أصدر معجماً خاصاً بكوفيد (١٩) د. عبدالفتاح الحجمري: لا تنمية اجتماعية أو ثقافية أو علمية من دون تنمية لغوية

بادر مكتب تنسيق التعريب التابع للمنظمة العربية للتربية والثقافة والعلوم /ألكسو التابعة لجامعة الدول العربية أخيراً إلى إصدار معجم علمي مهم حول كوفيد 19 وجائحة كورونا. هذه المواكبة المعجمية للجائحة، تدفعنا إلى محاورة مدير المكتب منذ (2012م) الدكتور عبدالفتاح الحجمري، الباحث اللغوي والناقد الأدبي المغربي المعروف، الرئيس السابق للجمعية المغربية للتنسيق بين الباحثين في الآداب المقارنة، وذلك للاقتراب أكثر من دينامية المكتب ومجهوداته الحثيثة في المجال المعجمي.

¯ بادرتم في الآونة الأخيرة إلى إصدار معجم مصطلحات كوفيد (19)؛ ما الذي حفزكم على إنتاج معجم بالعربية والفرنسية والإنجليزية، مع الشروحات بالعربية حول كوفيد (19)؛ ما الذي جعلكم تفكرون في تخصيص معجم كامل لجائحة كورونا؟

- لعل السبب الأساسي الكامل وراء إصدار معجم مصطلحات كوفيد (19) في صيغته الأولية، ويضم نحو (188) مصطلحاً باللغات الثلاث العربية، والإنجليزية والفرنسية، مصحوباً بتعاريف مقتضبة ومركزة، هو رصد المصطلح العلمي والتقني المتصل بفيروس كورونا؛ وهذه مهمة من مهام مكتب تنسيق التعريب، من أجل مواصلة الجهود، التي تبذل للتوسع في استعمال اللغة العربية وإغنائها بالمصطلحات الحديثة، وتجميعها من مختلف ميادين المعرفة، وفق منهجية علمية محددة، يتبعها المكتب في إعداد المعاجم الثلاثية اللغة؛ وقد كان حافزنا في إعداد هذا المعجم، إثارة انتباه العاملين بقسم المعاجم إلى طبيعة المصطلحات الجديدة، التي أضحى تداولها لافتاً للنظر، ذلك أن فيروس كورونا، كما أشار إلى ذلك الدكتور محمد ولد أعمر، المدير العام للألكسو، في كلمته التقديمية للمعجم، ليس مجرد وباء مقترن بحالة طارئة في مجال الصحة العامة فحسب، بل تخطاها إلى ميادين حيوية في مجتمعاتنا، أصبحت تعيش في الراهن أزمة اقتصادية واجتماعية على أكثر من صعيد؛ وعملنا مازال متواصلاً لعلنا نوفق في إصدار طبعة جديدة مُحيَّنة خلال مستقبل الأيام. 

 

¯ هذا المعجم ينضاف إلى سلسلة مهمة، من المعاجم الموحدة لمصطلحات في مجالات مختلفة: اقتصاد، طب، علوم، تربية، دراسات أدبية، تقنيات حاسوبية وما إليه؛ أولاً حدثنا عن هذا المجهود؟

- عمل مكتب تنسيق التعريب منذ تأسيسه، مطلع الستينيات من القرن الماضي، على إعداد مجموعة من المعاجم، تُغطي ما يزيد على خمسين مجالاً علمياً وتقنياً وحضارياً، خزّنها في بنك للمصطلحات موضوع رهن إشارة الباحثين على موقعيْه : www.arabization.org.ma - www.arabterm.org فضلاً عن طباعتها ونشْرها، بتعاون وشراكة مع العديد من الخبراء في مجال الصناعة المعجمية بالبلدان العربية، وعلى رأسها مجامع اللغة العربية والجامعات والمعاهد المتخصصة، إعداداً ومراجعةً، إذ يسهر المكتب قبل اعتماد مشاريعه المعجمية في مؤتمرات علمية، يعقدها بصفة دورية، على إشراك تلك المحافل، عن طريق اللجان الوطنية للتربية والثقافة والعلوم لكل بلد.

لست بحاجة لتأكيد ما يشهده العالم من نموّ متسارع في كمّ المصطلحات، التي توضع بشكل يومي. ومع ذلك، فالنماذج المتّبعة في الحصول على البيانات المصطلحية، ومعالجتها ونشرها باللغة العربية لا تواكب الطلب المتزايد؛ من هنا أهمية الوصول الآني للمصطلحات الحديثة، بلغات متعددة، وبوسائل تشاركية لترجمتها وتعريبها ونشرها، وإعادة استعمالها وتعميمها، وقبل ذلك تصنيفها وتنميطها حسب التصنيف العشري الدولي (CDU)، لأنه تصنيف معمول به في عدد كبير من الدول والمنظمات الدولية والإقليمية، ولأن (المكنز) العربي الذي تتبناه المنظمة العربية للتربية والثقافة والعلوم، وجهازها المختص بمكتب تنسيق التعريب، قائم أيضاً على أساس هذا التصنيف في ترتيبه الدقيق للمعارف والعلوم من العام إلى الخاص، وبصورة تيسر البحث عن أي موضوع من الموضوعات العلمية بطريقة سلسة وشاملة، اعتماداً على رموز اكتسبت طابعاً عالمياً.

 

¯ لكن، هل يمكن القول إن هدفكم هو تأصيل العلوم؟ أو لنطرح السؤال بصيغة أوضح، هل يمكننا النبوغ في العلوم الحديثة ومعارف العصر دون أن نعرّب هذه العلوم ونوطِّنها في لغتنا العربية؟

- يصعب عليّ في هذه العجالة الحديث بتفصيل عن توطين العلوم والتقنية في اللغة، وهو موضوع حيوي له صلة بتوليد المصطلح العلمي، مثلما له علاقة بالرموز العلمية وأشكال وإشكال إقرارها والتوافق حولها، فضلاً عن علاقته الجدلية بالمحتوى العلمي العربي على الإنترنت. بإمكاني التأكيد في هذا المقام أنه لا تنمية اجتماعية أو ثقافية أو علمية، بدون تنمية لغوية وثيقة الصّلة بأهمية استيعاب المعرفة المعاصِرة؛ ثم إنه لتوطين العلوم يلزم توفير رصيد مصطلحي يكتسي صفة المرجعية، وتقريب اللغة العربية من المستعمل وإشراكه في إغنائها بالمصطلحات الجديدة، فضلاً عن أن تعريب العلوم وتوطينها، يستتبعان إعداد مشاريع معجمية متخصصة ونشرها وإشاعتها. يتوفر المكتب اليوم على قاعدة بيانات تشتمل على أزيد من (150000) مدخل موحد باللغات الثلاث (عربية – إنجليزية – فرنسية) في أكثر من خمسين مجالاً علمياً، كما يواصل نشر مجلدات جديدة من المعجم التقني التفاعلي arabterm بأربع لغات: العربية والألمانية والإنجليزية والفرنسية، في مجالات: تكنولوجيا السيارات، هندسة المياه، الطاقات المتجددة، الهندسة الكهربائية، النقل والبنية التحتية، المناخ والبيئة وإدارة النفايات الصلبة، الهندسة المدنية، تقانات المعلومات، وصناعة النسيج، بعدد إجمالي يقارب (105000) مدخل، أي ما يعادل (420000) مصطلح رباعي اللغة. يمكنني القول إجمالاً، وبعيداً عن لغة الشعارات والعواطف، إن اللغة العربية ليست لغة الماضي كما يقال أحياناً، إنها لغة المستقبل، والأولوية ليست لجعلها لغة عالمية بل لجعلها فقط لغة معاصرة.. وهذا مسعانا الأساس.

 

¯ رهان المعاصرة مطلوب، لكن، هناك رهان آخر لا يقل أهمية، وهو رهان التوحيد. فقد لاحظنا أن هناك فروقات بين لغة المشارقة ولغة المغاربة، تتسبب فيها خلفية كل منا على مستوى اللغة الثانية. مثلاً لاحظ كيف أن المشارقة يسمون (الموبايل) هاتفاً نقالاً أو جوالاً (لأنهم ترجموا الكلمة عن الإنجليزية)، فيما يسميه المغاربة محمولاً (بسبب الترجمة عن الفرنسية). ألا تخشى أن اختلاف خلفياتنا على مستوى اللغة الثانية، يصعّب عليكم مأمورية التوحيد؟

- توحيد المصطلح مشكلة قديمة حديثة ومتجددة في آن، ولعلها تلعب دوراً كبيراً في الخلط والتشتت المصطلحي؛ مما لا شك فيه أن اللغة العربية اليوم تأخذ أكثر مما تعطي، ولذلك يستتبع توحيد المصطلح مشرقاً ومغرباً اعتماد إطار نموذجي موحد حسب النظام المقدم من قبل المنظمة الدولية للتقييس (ISO) خاصة معياريْ: (Norme ISO 16642 وNorme ISO 12620 ) كل ذلك من أجل تملّك رصيد لغوي موحّد لمواجهة صعوبات تدفق العلوم، بما يسمح للغة العربية من إقامة تفاعل مع المعرفة في مختلف مجالات البحث العلمي والاجتماعي والتقني، بصرف النظر عن اللغة المصدر إنجليزية أو فرنسية أو غيرهما، وهذا في تقديري ليس ضعفاً أو قصوراً في اللغة العربية، لأنها تحيا بالاستفادة من اللغات الأخرى، مثلما اللغات الأخرى تحيا بالاستفادة من بعضها بعضاً، والأهمّ في هذه الحالة بالنسبة لكل لغات العالم، هو تملّك ثقافة الآخر بدل مجرد التعرف إليها.

صحيح أن الاعتماد على خلفية لغوية مزدوجة يصعّب مأمورية التوحيد، ولذلك نسعى للتغلب عليها بإحداث ترادفات قريبة في الاستعمال والتداول، بما أن تعدّد المصطلح العربيّ وازدواجيته، مشكلةٌ تعود لتعدّد اللغات الأجنبية، التي تستقي منها العربية مصطلحاتها العلمية، من هنا أهمية توفير المترادفات والمشتركات اللفظية للدلالة، على نفس المفهوم بطريقة علمية ومحكمة وتشاركية بين الهيئات اللغوية المهتمة. 

 

¯ اسمح لي أن أتوقف أيضاً مع دوريتكم المتخصصة المحكمة (اللسان العربي). كيف تساهم هذه المجلة في تطوير الصناعة المعجمية الحديثة في بلادنا العربية، ونحن نعرف أن العمل المعجمي صار صناعة لها مناهجها وتخصصاتها الدقيقة؟

- نعم؛ البحث اللغوي والمعجمي يتطوّر تقنياً وأسلوبياً ويعكس ثقافة عصره. ولذلك، فإن اللغة التي لا تتطوّر تتجمّدُ وتصبح أقرب إلى الموت؛ من هنا أهمية الاهتمام المستمر بتفاعل اللغة مع محيطها (السّوسيو- ثقافي)، والحرص على أن تكون التنمية اللغوية مصحوبة بأبحاث ودراسات علمية، نواصل نشرها في مجلة (اللسان العربي) منذ سنة (1964م)؛ وهي مجلة تعدّ بحقّ مرجعاً للمؤسسات الأكاديمية والهيئات اللغوية والمجامع والجامعات، وللمتخصصين المهتمين بقضايا التعريب والترجمة، كما تعدّ منبراً لنشر أبحاث في مجالات لغوية ومصطلحية متنوعة، تربو اليوم على خمسة آلاف بحث؛ ولعله بفضل هذه الجهود المتواصلة في ميدان تنمية اللّغة العربيّة وصناعة المعاجم الموحدة، والتوسّع في ترجمة وتعريب المصطلح العلمي.

 

إضافة تعليق

8 + 10 =
Solve this simple math problem and enter the result. E.g. for 1+3, enter 4.