فاعل التقنية مع الإبداع هل يتعايش الإبداع الورقي مع الرقمي

إنّ المتتبّع للشّأن الثّقافي اليوم، سيلاحظ دون شكّ أنّ الإنسان المعاصر بات أكثر تصفّحاً للمواقع الإلكترونية، وأكثر ارتباطاً بالصّورة الرّقمية والوسائط التّكنولوجية، وقد وصلت به علاقته بالصّورة الرّقمية إلى درجة الإدمان والعبودية، بل أكثر من ذلك إلى درجة الخضوع والتّبعية والاستهلاك والاستلاب، وبالنّظر إلى هذا التّطور الهائل والمطرد وبالموازاة معه، ظهرت أشكال أدبية أخرى ثارت على التّقليدي والمألوف، ويعني هذا أنّ ثمّة نوعين من الأدب في عرف الثّقافة السّائدة: أدب كلاسيكي وأدب رقمي.

فإذا كان الأدب الأوّل أدباً يقوم على الشّفوية والكتابة، وينتقل عبر الوسائل الإعلامية التّقليدية، كالكتاب والصّحف الورقية والمجلات والمطويات وغيرها، فإنّ الأدب الثّاني يستثمر كلّ التّقنيات، التي يسمح بها الحاسوب أو الهاتف الذكيّ، أو غيرهما من التّقنيات الحديثة من أجل الإبداع في مرحلة أولى، ثم إيصال هذه (المنتجات) إلى عموم المتلقّين في مرحلة ثانية. 

والأدب الرّقمي يعرّف على أنه ذلك النّمط من الكتابة، الذي لا يتجلّى إلا في الوسط الإلكتروني، معتمداً على التّقنيات التي تتيحها التّكنولوجيا الحديثة، ومستفيداً من الوسائط الإلكترونية الحديثة المتعدّدة في ابتكار أنواع مختلفة من النّصوص، تتنوّع في أسلوب عرضها وطريقة تقديمها للمتلقّي/ المستخدم، الذي لا يستطيع أن يجدها إلا من خلال الشّاشة الزّرقاء، وأن يتعامل معها إلكترونياً، وأن يتفاعل معها، ويضيف إليها، ويكون عنصراً مشاركاً فيها.

وقد يسمى هذا الأدب أيضاً باسم (الأدب الشّبكي) في إشارة إلى الأعمال المنشورة على شبكة الإنترنت، كما يطلق على هذا الأدب اسم (الأدب التّفاعلي)، وهو مصطلح ابتكره إسبن أرسيت، وعرض نظريّته في كتاب: النصّ الشّبكي: آفاق الأدب التّفاعلي، كما يعرف أيضاً بـــ(الأدب الدّيجيتالي)، وبـــ(الأدب الإلكتروني)، و (الأدب المعلوماتي).

من خلال ما سبق إذاً نخلص إلى أنّ مفاهيم الأدب الرّقمي لاتزال ملتبسة بعض الشيء، وذلك لكونها حديثة العهد، وتحتاج إلى تأمّلات نقدية تدعم وضوحها، الذي لا يعني بالضّرورة ضبط المفاهيم بشكل قاطع، ولكن على الأقلّ خلق مجال نقدي موضوعي لبلورة مختلف المفاهيم التي تؤطر هذا الأدب، الذي يمكن التّعامل معه، باعتباره مفهوماً عامّاً تنضوي تحته كلّ التّعبيرات الأدبية التي يتم إنتاجها رقميّاً. 

والأدب الرّقمي حسب الباحثة المغربية زهور كرام يتحقّق الآن في التّجربة الغربية، وهذا راجع لتطوّر وسائطه التي تساعد على الانخراط فيه بسرعة، أمّا في التّجربة العربية، فهو لايزال يعرف تعثّراً كبيراً، لأنّ ثقافة الوسائط التّكنولوجية، التي يعتمدها الأدب الرّقمي في إنجازه وتحقّقه، لاتزال لم تتشرّبها بعد الذّهنية العربية، فضعف تجربة الأدب الرّقمي في التّجربة العربية، يعكس علاقتنا كمجتمعات عربيّة بالتّكنولوجيا، التي أصبحت المحرّك الجوهري للزّمن الرّاهن، ولا يمكن ضمان الانخراط في هذا الزّمن، إلا من خلال ضمان استثمار وسائط الزّمن التّكنولوجي.

لقد انحسر أفق الأدب الرّقمي في الثقافة العربية بسبب سيطرة (الأميّة الحاسوبيّة) على أذهان الرّافضين الاعتراف بسلطة المعرفة التّكنولوجية، إذ لايزال التّعامل مع الحاسوب وتقنياته المعقّدة أمراً غير ميسّر ولا ميسور لعدد كبير من النّاس، وحتّى من الطبقات المتعلّمة العليا في المجتمع، فضلاً عن أنّ هذا الجنس الأدبي يجعل ملكية النصّ الأدبي تعدّدية وليست للكاتب حصراً، الأمر الذي يدفع المبدع/ الكاتب إلى التّمركز حول ذاته الإبداعية، ضدّ سيادة التّعدّدية النّاتجة عن متاهة الكتابة الجماعية الحرّة للنصّ الرّقمي، ثم إنّ انحسار دائرة القرّاء الرّقميين المتلقّين لهذا النّوع من الأدب، يشكّل عاملاً آخر يساعد في هذا الانحسار. 

وعلى الرّغم من هذا التّأخر في تحقّق الأدب الرّقمي في التّجربة العربية، فإنه في السّنوات الأخيرة، بدأت دائرته بالاتّساع لتشمل أنواع الأدب المختلفة؛ من شعر ومسرح وقصّة ورواية ومقالة، من خلال استعانة هذا الجنس الجديد بالإمكانات التّقنية، التي تتيحها التّكنولوجيا لتقديم نصّ مختلف الوسيط، يقوم على أساس تفاعل المتلقّي ومشاركته، ليكون شاعراً مع القصيدة الرّقمية، وليكون روائياً مع الرّواية الرّقمية، وليكون قاصّاً مع القصّة الرّقمية، وهكذا مع بقيّة مجالات الإبداع الفنّية الرّقمية الأخرى، ولعلّ دور المتلقّي، يتجاوز هذه الحدود في إطار التّفاعل ليكون مبدعاً، فيضفي ملامح جمالية وقيميّة جديدة على المنتج الفنّي الرّقمي لم تكن فيه، ولم تكن في ذهن المبدع الأوّل، وبمثل هذا لا يعدّ الشّاعر والقاصّ والرّوائي حاكماً للنصّ قيّماً عليه، بل إنّنا بصدد طغيان التّفاعل الفنّي الرّقمي للمتلقي مع النصّ أو مع المدوّنة، التي تضمّ النصّ وما حول النصّ من الأبعاد السّمعية والبصريّة، ولا يغيب عن الأذهان أنّ مثل هذا التّفاعل يكسب النصّ هويّة جديدة مع كلّ تصفّح، وتنمو هذه الهويّة وترتقي كلما ارتقت القدرات الإدراكية للمتلقّي والإمكانات التّقنية للآلة الرّقمية وبرامجها. 

هكذا إذاً برزت في الوطن العربي مجموعة من الباحثين والمفكّرين، الذين أبدعوا في الكتابة الرّقمية والإلكترونية، نذكر منهم: محمد سناجلة في رواية (شات)، و(صقيع)، والعراقي عبّاس مشتاق في قصيدة (تباريح لسيرة بعضها أزرق)، والمصري أحمد خالد توفيق في (قصّة ربع مخيفة)، ومحمد أشويكة في (احتمالات)، والشّاعر محمد الفخراني في (سيرة بني زرياب)، والباحثة السّعودية رجاء الصّائغ في رواية (بنات الرّياض)، والسّورية ندى الدنا في (أحاديث الإنترنت)، والسّعودي عبدالرحمن ذيب في قصيدة (غرف الدّردشة)، والكويتية حياة الياقوت في قصّة (المسيخ إلكترونياً)، والمبدعة المغربية فاطمة بوزيان في قصّة (بريد إلكتروني)، والمصري أحمد فضل شبلول في قصيدة (ذاكرة الإنترنت)، وعبدالنّور إدريس في قصيدة (قصيدة شات).

وبالموازاة مع حركة الإبداع المتسارعة في الأدب الرّقمي، كان لا بدّ من ظهور حركة نقدية لهذا الأدب، وهو ما أشّر عليه مجموعة من النّقاد من أمثال: حسام الخطيب في كتابه (الأدب والتّكنولوجيا وجسر النصّ المفرع)، وسعيد يقطين في كتابيه (من النصّ إلى النصّ المترابط)، و(النصّ المترابط ومستقبل الثقافة العربيّة: نحو كتابة عربيّة رقميّة)، وزهور كرام في كتابها (الأدب الرّقمي: أسئلة ثقافية وتأمّلات مفاهيمية)، وإبراهيم أحمد ملحم في كتابه (الرّقمية وتحولات الكتابة: النّظرية والتّطبيق)، ومحمد سناجلة في كتابه (رواية الواقعية الرّقمية: تنظير نقدي)، وعبدالنّور إدريس في كتابه (الثّقافة الرّقمية من تجليات الفجوة الرّقمية إلى الأدبية)، ومحمّد مريني في كتابه (النصّ الرّقمي وإبدالات النّقل المعرفي)، وفاطمة البريكي في كتابها (مدخل إلى الأدب التّفاعلي)... إلخ.

خلاصة القول، إنّ الأدب الرّقمي/الّتفاعلي يقدّم معايير جماليّة جديدة وخصائص لم تكن متاحة من قبل في النصّ الورقي، كخاصّية تعدّد المبدع، والتّأليف الجماعي للنصّ الرّقمي، وتعدّد الرّوابط التي تؤدّي بدورها إلى تعدّد النّصوص حسب اختيارات المتلقّين، بعكس الأدب الورقي، الذي تكون البداية فيه موحّدة والنّهايات محدودة، إضافة إلى صعوبة الحصول على الكتاب الورقي مقارنة بنظيره الرّقمي، الذي يسهل حمله وتحميله من خلال الحاسوب، لذلك فمن الطبيعي، أن يعرف هذا الأدب في المستقبل القريب انتشاراً واسعاً ورواجاً كبيراً في الأوساط الأدبية، وهذا لا يعني أنّ الصيّغ التّقليدية للإبداع الورقي مهدّدة بالزّوال، وإنّما هي قادرة على الصّمود والاستمرار من خلال تعايش الإبداعين معاً.

 

إضافة تعليق

19 + 0 =
Solve this simple math problem and enter the result. E.g. for 1+3, enter 4.