الثورات العربية أقرب إلى نموذج 1848

كثر الكلام، في الأسابيع الأخيرة عن الشبه بين حركات تونس وبنغازي وطرابس والقاهرة وبين ثورات براغ وبرلين قبل عقدين من الزمن، ولكن ثمة فرقاً بيِّناً بين الاثنتين
فثورات الشوارع عام 1989 التي أفضت إلى طي صفحة الشيوعية ولدت من رحم حادثة سياسية واحدة هي سحب السوفيات دعمهم للديكتاتوريين المحليين، وذلك على خلاف ثورات 1848 الأوروبية، التي تشابهت مساراتها ومطالبها مع الثورات العربية لأنها جاءت نتيجة عوامل متشعبة وكثيرة، منها الاقتصادي والتكنولوجي والسكاني، وخطت الثورة في كل من المناطق العربية مساراً خاصاً بها.
وعلى الرغم من أنهم استوحوا الأفكار الليبرالية الوطنية والديمقراطية من بعضهم البعض في ثورات 1848، فقد كانت لكل دولة أهداف متباينة ومختلفة عن الأخرى، وهذا لسان حال المتظاهرين العرب اليوم، فعلى سبيل المثال، طالبت المجر بالاستقلال عن نمسا هابسبروغ، وفي ما يعرف بألمانيا اليوم، رمى السكان إلى توحيد الناطقين بالألمانية في دولة واحدة. وفي فرنسا، دعا المتظاهرون إلى إطاحة بالملكية (من جديد)، وفي بعض الدول، أفضت الثورات إلى اقتتال ضارٍ بين جماعات اثنية، ولم يهدأ صوت المعركة في بعض المناطق إلا على وقع التدخل الخارجي.
ومنيت معظم ثورات 1848 بالفشل، فالمجريون طردوا النمساويين، ولكن هؤلاء سرعان ما عادوا أدراجهم. وأخفق الألمان في الاتحاد، وأنشأ الفرنسيون جمهورية انهارت بعد أعوام قليلة، وصيغت دساتير لم تنفذ، وأهملت، وبقيت في الأدراج، وأطيح بممالك، ثم أرسيت من جديد، فالتاريخ بلغ منعطفاً ولكنه لم ينعطف على حد تعبير المؤرخ أ.ب.جي تايلور.
ولكن الأفكار التي كانت متداولة في 1848 ترسخت في الثقافة والمجتمع، وحققت بـعض أهدافها لاحقاً. ففي نهاية القرن التاسع عشر، أفلح المـسـتـشار بيــسمارك في توحيد ألمـانيا، وأبـصرت الجمهورية الثالثة النور في فرنسا، واستقلت الأمم التي حكمتها امبراطورية الهابسبورغ بعد الحرب العالمية الأولى.
وبدا في العام 1849، أن معظم ثورات العام السابق أخفقت، وأنه انتهى إلى كارثة، ولكن تقويم الثورات هذه بعد نحو خمسة عقود في 1899 أو بعد الحرب العالمية الأولى في 1919 اختلف، وبدا يومها أن 1848 هي بداية مرحلة تغيير مثمرة.
واليوم تسعى شعوب مختلفة في العالم العربي وراء أهداف مختلفة، وتتظاهر في الشوارع، ففي مصر، أهمية قرارات العسكر تضاهي أهمية أفعال الحشود، ودور الإسلام يختلف من بلد إلى آخر ففي مصر يختلف على ما هي الحال في تونس واليمن. والنظام في ليبيا لم يخجل من استعمال العنف والأسلحة الثقيلة، بينما تجنبت الأنظمة الأخرى اللجوء إلى مثل هذه الوسائل.
وفي مرآة 2012 قد يبدو أن بعض هذه الثورات العربية أخفقت. فالأنظمة الديكتاتورية المطاح بها قد تنبعث، وتكتب لها حياة جديدة. وقد تخفق الديمقراطية، وقد تنقلب النزاعات إلى حروب اثنية. وعلى ما تظهر تجارب 1848، فإن تغير الأنظمة السياسية هو مسيرة طويلة تحتاج إلى الوقت. وقد لا يكون التغيير وليد ثورة، بل ثمرة التفاوض والتنازل عن السلطة. وقد يلجأ بعض حكام المنطقة إلى هذا الحل.
والتفكير في 1848 وتجاربها الثـورية مفيد، فهو يساهم في موازنة الخلاصات. ففي وقت من الأوقات، في ذروة تظاهرات القاهرة، وجدت نفسي أتابع من غرفة جلوسي خطاب حسني مبارك، ورأيته يتكلم، وسـمـعت التـرجـمة، وشـاهـدت رد الجموع. وللـحظة، تخـيـلت أنـني أشاهد الثورة تتكشف على مرأى مني مباشرة وفي وقت البث الحي.
ولكني لم أرَ إلا ما أظهرته الكاميرا، وما خفي عن المُشاهد هو الأهم، أي مفاوضات أصحاب البزات في الكواليس وغيرها من المفاوضات. فالتلفزيون ينفخ في وهم رواية أحادية المسار. فتبدو الحادثة وكأن لها بداية وخاتمة. ولكن الحياة الفعلية لا تشبه الحادثة التلفزيونية. والعودة إلى التاريخ وعبره مفيدة لأنها تذكرنا بأن الحاضر يشبه الماضي، ويندرج في سياق التطور الزمني المستمر والبطيء.
«الثورة تقوّم في سياقها، وكل ثورة تخلف بصمتها الخاصة والمتميزة. فالثورات تنتقل من مكان إلى آخر. وهي تتفاعل تفاعلاً محدوداً... ودراما الثورة الواحدة تختلف عن دراما غيرها من الثورات، ولو تزامنت أو تعاقبت. وكل ثورة لها أبطالها وأزماتها. وتفترض كل منها رواية خاصة بها بمعزل عن الأخريات». من مقدمة كتاب يتناول ثورات 1848 الأوروبية.

إضافة تعليق