر، و"الملك سعود" بالسعودية، و"جامعة الكويت"، وجامعة ماليزيا الإسلامية بـ"كوالالامبور" على الترتيب، وهي الفترة التي شغل فيها -بجانب عمله الأكاديمي- منصب عضو مجلس الأمناء لجامعة العلوم الإسلامية والاجتماعية بـ"ليسبرج"، بولاية "فرجينيا" بالولايات المتحدة الأمريكية، ومستشار التحرير في عدد من الحوليات التي تصدر في ماليزيا وإيران والولايات المتحدة وإنجلترا وفرنسا[2]، وهي مرحلة الثمر كما أطلق عليها في مذكراته بعد ذاك[1].

وقد شكل "المسيري" من خلال فلسفته حالة "متميزة وفريدة في تاريخ الفكر العربي والإسلامي المعاصر، حالة ترتقي إلى حد الاستثنائية، ليس فقط بالنظر إلى شمولية اهتماماته المعرفية في مجالات الأدب والنقد وفلسفة التاريخ والعمل الموسوعي والترجمة، ولكن بالنظر أساسا إلى أصالته الإبداعية في مجال التنظير الأكاديمي والاجتهاد المنهجي والتجديد الاصطلاحي والمفاهيمي"[3].

فقد كان الرجل "صاحب رؤية فلسفية حضارية تؤمن بتعدد أبعاد مشروع التأسيس الحضاري في مجالات العلم والمعرفة والأخلاق والقيم والسياسة والاجتماع"، مما جعله يؤسس مشروعا فكريا تجديديا فيما يتعلق بالإنسان، الذي دافع عن إنسانيته في كثير من مؤلفاته "بما يمتلكه من أدوات وآليات صياغة"[3]، بالإضافة لأثره التجديدي في الفكر الإسلامي/الإيماني، وصقله للهوية الإسلامية بفلسفة عميقة، وهي الهوية التي وُهِب بذورها من تنشئته الإنسانية في دمنهور، ودعّمت جذورها رحلته في البحث عن الإيمان.

         

بين التراحم والتعاقد

وفي دمنهور، يروي المفكر "عبد الوهاب المسيري" عن طفولته وشبابه الناشئين في بيئة تراحمية، يغمرها التسامح والود الشعبي، بما ساهم كثيرا في تشكيل أفكاره عن الحياة وحمايته من الافتتان بمادية الغرب حين سافر إليه، إذ يقول، فيما يرويه عن نشأته: "كانت مدينة دمنهور تجارية حديثة تسود فيها العلاقات التعاقدية التي تسود في المجتمعات والمدن الحديثة، ولكن تحت القشرة الحديثة كان هناك مجتمع تقليدي، جماعة مترابطة متراحمة، لم تكن العلاقات فيها مبنية على المنفعة واللذة فحسب، إذ كانت هناك حسابات أخرى غير مادية، وغير أنانية، تشكل مكونا أساسيا في هذه العلاقات"[1].

          ففي دمنهور، وكما يقول المسيري[1]، كان الإنسان إذا ما حصل على هدية، فإنه لا يفضّ غلافها، فهي قيمة إنسانية بذاتها ولا يهم محتواها، لكن في أميركا كانوا يشيرون بضرورة فض غلاف الهدية وإظهار الإعجاب بها مباشرة أمام المُهدي، وهو، حسب "المسيري"، كان يحول الهدية من قيمة إنسانية بذاتها إلى ثمن محدد، ويخرجها من الإطار التراحمي الذي تكتسب فيه الهدية قيمة إنسانية، إلى الإطار التعاقدي الذي يبني قيمة الهدية على ثمنها وكميتها وقدرها.

             

بهذه الأفكار التراحمية، غُرسِت بذور الإنسانية الأولى في نفس الفتى "عبد الوهاب"، وهي البذور ذاتها التي ستحكم فكر "المسيري" الباحث عن الإنسان؛ حتى تهديه إلى الإيمان العميق بالله، فيقول، في كتابه "الفلسفة المادية وتفكيك الإنسان": "إذا كان اكتشاف الشر في النفس البشرية قد قادني بعيدا عن الإيمان، فإن اكتشاف الخير فيها قد عاد بي إلى عالم الإنسانية والإيمان. هكذا، فبدلا من الوصول إلى الإنسان من خلال الله، وصلتُ إلى الله من خلال الإنسان".

    

وهو بذلك يوضح أن الإنسان الذي يتكون من ثنائية المادة والروح، ويتنازع بداخله الخير مع الشر، لا يمكن أن تفسره قوانين العلم المادي التي تفسر الظاهرة الطبيعية، بل لا بد له من مصدر فوقي/إلهي يستقي منه المعتقدات والأخلاق والتفسيرات المعنوية لكل ما يعجز عنه العلم، كالغاية من الوجود ومصير العباد بعد الموت، وإلا فإنه سينكر حقيقته الإنسانية ويختزل نفسه في شكل معادلة فيزيائية خالية من الروح[1].

من هنا يبدأ "المسيري" فلسفته العميقة التي تشعر معها "وكأنك تقرأ شعرا أو خاطرة"، فهي "روح إنسانية عذبة ومحبة تنساب بين السطور، لتقيم معك ألفة تنمو كلما ازددتَ قراءة، وينمو معك نهم شديد لالتهام كل ما يجود به "المسيري"، كما تنمو معك سعة أفق وحكمة، وتعود لتعلن إيمانك مرة ثانية: وهو هذه المرة إيمان أكثر هدوءا، ورسوخا وجمالا.. إيمان بإله لطيف بعباده، هو الضامن لإنسانيتنا والضامن لكل جميل فينا وفي الكون والطبيعة أيضا"[4]، فبوجود الله يؤمن الإنسان بأنه أسمى من الجمادات وأرقى من الحيوانات، وهو الإيمان الذي بلغه "المسيري" بعد عناء روحاني شاق مع أفكار شبابه المادية وشبهات الإلحاد.

إضافة تعليق

8 + 6 =
Solve this simple math problem and enter the result. E.g. for 1+3, enter 4.