بمناسبة ذكرى رحيله عبد الوهاب المسيري.. رؤية فلسفية فريدة للعالم والإنسان (أكتوبر 1938 - 3 يوليو 2008) - الجزء الثاني

الفكر والتحولات..."إن الإيمان لم يولد داخليا إلا من خلال رحلة طويلة وعميقة، إنه إيمان يستند إلى رحلة عقلية طويلة، ولذا فإنه إيمان عقلي لم تدخل فيه عناصر روحية فهو يستند إلى عجز المقولات المادية عن تفسير الإنسان وإلى ضرورة اللجوء إلى مقولات فلسفية أكثر تركيبية"

(عبد الوهاب المسيري) 

كموج يهدأ بعد الصراعات، يرى "المسيري" رحلته المتنقلة بين الأفكار، والتي بدأت بانضمام في الصغر لجماعة "الإخوان المسلمين"، تبعه تمرد ثوري حمله إلى "الماركسية"، على خطوات بسيطة من الإلحاد على حد وصفه، ليستقر في النهاية، وبعد سنوات من البحث الفكري، إلى العودة الاختيارية نحو الإيمان. وذلك لما رآه من عجز الأفكار المادية، التي كان يتبناها، عن تفسير الكثير من السلوك الإنساني ورغباته وعواطفه.

وهو في ذلك يروي قصة زواجه من الدكتورة "هدى حجازي" كمثال للفارق بين النموذجين: الإيماني الذي يرى الإنسان جسدا وروحا، والمادي الذي لا يستوعب كثيرا من الجوانب النفسية للإنسان[1]، فيقول إنه حين أراد الزواج منها كان عضوا في الحزب الشيوعي، وكانت هي من طبقة اجتماعية مدنية وميسورة الحال، فاستشار أحد أصدقائه من داخل الحزب في أمرها، ليخبره صديقه باستحالة نجاح زيجة كتلك بسبب الفروق الأيديولوجية والفكرية بينهما، فهو ماركسي يدافع عن طبقة العمال وهي فتاة من أسرة برجوازية (طبقة المُلّاك وأصحاب رأس المال).

ذلك الرأي الذي لم يعجب "المسيري" كثيرا، مما اضطره لاستشارة والدته، للمرة الأولى بحياته، في أمره هذا، لتسأله هي بدورها سؤالا بسيطا ومباشرا حول شعوره العاطفي تجاه تلك الفتاة، وهو السؤال الذي استوقفه بشدة ليكتشف حينها أنه كان مكبلا بأفكار مادية تحسب الأمر بشكل جامد وتغفل جانبا محوريا في الارتباط كالمشاعر والعاطفة، ويقرر من وقتها أن الإنسان لا يصح له -أبدا- التضاؤل إلى هذه الدرجة، وكانت تلك -على حد وصفه- المرة الأولى التي يختل فيها النموذج المادي ويتبين له اختزاله وعجزه عن فهم وتفسير الإنسان.

          

غير أنه، وفي خضم هذه التحولات التي انتقل فيها بين الإيمان ونقيضه، "لم يتحول سلوكيا وقيميا، فهو شخص محافظ مستقيم حتى في فترة شيوعيته"[3]، فيقول عن نفسه، فيما يرويه عن هذه الفترة: "بدأت مسيرة الإلحاد، ورغم أنني في ذلك الوقت لم أكن أؤمن بالله، إلا أنني كنت أؤمن بالقيم المطلقة للإنسان والقيم المطلقة للأخلاق، وكان هذا الإيمان بالمطلقات يتنافى مع الإلحاد الكامل، وهو إيمان بثوابت ومطلقات لا يمكن أن تستند إلى عالم المادة وعالم الطبيعة، ولكنها تستند إلى الله، ويمكن القول إن هذه الفترة يمكن أن نسميها مرحلة التساؤل العميقة"[5].

فهو يرى، وعلى الرغم من حدة الانتقالات التي مر بها، أنه حافظ على "الالتزام بالقيم الثابتة مثل الحق، والخير، والإيمان بأن الإنسان كائن غير مادي، وضرورة إقامة العدل في الأرض"، ثم، وعلى مدى رحلة فكرية استغرقت أكثر من 30 عاما، يعود مرة أخرى إلى الإسلام "لا كعقيدة دينية وحسب ولا كشعائر، وإنما كرؤية للكون وللحياة"[6]

وهو الإيمان الذي عاد بالرجل مرة ثانية إلى تساؤلاته حول ثنائية الإنسان (المادة والروح)، ليخرج من السؤال إلى نظرية معرفية، ستقوده في كل تحليلاته حول الإنسان، فيقول إنه استطاع، من خلال كل هذا، الوصول للحقيقة حول الإنسان والطبيعة، وأنهما ليسا جوهرا واحدا، بل يفترق الإنسان عنها بما لديه من القيم الروحية والأخلاقية، ويخلص كذلك إلى ضرورة تفسير الإنسان بوصفه كائنا مركبا من (مادة/جسد) و(روح/إيمان)، وليس من مادة فقط كالطبيعة [1].        

              

بهذا الفكر الجديد، الجامع بين وحي السماء ومخلوق الأرض، يبدأ المسيري في نحت منهجه الاجتهادي، فيضع قواعده في التحليل، ويشكل نموذجه الإدراكي الذي طور من خلاله "النماذج التفسيرية والتحليلية، سواء في أبحاثه في الصهيونية أو أبحاثه في العلمانية أو دراسته في النقد الأدبي"[4]، حيث تميزت المدرسة الفكرية المسيرية عن غيرها من المدارس بإعادة النظر في طرق التفكير السائدة، من أجل تطوير النظريات التفسيرية للواقع الذي نحياه، لنفهمه بكل أبعاده دون اختزال[4].   

بين التلقي والاجتهاد.. النموذج كأداة للتفسير

"يمكن اعتبار الحالة التي يمثلها المسيري رحمه الله ظاهرة بحد ذاتها"

(سلمان بونعمان)  

في تعريفه لمنهج التفسير الاجتماعي، يصف "ريمون آرون" تصور "دوركايم" لعلم الاجتماع، قائلا إنه لكي تخضع ظاهرة ما لتفسير علم الاجتماع، فإنها بحاجة لتوفر شيئين أساسيين بها: أولهما أن يكون موضوعها خاضعا لتفسير علم الاجتماع فقط ومتميزا عن مواضيع العلوم الأخرى، وثانيهما أن يكون في مقدورنا ملاحظة هذا الموضوع، وتفسيره بطريقة منهجية مشابهة للطريقة التي تفسر بها العلوم الأخرى[7].          

ومن رحم هذا التعريف خرج "الاتجاه الفينومينولوجي" في التحليل الاجتماعي الذي يرى أن التعامل مع العلوم الاجتماعية لا بد وأن يختلف عن التعامل مع العلوم الطبيعية، فلا يمكن معاملة الظاهرة الإنسانية بقوانين ثابتة كما تتعامل الفيزياء مع الطبيعة[8]، وهي الرؤية التي تقترب كثيرا مع تصورات "المسيري"، أو تحولاته الفكرية، الثلاث حول تحليل الظواهر الاجتماعية والإنسانية.              

 فيرى -فيما ذكره في مذكراته[1]- أن الانتقال الأول في فكره التحليلي كان انتقاله من الموضوعية الفوتوغرافية، أو المتلقية، إلى الموضوعية الاجتهادية، ثم يشرح الفرق بين الاثنين قائلا إن الأولى كانت تعتمد نموذجا في التحليل يرى المعرفة البشرية بوصفها تراكما لأكبر قدر ممكن من المعلومات -كأنها فيزياء- فتنقل للقارئ "تفاصيل الواقع (المادي) كما هو تقريبا بصورة فوتوغرافية وإدراجها في البحث والدراسة دون ربط بين المعلومات"[4]، ودون محاولة استخلاص نتائج متقاربة منها.

 وهو الأمر الذي رأى "المسيري" فيه ضعف قدرته على التحليل، إذ إن الموضوعية الاجتهادية، على العكس من ذلك، "هي ألا ينقل الإنسان الواقع بحذافيره وكأنه ببغاء أو آلة تصوير بلهاء، وإنما يُعمِل عقله وخياله فيربط بين التفاصيل، ويجرد منها أنماطا متكررة تساعده على فهم الواقع بطريقة أعمق وأشمل"[1]، وهو ما استعمله "المسيري" في تحليل العلمانية والصهيونية بشكل كبير.

               

ثم كان الانتقال الثاني، الذي يشرحه "المسيري"، حين تحول عقله من عقل سلبي (متلق) إلى عقل توليدي (مجتهد)، فهو يرى أهمية تفاعل فكر الإنسان مع ما يصله من المعلومات؛ ذلك لأن عقل الإنسان "ليس مجرد مخ مادي، أو صفحة بيضاء تتراكم عليها المعطيات المادية، وإنما هو عقل له مقدرة توليدية، كما أنه مستقر كثير من الخبرات والمنظومات الأخلاقية، ومستودع كثير من الذكريات والصور المخزونة في الوعي واللاوعي"[1].

                 

 

         

ومن هنا ينتقل مفكرنا إلى تحوله الثالث، فيخرج من الرصد المباشر، السطحي، للأحداث، إلى تبني مفهوم "النموذج" كمنهج عميق للتحليل والتفسير. ومفهوم "النموذج"، وفق "المسيري"، هو أداة ثورية، لا ترصد ما هو قائم وحسب في الواقع، وإنما ترصد ما هو كامن فيه أيضا[10] بمعنى أنه يجمع المعلومات والتفاصيل والإحصاءات الخاصة بالظاهرة، ثم يربط بين تفاصيلها ويبحث فيما يختبئ وراءها من المعاني والمفاهيم، ثم يخرج في النهاية بتفسير كلي جامع لكل التفاصيل (الظاهرة والكامنة) ولكن في صورة نظرية تفسر السبب من اجتماع كل هذه التفاصيل في هذه الظاهرة، تماما كما يجمع صانع الثياب قطع القماش المتناثرة ويخرج منها بثوب مكتمل ومتناسق.               

لذلك فإننا عندما نتحدث عن النموذج فإننا "لا نتحدث عن الواقع في حد ذاته، بل الواقع كما يدركه صاحب النموذج، والنموذج بهذا المعنى يشبه إلى حد كبير الصورة المجازية، أو المجاز اللغوي، فكلاهما يستخدم في تفسير الواقع رغم أنه لا يعكسه بشكل فوتوغرافي مباشر"[1]، فالنموذج والمجاز وجهان لعملة واحدة يفهم من خلالها المفكر الواقع، فإن كان النموذج هو أداة تحليل الأحداث والظواهر، فإن المجاز هو أداة تحليل الخطاب المستعمل في هذا الواقع وما يكمن وراءه من تلميحات وأفكار.

إضافة تعليق

5 + 7 =
Solve this simple math problem and enter the result. E.g. for 1+3, enter 4.