تعرف على قصة الأسماء العربية ( 3 من 3 ) ...دعا العرب أولادهم حربا وكلبا وعاصية وسماهم النبي سِلما وجميلة وليلى

أسماء النساء
على خلاف الرجال؛ كانت أسماء النساء كثيرًا ما تدلُّ على أوصافٍ لها علاقة بالجمال شكلًا ورُوحًا، وقد يُتعرّف بها على معايير الجمال عند العرب القدماء، والتي تختلفُ كثيرًا عن المعايير الحديثة. كما شاركت النساءُ الرجالَ في الأسماء التي يُتفاءل بها بالحياة والسلامة وطول العمر كعائشة، أو بكثرة الإنجاب كولّادة وفاطمة، فالذي أفهمه من معنى فاطمة أنهم يتفاءلون بأن تكبر وتحمل وتلد وتفطمَ على عجلٍ طلبًا للإنجاب أو بسبب الحمل.

وكثـُر في أسماء النساء ما يدلُّ على الجمال، مثل: جميلة وحسناء وأسماء (وأصلُه وَسماء أي: حسناء)، كما وُجد في الرجال أسماء مشابهة مثل: جميل وحسن وحسين، وكانوا أيضا يسمون الرجل ‘أسماء‘ مثل الصحابي الأمير أسماء بن خارجة الفَزاري (ت 66هـ).

وأما الصفات الجمالية التفصيلية فمنها ما يتعلق باللون؛ ولذلك سمّوا: ‘غرّاء‘ وهي البيضاء المشرقة الوجه، تشبيهًا بالخيل الغُرّ؛ وسمّوا ‘بيضاء‘ أيضًا كالبيضاء بنت عبد المطلب عمة النبيّ صلى الله عليه وسلم، و‘عفراء‘ كما في اسم محبوبة عُروة بن حزام (ت 30هـ) الشاعر العذريّ الشهير، وعفراء هي التي تشوبُ بياضَها حُمرةٌ.

ويبدو أن مذهبهم في اللون كان واسعًا وأذواقهم فيه متعددة جدًّا؛ فمن التسمية بالألوان ‘سمراء‘ و‘سوداء‘ كما في اسم الصحابية سوداء بنت عاصم العدوية، واسم ‘سودة‘ سُميت به أم المؤمنين سودة بنت زمعة القرشية (ت 54هـ)، وسموا أيضا بـ‘صفراء‘ كما في اسم صفراء بنت عبد الله الجرمية محبوبة الشاعر الفارس بَيْهَس بن صهيب الجرمي، وقد عاشا في القرن الهجري الأول.

وكانوا يحمدون سعة العينين فسمّوا الأنثى حوراء ونجلاء، وكانوا يحبّون طول الأعناق فسمّوا بأسماء الغزال فقالوا: غزالة وظبية وخولة وكلّها بمعنىً واحد، وكذلك اسم جيداء وهي الطويلة العنق، ومن الأوصاف التي كانوا يذكرونها وبقيت إلى زمنٍ قريب من معايير الجمال في البلاد العربية: امتلاء الذراعين والساقين، ومنه اسم عبلة.

وكانت أسماء النساء محلّ تزيين وتدليل، فكانوا يرخّمونها (الترخيم: حذف الحرف الأخير من الاسم اختصارا أو تحبُّبا)، وكانوا يمنحون الألقاب المشتقة من الاسم، ولم يستثنوا من ذلك العالمات المشتغلات بالعلوم الشرعية والتحديث، فلم تمنعهم مكانتهن العلمية من تدليلهنّ بالألقاب الأثيرة اللطيفة المشتقة من أسمائهنّ أحيانًا.

فقد ذكرت لنا كتب تراجم المحدثين طرفًا من ذلك، فهذه كريمة المروزية (ت 465هـ) –وهي من رواة صحيح البخاري- كانوا يسمونها ‘أم الكرام كريمة‘، ومثلها وزيرة بنت يحيى الثعلبي (ت 715هـ) كانوا يلقبونها ‘ستُّ الوزراء وزيرة‘، وأطلقوا اللقب نفسه على سمِيَّتِها ومعاصرتها وزيرة بنت المُنجا التنوخية (ت 722هـ)، أما شُهْدَة الكاتبة (ت 574هـ) فكانت تُسمى ‘ستّ الدار‘.

ترويج وتدليل
ثمة ملحظٌ آخرُ في الأسماء يلاحظه المطالع لسير الخلفاء وخاصّة العباسيين منهم، إذ أكثرُ أمهاتهم ممن يسمّون ‘أمّهات أولاد‘، وهن إماء أنجبن لمالكيهنّ فأصبحن في حكم الحرائر. وقد صنّف الإمام ابن حزم الأندلسيّ (ت 456هـ) رسالة بعنوان ‘أمّهات الخلفاء‘، فذكر من أسمائهنّ ما له طابعٌ تسويقيّ صريح؛ ومما ذكره: أمّ المهتدي وهي روميّة اسمها: قُرْبٌ، وأمّ المقتدر اسمها: شغب. وأمّ القاهر: قَتول، وأمّ الراضي: ظلُوم، وأمّ المتَّقي: خلوب، وأمّ المستكفي: غُصْن، وأمّ المطيع: شعلة. وكلهنّ أمهات أولاد.

وذكر محمد بن شاكر الكتبي (ت 764هـ) -في كتابه ‘فوات الوفيات‘- أم المستضيء بالله فقال إنها أم ولد أرمنية اسمها: غضّة. وأعجبُ منها أمُّ القائم بالله العباسي التي هي أم ولد أرمنية كان اسمها ‘بدر الدجى‘؛ كما جاء في ‘تاريخ الإسلام‘ للذهبيّ، وقال بعضهم إن اسمها: ‘قَطْرُ النّدى‘.

ولم يكن ملوك بني أمية في الأندلس بعيدين من هذا المذهب؛ فهذا الأمير عبد الرحمن الأوسط بن الحكم (ت 238هـ)، أمه أم ولد اسمها: حلاوة، كما جاء في ‘الملتمس في تاريخ رجال الأندلس‘ لأبي جعفر الضبي (ت 599هـ). وكذلك سلطان دولة الموحدين بالمغرب المستنصر بالله (ت 620هـ)؛ فقد ذكر الذهبيّ أيضًا أن أمه أم ولد رومية اسمها قمر، ويبدو أنّ ابنها ورث شيئًا من جمالها، إذ وصفه الذهبيّ بأنه "لم يكن في بني عبد المؤمن أحسن منه صورة"!!

ومعلومٌ أن غرابة الاسم قد تتسببُ في شهرة الإنسان وتميّزه عن غيره، وكذلك كُنيته؛ وفي ذلك نصٌّ لطيفٌ اصطاده شيخ المحققين عبد السلام هارون (ت 1408هـ)، وضمّنه كتابه البديع ‘كُنَّاشَةُ النوادر‘. فقد ذكر عن أبي حيان الأندلسيّ (ت 745هـ) أنه قال: "إذا كانت الكنية غريبة -لا يكاد يشترك فيها أحد مع من تكنّى بها في عصره- فإنه يطير بها ذِكرُه في الآفاق، وتتهادى أخبارَه الرفاق".

ثمّ ينقل عن أبي حيان استدلاله -في تفسيره للقرآن- على أثر غرابة الكنية في شهرة صاحبها من واقعه الشخصيّ، وذلك بقوله عند الآية الكريمة ?وَلَا تَنَابَزُوا بِالأَلْقَابِ?: "كما جرى في كنيتي بـ‘أبي حيان‘ واسمي محمد، فلو كانت كنيتي أبا عبد الله أو أبا بكر -مما يقع فيه الاشتراك- لم أشتهر تلك الشهرة". قال الشيخ عبد السلام: "وهذا نصٌّ غريب يصدر من عالم جليل له علمه وفضله، يقدم لنا دراسة نفسية في بعض أسباب الشهرة، ولم نر مثل هذا النص من قبل ولا من بعد لعالم فاضل".

وقد اشتهر اليوم في بلاد الشام والجزيرة وغيرها أن يدلّلوا الأبناء بقولهم: عبّود وحمّود وأشباهها، وهو عرف قديم؛ فقد فشا في بلاد المغرب والأندلس كما يذكر عبد السلام هارون أيضًا، قال: ومن أسمائهم أيضًا: ‘عبود‘، وحمود وعبود تسميتان عربيتان فصيحتان"، ثم نقل عن أبي حيان الأندلسيّ قوله: "وهم يسمون عبد الله عبودًا ومحمدًا حمّودًا". إلى أن قال: "فكأن هذه الصيغة عندهم تسمية تدليل كما هو الشائع في التسمية في وقتنا هذا".

ثم عقّب شيخ المحققين بقوله: "وأهل المغرب والأندلس يتسمون بزيدون وحمدون وفتحون ورحمون وحسنون وحفصون وسمحون (بل إنهم سمَّوا به نساءهم ومن أشهر أمثلة ذلك اسم الشاعرة نزهون بنت القلاعي الغرناطية المتوفاة 550هـ)، وتعليل هذه التسمية قد يرجع إلى إرادة التفخيم بصيغة كصيغة الجمع"؛ كذا قال رحمه الله.

لكن الدكتور إبراهيم السامرائي (ت 2001هـ) يؤكد –في دراسته اللطيفة بعنوان ‘الأعلام العربية.. دراسة لغوية اجتماعية‘- أن الواو والنون في هذه الأسماء علامة لتصغير الاسم، يقول: "ويكثر في أعلامهم (= المغاربة والأندلسيين) التصغير بزيادة الواو والنون في آخر الاسم"، مضيفا أن هذه الصيغة موجودة أيضا في اللغة السريانية.

استيراد وتعويذ
والعربُ -على كل ما سبق- لم يستغنوا بأسمائهم المحلّية حتى استوردوا أسماء من محيطهم القريب، فسمّوا بأسماء ملوك الفرس كما سموا بملوك العرب؛ فهذا نشوان الحميري (ت بعد 573هـ) يرى –في كتابه ‘شمس العلوم ودواء كلام العرب من الكلوم‘- أن اسم "بِسْطام ليس من أسماء العرب، وإنما [هو اسم] ملك من ملوك فارس -كما سمَّوْا قابوس ودَخْتَنوس (= اسم نسائي)- فعرّبوه بكسر الباء".

وفي الأسماء العربية المعاصرة كثيرٌ من الأسماء عربيّة الأصل التي اقتبسها غير العرب، ثم عادت إلى بلاد العرب متأثّرةً بلغة المقتبِسين، في عمليّة يمكن أن نسمّيها "تبييض الأسماء" قياسًا على "تبييض الأموال"، غير أنه تبييض ليس فيه فساد.

فمن مشهور ذلك الأسماءُ العربية مفتوحة التاء مثل: حكمت وشوكت ورفعت ورأفت وغيرها، فهذه كلّها بتاء مربوطة، لكن الأتراك اقتبسوها ففتحوا تاءها كعادتهم، ثم عادت أيام سيادة الأتراك العثمانيين على البلاد الإسلامية فتسمّى بها العرب، وبقيت حتى يومنا هذا.

وإن كانت الأمثلة السابقة واضحة الأصل، فقد تغيّرت بعضُ الأعلام حتى خفي أصلُها العربيّ، وأغربُ مثالٍ عليها: اسمُ ‘هياتم‘ المشتهر بمصر، فأصلُه العربيّ ‘حياة‘ غير أن الأتراك أضافوا إليه ميم الملكية لتصبح ‘حياتم‘ أي: ‘حياتي‘، ولما كان الأتراك لا يلفظون الحاء فقد تحولت اللفظة إلى صورتها هذه، ثم تسمّى بها العربُ بعدُ وخفي عليهم أصلُها.

ومن العادات الغريبة التي كانت منتشرةً في البلاد العربية أن يُسمُّوا الولد أو البنت اسمًا شنيعًا خوفًا من الحسد، وأطرفُ ما وقعتُ عليه من ذلك ما ذكره محمّد صادق زلزلة في كتابه ‘قصص الأمثال العاميّة‘ بالعراق، في قصّة المثل: "بعدك ما خرجت من الحظيرة".

وخلاصة ما ذكره زلزلة أنّ رجلًا وُلد له ولدٌ فسمّاه ‘محمّدًا‘ فمات، ثم وُلد له آخر فسماه ‘محمّدا‘ فمات هو الآخر، فوقع في قلبه وقلب زوجه أن الناس حسدوهما، فقالوا: نسمّي اسمًا شنيعًا يحقّره في أعين الناس فلا يحسده أحد، فرُزقا مولودًا فسمّوه: "ازْمَال" وهو الحمار بلسان أهل العراق، وكانت المفاجأة أن عاش "ازْمال" بخلاف من سبقه، ثم ابتسمت له الدُّنيا فاغتنى وتزوّج امرأة صالحةً حكيمة، غير أنه بقيت فيه بلاهةٌ ربّما كان لاسمه دورٌ فيها!!

إضافة تعليق

6 + 14 =
Solve this simple math problem and enter the result. E.g. for 1+3, enter 4.