كتب النيل اسمها في التاريخ .. الخرطوم تضفي إيقاعاً ثقافياً إفريقياً عربياً

بين نيلين استوت على وجودها، وكأنها تستدرج الأزرق للأبيض، كي تبلل سمرة الطين والكائن في لوحة مائية مرسومة بريشة الطبيعة التي لا تخطئ الجمال، كما لا تغفل عن ذلك التناغم بين حضارة الماء وحضارة الطين، لتكون الخرطوم حاضرة ثقافية بحضورها المختلف عربياً وإفريقياً، شاهدة على ذلك التناغم الحضاري والثقافي والإنساني، وكأنها استلهمت سر الماء وإيقاعه الأبدي، الذي يمنحه للجميع طبيعةً وإنساناً، حضارةً وثقافةً، تنوعاً وانسجاماً، غموضاً ووضوحاً، بساطةً وانسياباً، حقيقةً وخيالاً.

 الخرطوم، كما يشير المؤرخون وكما هي في الحقيقة، تتكون من ثلاث مدن هي: (الخرطوم عموم، الواقعة على الضفة الجنوبية والغربية للنيل الأزرق والضفة الشرقية للنيل الأبيض، وأم درمان، وتقع على الضفة الغربية للنيل الأبيض ونهر النيل، أي المجرى الذي يتكون من النيلين الأزرق والأبيض بعد التقائهما عند نقطة المقرن، والخرطوم بحري، وتقع على الضفة الشمالية للنيل الأزرق والضفة الشرقية لنهر النيل)، ليلتقي التاريخ بالجغرافيا على تفاوت في ظروف النشأة والتكوين، في عاصمة تعرف بالعاصمة المثلثة، أو الخرطوم الولاية التي يقصد بها التجمع الميتروبوليتي، المتكوّن من المدن الثلاث المرتبطة مع بعضها بعضاً جغرافياً وإدارياً واجتماعياً، لتشكل إلى جانب تمازجها الجغرافي، تمازجاً اجتماعياً وثقافياً وحضارياً، كأنموذج للتعايش بين الثقافات والأديان. 

تنبئنا البحوث الأثرية وعلماء الآثار والبحاثة في أصول الأمكنة وتاريخها، بأن الإنسان وجد في الخرطوم منذ العصر الحجري، وأن موقعها كان فيما بعد موطناً لحضارة (علوة)، بينما تقول مصادر أخرى إن الذي تقوم عليه الآن الخرطوم، كان عبارة عن أحراش وغابات، وكان يبعد عن مدينة (سوبا) عاصمة مملكة علوة، نحو (24 كم). وهذا ما ينسجم مع رأي البروفيسور محمد إبراهيم
أبو سليم في كتابه (تاريخ الخرطوم) حيث يقول: (وفد إليها مع غروب شمس سوبا جماعة من المحس عمروا توتي، ومن توتي عبر ولي من أوليائهم النهر ونزل الخرطوم، ليبني هناك منزلاً وخلوة يرتادها الصبيان، ومع نار العلم التي أوقدها هذا الولي بدأ عمران الخرطوم).

أما حين نستفتي التاريخ القريب لتأسيس مدينة الخرطوم، كمدينة لها قوام المدن، فنجد أنها تأسست في عهد محمد علي باشا، عندما أرسل جيشه لضم السودان إلى مُلكه، بقيادة ابنه الثالث إسماعيل كامل باشا عام (1821م)، حيث اتخذها الأتراك في البداية معسكراً لجيوشهم، ثم تحولت إلى عاصمة لهم في عهد عثمان جركس باشا البرنجي عام (1824م) وذلك بعد تعيينه حاكماً على السودان.

وكغيرها من المدن التي تحمل أسماء غريبة تخضع للتفسير والتأويل، كان اسم الخرطوم الغريب نهباً للروايات والتفسيرات والتأويلات، التي تختبر الاسم في طبيعة التكوين الجغرافي، أو في طبيعة التشكيل التاريخي، أو نسبته إلى بعض الروايات الشعبية، فهناك من يقول إن التسمية ترجع إلى شكل قطعة الأرض، التي تقع عليها المدينة، والتي يشقها نهرا النيل ويلتقيان فيها بشكل انحنائي أشبه بخرطوم الفيل، وهو الرأي الراجح، إلا أن الرحالة البريطاني كابتن جيمس جرانت، خلال رحلة استكشافية لمنابع النيل، ذكر أن الاسم مشتق من زهرة القرطم التي كانت تزرع بكثافة في المنطقة لتصديرها إلى مصر لاستخراج الزيت منها للإنارة، وقد استخدمها الرومان عند غزوهم لمصر ووصولهم إلى شمالي السودان، حيث عثروا على زهرة القرطم في موقع الخرطوم الحالي، واستخدموا الزيت المستخرج من حبوبها في علاج جروح جنودهم. وهناك أيضاً تفسيرات أخرى للاسم لا سند لها. 

تضم الخرطوم في ملف تاريخها الجغرافي العتيق العديد من المعالم والمواقع الأثرية، أبرزها القباب التركية الواقعة في الجهة الشرقية من ميدان أبو جنزير في منتصف المدينة، والتي يعود تاريخها إلى بداية الحكم التركي، والمقابر التي دفن فيها مجموعة من القادة الأتراك، علاوة على مجموعة من الآثار المسيحية التي تعود للفترة ما بين القرن السادس والخامس عشر للميلاد، دون أن نغفل المتاحف المختلفة: (المتحف القومي الذي يحوي مجموعة كبيرة من المقتنيات الأثرية والتاريخية، ومتحف التاريخ الطبيعي، وفيه مجموعة كبيرة من الحيوانات كالزواحف والطيور والحشرات، ومتحف القصر الذي يقوم بعرض مجموعة من اللوحات الزيتية والصور الفوتوغرافية التي تعود لعام (1889م).

وحين تأخذنا جولة استكشافية في أحياء المدينة؛ نقرأ ما ذكره الباحث محمد إبراهيم أبوسليم في كتابه (تاريخ الخرطوم) لنقرأ أن المدينة كانت مقسمة إلى أحياء من أهمها: حي الحكمدارية، وحي المسجد، والأحياء الشعبية، مثل حي سلامة الباشا وحي (هبوب ضرباني) وحي الكارة وحي الطوبجية وحي الترس، وغيرها..

أما في استقرائنا للمشهد الثقافي والمعرفي، تشير البحوث في هذا المجال إلى أن الخرطوم عرفت التعليم منذ إنشائها على يد فقهاء مدارس الخلاوي، فقد تزامن تاريخ تأسيسها مع قيام المدارس القرآنية، وفي العهد التركي المصري، تم افتتاح عدة مدارس نظامية حديثة، من بينها: مدرسة الخرطوم الابتدائية، التي افتتحت سنة (1855م) لتعليم أبناء الموظفين الأتراك تحت إشراف العالم رفاعة رافع الطهطاوي، والذي نفي إلى السودان آنذاك.

وتصدر معظم الصحف والمجلات السودانية في الخرطوم، مثل: الرأي العام، وألوان، والانتباهة، والسوداني، والأيام، ومجلة الخرطوم الجديدة، إلى جانب الصحف المحلية الأخرى.

كما تشتهر الخرطوم بالأندية والمراكز الثقافية والاجتماعية والرياضية التي تمثل التفاعل بين الثقافي والسياسي والاجتماعي، حيث يعود تاريخ تأسيس هذه المنتديات إلى فترات قديمة، مثل: نادي السودان الذي أسسه البريطانيون إبان الحكم الثنائي، ليكون ملتقى اجتماعياً لموظفيهم، والنادي العربي وأسسه المصريون، إلى جانب أندية الجاليات المختلفة، مثل النادي السوري والنادي الأرمني والنادي الألماني والنادي اليوناني والنادي الكاثوليكي والنادي الهندي والمركز الثقافي الفرنسي والمركز الثقافي البريطاني، ومعهد جوتة الألماني، إضافة إلى ما شهدته في العقود القليلة الماضية من تأسيس أندية سودانية مماثلة، مثل نادي الضباط ونادي الشرطة. وفي اختبار فعاليات هذه المنتديات تنهض أمامنا فعاليات مختلفة ثقافية واجتماعية ورياضية، خاصة في مواسم الأعياد الدينية والوطنية. كما تستضيف الخرطوم المعهد الدولي لتعليم اللغة العربية لغير الناطقين بها، الذي تم تأسيسه بالتعاون مع المنظمة العربية للتربية والثقافة والعلوم.

وإلى جانب المنتديات والمراكز الثقافية، يُعقد في الخرطوم العديد من الأنشطة والفعاليات الثقافية، من مهرجانات ومعارض وندوات، كمعرض الكتاب السنوي، ومعرض الخرطوم التجاري الدولي، إضافة إلى معارض للفنون الجميلة التطبيقية والتشكيلية. كما ينظم في الخرطوم مهرجان دولي للموسيقا يعرف باسم مهرجان الخرطوم العالمي للموسيقا، تشارك فيه فرق موسيقية من دول مثل: هولندا وألمانيا وموريتانيا والصين وغيرها.. علاوة على اختيارها عاصمة للثقافة العربية للعام (2005)، تقديراً لحضورها الثقافي الأصيل.

وحسب الباحث محمد ابراهيم؛ فإن الخرطوم (مدينة جديدة في مفهومها وفي دورها الذي أُريد لها، وهي جديدة أيضاً لأن الاعتبارات العمرانية التي وضعت كانت تختلف عن اعتبارات مدن السودان التقليدية، فهي قد خططت وشيدت على النمط الذي كان سائداً في بلاد البحر الأبيض المتوسط حسب ما استوحاه المصريون، ولعل السوداني كان يلاحظ هذا الفرق عندما ينتقل من مدينة تقليدية مثل الفاشر وبربر وسنار إلى هذه المدينة الجديدة).

كما أن الخرطوم تضفي على المشهد الثقافي الحضاري العربي إيقاعاً مختلفاً لأنها ربيبة النيلين، وحين يكتب النيل تاريخ المدن، فإنه يمنحها سمة مكانته وعظمته.

إضافة تعليق

6 + 7 =
Solve this simple math problem and enter the result. E.g. for 1+3, enter 4.