كورونا كهف التغيير -كلمة بمناسبة شهر رمضان المبارك 1441هـ-

رائد النشر في العالم العربي والإسلامي الأستاذ محمد عدنان سالم مدير عام دار الفكر دمشق - سورية
كورونا ليست مجرد مادة إخبارية؛ تملأ الفضائياتُ بها برامجها.. تنشُر يومياً أعداد المصابين بها وقتلاها؛ فقد تذهب الزلازل والبراكين والحرائق والحروب، بأعداد أكبر مما تذهب به كورونا، وتستأنف البشرية حياتها الرتيبة بعدها من دون أي تغيير!!
كورونا هي كهف التغيير الجذري الشامل في حياة الإنسان، لن يخرج منه كما دخل فيه:
- لأول مرة في تاريخ البشرية؛ تتوقف الحياة اليومية لكل الناس في جميع أنحاء العالم.. تتعطل أعمالهم.. تغلِق مدارسهم أبوابها.. تتقطع بهم السُّبل، وتكفُّ وسائل المواصلات عن جمع شمل أفراد أسرهم فيَتَشَتَّتُون!!
- لقد جاءت كورونا لتذكرنا أن التكنولوجيا التي طورناها، والمعارف التي اغتررنا بتكديسها فأنستنا الخالق؛ وقفت عاجزة أمام مخلوق ضعيف لا يُرى بالعين المجردة!!
- لقد أدخلتنا كورونا الكهف، ليس من أجل أن ننام فيه، بل من أجل أن نراجع ذواتَنا، ومناهجَنا، وأن نتذكر الأمانة التي تعهدنا بحملها؛ يوم اختارنا الخالق لخلافته في الأرض!!
- لم يعِ الغرب الرأسمالي بقيادة أميركا دروس كورونا، منشغلاً بمعالجة مرضاها، والبحث عن لقاح ضدها.. ولم تنفع حكمة الصين في احتواء كورونا بما قدمه نظامها الشيوعي لها من حلول!! هل سينتفع الإنسان المسلم من دروسها؟!
- صلاتُه التي فقدَت جدواها بالإلف والاعتياد، منعته كورونا من تلبية أذان المؤذنين لها في المساجد، وحرمته من صلاة جُمعتها.. وستحرمه من متعة صلاة التراويح في شهر رمضان؛ الذي هو دَورة تدريبية لترميم ما أفسده نهم الإنسان للطعام طوال العام.. حجُّه- الذي يتوِّج به عباداتِه طوال عمره ويحمل به لقب الحاج، ويلتزم بما يفرضه عليه من التزامات- قد لا يتاح له هذا العام!
- تعاليم الإسلام وحدها تحمل في طياتها سبل تقويم الانحراف فيأ دائها، وتؤكد لنا أن المسلم -إذا نفض عنه غبار تخلفه وانسحابه الحضاري-هو الوحيد المؤهل لقيادة عصر ما بعد كورونا؛ بقيَمه الإنسانية المطلقة؛ التي لا تفرق بين إنسان وآخر، بسبب اختلافٍ في عرق أو لون أو جنس أو لغة.. وأن المسلم وحده هو القادر على الخروج من كهف كورونا بأقل الخسائر، لما تحمله تعاليمه من قدرة على تجاوز الأزمات، والانصراف عن الوسائل والأشكال، إلى الغايات والمضامين!!
لقد كان حرمانه من صلاة الجماعة والجمعة وتراويح رمضان في المساجد؛ صدمة كبيرة أيقظته ، ودفعته لمراجعة طريقة أدائه لها، والعودة إليها بروح جديدة؛ يصليها كأنما كُلِّف بها لتوِّه.. يقرأ القرآن فيها كما لو أنه نزل عليه لتوه.. استعادت صلاته دورها في نهيه عن الفحشاء والمنكر.. واستعادت تلاوته للقرآن دورها في توجيه حياته.. واستطاع بذلك تحويل كورونا بالنسبة له إلى نعمة لا نقمة، وتعامل معها بإيجابية بعيداً عن السلبية!!
{ولنبلونكم بشيءٍ من الخوف والجوع، ونقص من الأموال والأنفس والثمرات وبشر الصابرين}[البقرة2/ 155]، فهل سنكون من الصابرين، لنعي دروس كورونا، ونخرج من كهفها بأفضل العبر والنتائج؟!

إضافة تعليق