تطبيق النظرية السياقية على قصيدة “زهور” للشاعر أمل دنقل جزء 1 من 3

جاء مقالنا هذا ليبرز أهمية النظرية السياقية، وذلك بتطبيقها على قصيدة تنتمي إلى الشعر الحر، وهو أحد أنواع الشعر العربي الأكثر انتشارا يستطيع به الشاعر التعبير عن مكنوناته فهو لا يـتـقيد بقافية وروي موحدين أو ببحر محدد، بل شعور الشاعر وإحساسه هو الذي يتحكم في القصيدة كما هو الشأن بالنسبة للقصيدة التي بين أيدينا للشاعر المصري أمل دنقل المعنونة ب “زهور” من خلال البحث في سياقها اللغوي، وغير اللغوي.

ويقول الشاعر أمل دنقل في قصيدته “زهور
وسلالٍ من الوردِ،
ألمحها بين إغفاءةٍ وإفاقةْ
وعلى كل باقةْ
اسم حاملها في بطاقة
¨¨¨ ¨¨¨¨ ¨¨¨ ¨¨ ¨¨¨¨ ¨¨ ¨¨¨
تتحدثُ لي الزهراتُ الجميلةُ
أن أعينها اتسعت ــ دهشةْ ــ
لحظـــــــــــــــــــة القطفِ،
لحظـــــــــــــــــــة القصفِ،
لحظةَ إعدامها في الخميلةْ !
تتحدثُ لي ..
أنها سقطت من على عرشها في البساتين
ثم أفاقت على عَرضِها في زجاج الدكاكين، أو بين أيدي المنادين،
حتى اشترتها اليدُ المتفضلةُ العابرةْ
تتحدث لي ..
كيف جاءت اليّ..
(
وأحزانُها الملكيةُ ترفع أعناقها الخضرَ)
كي تتمنى ليّ العمرَ !
وهي تجود بأنفاسها الآخرةْ !!
كلُ باقةْ ..
بين إغماءةِ وإفاقةْ
تتنفس مثليّ ــ بالكادِ ــ ثانيةً .. ثانيةْ
وعلى صدرها حَمَلت ــ راضيةْ ..
اسمَ قاتِلها في بطاقةْ ! 1

 

الاتجاه غير النصي (السياق غير اللغوي)
صاحب النص
هو شاعر اختزل حكاية حياته يوما بقوله: “… عملت في وظائف مختلفة، وحتى الآن لم استقر في عمل معين. اخترت عضوا في لجنة الشعر بالمجلس الأعلى للثقافة عام 1980م. وأصبت بمرض السرطان، وأجريت عمليتين جراحيتين عام 1979م و1980م، ولا أزال رهن العلاج حتى الآن. تزوجت عام 1978م من صحافية في جريدة الأخبار القاهرية، ولم أرزق أطفالا حتى الآن”2، وبعد هذا فمن الضروري أن نتحدث عن الشاعر بشكل مستفيض لأن حياته حقا عبارة عن حكاية في رواية، هو شاعر مصري عربي كبير اسمه محمد أمل فهيم أبو القاسم محارب دنقل، ولد “في قرية القلعة القريبة من مدينة قنا في صعيد مصر في العام 1940م، وتلقى علومه الابتدائية والثانوية في قنا، وقد ظل مفتخرا بمكتبة أبيه الذي توفي وأمل في سن العاشرة حتى آخر أيامه، معترفا بأنه لم يستفد من التعليم المدرسي بقدر ما استفاد من مكتبة أبيه العامرة بكتب الأدب والتراث والفقه، وبعد محاولة دراسية في كلية الآداب في جامعة القاهرة ، ترك أمل دنقل الدراسة وانخرط في سلك الوظيفة في محكمة قنا ثم في الجمارك، وفي تلك الآونة بدأ ينشر قصائده في الصحف المصرية وراحت تلك القصائد تلفت النظر. وما أن بات معروفا بعض الشيء حتى حقق حلما أثيرا لديه، وهو أن يترك الوظيفة وينصرف إلى الكتابة، وأتيح له في تلك الفترة أن يعمل صحفيا في مجلة “الإذاعة” وكان يشغل تلك الوظيفة حين صدرت مجموعته الأولى وبات عالما من أعلام جيل الستينات، وهذا ما مكنه من الحصول على منحة تفرغ من وزارة الثقافة المصرية، العام 1971م لكي يحقق عملا شعريا عن قناة السويس، لكنه لم يتمكن أبدا من إكمال هذا العمل”.3
وهب الشاعر أمل دنقل حياته وشعره ولسانه لموقفه الرافض للتفسخ والاهتراء الاجتماعي والسياسي، وشعره “عف وعلا عن الهبوط في مشاركة جوقات الاستجداء والاستثمار وانحناء الرؤوس، وإراقة ماء الحنايا والوجوه، ينتصر للقيم الإنسانية والحرية حيث يمتد كيان الفرد إلى الوطن، ويمتد كيان الوطن إلى المجتمع الإنساني العام”4.
إنه الشاعر أمل دنقل، الذي يعتبر أنم “الشعر يجب أن يكون في موقف المعارضة، لأنه حلم بمستقبل أجمل”5، فالشعراء كما يقول: “اعتراض عما هو كائن وحلم بما سيكون. والكلمة أداة التعبير، وبهذا المعنى كان الشعر شعر مقاومة”6، وهو في ذلك يعبر عما يجيش في صدرونا من رفض الواقع الذليل الذي نعيشه، والحلم بواقع حر جميل، وأمل دنقل “يحتل منطقة واحدة، هي منطقة الرفض والمقاومة، فليس عنده منطقة رمادية، فهو صعيدي حتى النخاع شديد الغيرة في كبرياء، شديد النقاء، شديد العناد، شديد الثأر”7، فقد علمه ضياع إرث أبيه وهو طفل أن “يهب أحلامه للفقراء، وأن يخاصم الظلم، ويحلم بالعدل الذي لم يتحقق”8.
السياق الاجتماعي
لكل مولود بيئة، وبيئة هذا الشاعر هي بلاد مصر، وأهل مصر المعروفون بشهامتهم وقوتهم، لكن المجتمع المصري هو الآخر لم يسلم من وباء النفاق والانتهازية الذي اجتاح معظم البلدان العربية، فلم تعد قيم التعاون والتآزر والتضامن إلا في بعض الحالات النادرة التي نسمع عنها أو نقرأها ونتخيلها مثل قصة بطولية أو معجزة ذلك العصر.
فشاعرنا عايش هذا النوع طيلة رقوده في المستشفى حين كان يستقبل كل يوم “أكثر من (??) زائر، ولم يكن ذلك يمثل إرهاقا لأمل، بل على العكس كانت ملامح الإرهاق تتبدد تماما وتنتابه الصحة الحيوية عند أول زائر يعوده حتى صار موعد الزيارة هو موعد الصحة ينتظره… ومئات الرسائل لا تتقطع بصورة يومية من داخل مصر ومن خارجه” 9.
وبعد أكثر من شهرين على إقامته بالمستشفى أنفق أكثر مما كان يملك حينها “طالب بعض الأدباء من رئيس اتحاد الكتاب مشاركة الاتحاد في علاج أمل … فوافق السيد الرئيس على صرف ( ??? جنيه) مشاركة من الاتحاد على يتقدم أمل بطلب التماس”10
رفض أمل التعليق على ما حدث ولم يقدم أي التماس. بعدها “صدر قرار من وزير شؤون مجلس الوزراء بعلاج (المواطن أمل دنقل) على نفقة الدولة بالدرجة الثانية دون مرافق بنفقات قدرها ( ???? جنيه)” الذي اعتبره أمل دنقل أنه قرار تهريجي فرفضه رغم تعديله.
وظل مستاء طويلا من مكاتبته شؤون مجلس الوزراء إليه (بالمواطن أمل دنقل نزيل معهد الأورام)، ويوم بعد يوم تزداد المصاريف ويزداد الألم وتموت القيم النبيلة قبل موت الشاعر المصري، ماتت بعد أن وعده أحد أصدقائه بأن يحرر له غدا شيكا بألف جنيه، لكن جاء الغد وجاء صديقه ولم يذكر شيئا عن الشيك الذي وعد به. وصديق آخر كان يخجل من فقره الذي لا يساوي أكثر من (????? جنيه) هي كل رصيده في البنك، شاهد إشعار المستشفى المطالب بالآلف جنيه. فلاذ بالصمت.
زاره أحد كبار الناشرين الأثرياء في بيروت الذي حاول أن يعطي بعض المال لأمل لكن أقسم الشاعر ألا يفعل ذلك:
فقال له:
أمل إنني صعيدي مثلك… وهذا منطقنا وتلك تقاليدنا
أقسم أمل مرة أخرى بغضب، فزع الرجل فتراجع
فظل الرجل طوال أسبوعه في القاهرة يحكي عن مساهمته في علاج أمل، كل هذه الأحداث والمواقف أثرت على أمل وجعلته يشعر بالعجز التام فكان يتمنى الموت عوض أن يشفق عليه أحد “بكى أمل بعد أن أتته مشاركة الأصدقاء من السعودية والكويت مساعدة في علاجه، بكى يومها العجز والمرض والعذاب”.11

إضافة تعليق

19 + 0 =
Solve this simple math problem and enter the result. E.g. for 1+3, enter 4.