الترجمة السمعية والبصرية أصبحت ضرورة معاصرة

تحتل الترجمة السمعية البصرية مكانة مهمة في العصر الحديث، بعدما تعاظم دور الصورة في المشهد الثقافي، فقد حلت الشاشة في وقتنا الراهن (العصر الرقمي) محل الكتاب وكل ما كنا نكتبه على الورق، من رسائل، صحف ومجلات وغيرها..أصبحنا نجده على الشاشة التي كانت إلى وقت قريب تعني التلفاز، فتطورت إلى الحواسيب والهواتف الذكية وحواسيب لوحية، أدت إلى ثورة في صناعة النشر، وسيولة المعلومات وتداولها بسهولة وبلغات مختلفة، يمكن الترجمة بتطبيقات إلكترونية تكسر الغربة اللغوية ببساطة بين الشعوب.
في العصر الرقمي يصعب تخيل حياتنا من دون هذه التكنولوجيات الحديثة، التي تتفنن الشركات بالإبداع في تصميماتها ومميزاتها، لجذب الزبائن في مختلف الأسواق العالمية. ثورة المعلوماتية هذه من بين ما قدمته المنتجات المرئية، سواء أعمال سينمائية أو مسرحية، وندوات ومحاضرات علمية وثقافية، وأماسي شعرية ولقاءات وحوارات من مختلف دول العالم. أمام هذا التطور المذهل، أصبحت الترجمة السمعية البصرية ضرورة وحاجة ماسة للاطلاع على ثقافات الآخرين. كما قال نائب مدير جامعة الجزائر (2) الدكتور عبدالكريم عزوق مرحباً بضيوف المؤتمر الدولي حول مناهج الترجمة السمعية البصرية: (إن موضوع المؤتمر يكتسي أهمية كبيرة في عالم اليوم، الذي أصبحت فيه المعلومة السمعية البصرية هي الوسيط المفضل لدى العام والخاص، وهو فرصة لتبادل الخبرات مع من سبقونا في هذا المجال).
الجزائر التي تواكب هذا التطور، تتطلع إلى تكوين مترجمين محترفين بكل أنواع الترجمة، حسبما قالت مديرة معهد الترجمة بجامعة الجزائر (2) الدكتورة عديلة بن عودة أمام المشاركين: (إن هدف المؤتمر هو التوصل إلى نمط تعليمي جديد حول مناهج الترجمة، ومن بينها الترجمة السمعية البصرية، التي أصبحت ضرورة في الزمن الرقمي بعد تعاظم دور الصورة).
عادة تتألف الترجمة السمعية البصرية من ثلاثية مترابطة النص والصوت والصورة، مع العنصر السيميائي للصورة، ولهذه الترجمة أنواع شرحتها الدكتورة نسرين بوخالفة ليلي أستاذة في معهد الترجمة بجامعة الجزائر (2)، وهي السترجة Subtitling، وتعني الترجمة المرئية أسفل الشاشة، والدبلجة Dubbing وتعني تعويض صوت حوار الممثلين بلغة أخرى مع مراعاة صوت اللغة مع حركة الشفاه، وانتشرت في دبلجة المسلسلات المكسيكية والتركية في الجزائر والوطن العربي عموماً. وأوضحت د.بوخالفة ليلي في حديثها لمجلة «الشارقة الثقافية»، أن هناك (السترجة الحية)، تستخدمها الفضائيات في نشرات الأخبار والحوارات واللقاءات، وأيضاً (السترجة المباشرة) حين يكون النص مترجماً ومتوافراً، يُنشر عند بث البرنامج أو أي مادة مرئية، وهناك (ترجمة الإشارة) لفئة الصم والبكم، وأيضاً الترجمة للمكفوفين.
وقد أوضح الدكتور رشيد يحياوي أستاذ الترجمة السمعية البصرية لذوي الاحتياجات الخاصة، مفهوم هذا النوع من الترجمة بقوله: (مثلاً نأخذ كتاباً عادياً للأطفال الصغار ونحوله إلى منتج للمكفوفين باللمس، مع وصف سمعي لهذه القصة، فالطفل يسمع ويتفاعل باللمس، فهذه الترجمة تعتمد على الوصف السمعي. أما الترجمة للبكم أو ضعاف السمع؛ فتكون سترجة عادية (نص مكتوب أسفل الشاشة) نضيف إليها بعض الإيحاءات وبعض الإشارات ليتفاعل مع الترجمة.
والإشكالية المطروحة في الترجمة لهذ الفئة، حسب يحياوي، هي النص؛ هل النص مكتوب دائماً؟ أم الصورة هي النص؟ أم الحلم نص؟ تفسير الأحلام ترجمة للحلم.
وأهمية الترجمة لذوي الاحتياجات الخاصة، حسب يحياوي، أنها تحقيق العدالة بين أفراد المجتمع، من حق أفراد هذه الفئة أن يتمتعوا بما يتمتع به الأصحاء، فيوجد في الجزائر ما يربو على مليون من ذوي الاحتياجات الخاصة، والتعليم التقليدي لا يناسب هذه الفئة، ويقترح يحياوي وضع برامج خاصة لتعليم ذوي الاحتياجات الخاصة لتحقيق العدالة التعليمية والثقافية.
هذا رابع مؤتمر ينظمه معهد الترجمة بجامعة الجزائر (2) حسب الدكتور بوخالفة محمد رضا، رئيس سابق لمعهد الترجمة ورئيس لجنة تنظيم المؤتمرات، حيث قال: (في العصر الرقمي وسطوة الصورة، كان لا بد من تطوير مناهج الترجمة من ترجمة الكتب إلى الترجمة السمعية البصرية، فالمؤتمر الأول كان حول الترجمة والتواصل، فالترجمة نافذة على ثقافة أخرى، وجسر ثقافي بين الشعوب، والمؤتمر الثاني حول ترجمة الأغنية للتعريف بالثقافة الجزائرية، والمؤتمر الثالث- الترجمة بين النظرية والتطبيق- تناول أهمية الاستخدام المنطقي للنظريات واستغلالها في تحسين مستوى طلبة الترجمة). وأضاف الدكتور بوخالفة في حديثة لـ«الشارقة الثقافية» (إن الترجمة السمعية البصرية بشقيها السترجة والدبلجة، تقف أمام خيارات صعبة، من حيث لغة الترجمة، هل اللغة الفصحى أم العامية؟ نحن نعمل أن تكون الترجمة باللغة العربية الفصحى، لتكون قابلة للانتشار في البلدان العربية ليتعرفوا إلى ثقافة الجزائر، والاهتمام بالترجمة لذوي الاحتياجات الخاصة، لتحقيق العدل والمساواة بين الجزائريين)
هذه المؤتمرات تبقى مسعىً أكاديمياً لتطوير تعليم ودراسة الترجمة في الجزائر، لأن واقع الترجمة العادية للكتب مازال متواضعاً، يعاني المترجمون مشكلات جمة، كما ذكر المترجم الدكتور السعيد بوطاجين أستاذ الأدب العربي في جامعة مستغانم، كتب بمرارة عن واقع الترجمة قائلاً: إن المترجم في الجزائر غير معترف به، خاصة مترجمي الكتب والإصدارات، ما أدى إلى هجرة عشرات الأساتذة والمختصين.
لذا؛ يُعتبر الحديث عن الترجمة السمعية البصرية، والترجمة لذوي الاحتياجات الخاصة، محاولة أكاديمية تشكل تراكماً قد يُثمر مستقبلاً عندما تكون سياسة وطنية للترجمة تكرس احتراف الترجمة

إضافة تعليق