الروايتان الفائزتان في بوكر العربية: رحلة للأعماق، وأخرى عبر الآفاق

هذه السنة أيضا ساد ردهات الفندق الذي سيشهد إعلان لجنة تحكيم الجائزة الدولية للرواية العربية (البوكر العربية) جو من الترقب.
حضر العديد من الصحفيين والنقاد والأدباء الى فندق انتركونتننتال أبو ظبي ليشهدوا إعلان الفائز، ولا بد أن للكثيرين منهم مرشحهم الخاص، ولديهم أسبابهم.
ضمت اللائحة القصيرة هذه السنة كاتبتين: السعودية رجاء العالم التي فازت بالجائزة مناصفة مع المغربي محمد الأشعري، والمصرية ميرال الطحاوي. لذلك ربما كان البعض يتوقع فوز إحداهما، حيث لم تفز امرأة حتى الآن.
ولوحظ حضور الأدب المغربي للمرة الأولى في اللائحة القصيرة، في شخص الروائيين محمد الأشعري وبنسالم حميش. وكان أمير تاج السر هو السوداني الأول الذي يصل إلى اللائحة القصيرة.
إذن هناك أكثر من اعتبار والعديد من الملامح المشتركة بين المرشحين، وان كانت لجان التحكيم تؤكد كل مرة أن اعتبارات اختيار الرواية الفائزة مهنية محضة، ولا علاقة لها بجنسية الكاتب أو جنسه أو سنه.
مفاجأة هذه السنة كان الإعلان مفاجأة للجميع، ليس بسبب شخص الفائز ولكن لأن رئيس لجنة التحكيم فاضل العزاوي أعلن فوز روايتين، لا رواية واحدة وبناء عليه سيتقاسم كل من رجاء العالم ومحمد الأشعري الجائزة عن روايتيهما "طوق الحمامة" و"القوس والفراشة" على التوالي.
سألنا العزاوي عن هذا القرار غير المسبوق في تاريخ الجائزة، فقال إن الروايتين كانتا متشابهتين من حيث القيمة الأدبية ولم يكن من العدل إعطاء الجائزة لواحدة منهما دون الاخرى:
رحلتان، وان اختلف الاتجاه على الرغم من اختلاف أجواء ومواضيع الروايتين الفائزتين إلا أن بهما سمات مشتركة.
"طوق الحمام" هي رحلة روحية عبر الزمان والمكان، محاولة لكسر الجدران المادية عبر خلق فضاءات روحية تارة وتارة افتراضية، وأخرى ذهنية.
شخصيات الرواية محاصرة بالجدران والقيود والأساطير، وبعضها يلزم موقعه من الخريطة القسرية، بينما يحاول البعض الأخر الانعتاق عبر خلق علاقات خارج المكان، وأحيانا خارج الزمان.
الإنسان في الرواية ليس محكوما بإعاقة الجسد وقسرية القوانين الطبيعية والاجتماعية التي تحكم حركته أو سكونه، ولكن حدوده تضعها قدرات الروح على التحليق وعبور الفضاءات والانعتاق من الأبعاد الزمانية والمكانية.
هي إذن، رحلة نحو حرية الروح وإمكاناتها اللامحدودة.
"القوس والفراشة" هي رحلة أيضا، وإن من نوع آخر.
تأمل في الماضي ، بمواقفه وأحداثه وعلاقاته، يلجأ إليها بطل الرواية بعد أن فقد حاسة الشم، بالمفهوم الطبيعي والمجازي، فقد أدى حدث مأساوي في حياة هذا اليساري المخضرم (مقتل ابنه الشاب المتفتح على الحياة في أفغانستان وهو يحارب في صفوف طالبان) أدى إلى فقدانه حاسة الشم من جهة، وكذلك فقدانه الاهتمام بما يجري في العالم من حوله من أحداث يعتبرها الآخرون حساسة وجوهرية. الأشياء فقدت إثارتها ونكهتها بالنسبة له.
في رواية "القوس والفراشة" نرافق البطل في رحلته لإعادة بناء حياته انطلاقا من إعادة تقييم تجاربه السابقة وعلاقاته الأسرية والعاطفية والاجتماعية والسياسية، لنصل في النهاية إلى نقطة تعتبر نقلة معقولة، فقد استعاد البطل حاسة الشم، واتجه إلى الحسم (الإيجابي؟) في علاقته بصديقته، رغم أنه لم يتخلص تماما من إحساسه بالمرارة والسلبية نوعا ما في معايشته للمسرات الصغيرة والأحداث الكبيرة في حياته وحياة مجتمعه.

إضافة تعليق