لنقل ما نشاء... قصيدتك تلك غيرت خارطة الشعر العربي

"قل ما تشاء،إني واثقة من أن قصيدتي هذه ستغير خارطة الشعر العربي..."تخبرنا الشاعرة نازك الملائكة بنبوءتها هذه في مقالها المطول "لمحات من سيرة حياتي وثقافتي"، وهذه العبارة كانت ردها على والدها حين استهزأ بقصيدتها "الكوليرا" التي كتبتها بأشطر غير متساوية أو موزونة تعاطفاً مع أنباء ضحايا وباء الكوليرا الذي انتشر في مصر عام 1947. ويبدو أن النبوءة تحققت بالفعل، حيث نشرت القصيدة في مجلة "العروبة" اللبنانية لتثير ضجة في الأوساط الأدبية العربية ليس فقط لمحتواها العاطفي المؤثر، وإنما بشكل رئيسي لأسلوبها التقني الجديد.

تحية لنازك الملائكة في ذكرى رحيلها

نازك، التي ولدت في 23 أغسطس عام 1923 في بغداد وسط عائلة مثقفة لأم شاعرة وأب يعمل معلماً وكاتباً، تذكر أن والدها فرش لها "طريقاً ممهداً رائعاً" لدراستها للغة العربية حين وضع بين يديها مكتبته التي احتوت على متون النحو. وقد حصلت، بالإضافة إلى ليسانس الآداب باللغة العربية من جامعة بغداد، على شهادة من دار المعلمين العالية، كما التحقت بمعهد العالي للفنون لتدرس التمثيل، وتخرجت من قسم الموسيقا بعد اتقانها الغناء والعزف على آلة العود، لتكمل بعدها درجة الماجستير في الأدب المقارن من جامعة ويسكونسن- ماديسون بتقدير امتياز. وبعد ستة عقود زخرت بالمجموعات الشعرية والدراسات والكتب النقدية، رحلت نازك عن عالمنا في 20 يونيو من عام 2007، تاركة خلفها إرثها الثقافي الغني وشهرتها بأنها أول شاعرة عربية حررت الشعر من شكله الكلاسيكي وبنيته العروضية التقليدية.

نستعرض اليوم، بمناسبة مرور 13 عامًا على غيابها، أبرز محطاتها الحياتية والشعرية في هذا المقال.

"أنا وأمي، استمررنا ننظم القصائد الثائرة سراً"

تذكر نازك في سيرة حياتها أن تجربتها الشعرية بدأت قبل عمر السابعة حين نظمت أولى قصائدها باللهجة العامية العراقية، وسمعت والديها وجدها يلقبونها بالشاعرة قبل أن تفهم معنى هذه الكلمة، لأنهم، تقول نازك، "لاحظوا عليّ التقفية، وأذناً حساسة تميز النغم الشعري تمييزاً مبكراً".

وفي سن العاشرة نظمت أول قصيدة فصيحة، وكان في قافيتها خطأ نحوي دفع والدها إلى رمي قصيدتها على الأرض مؤنباً. وسرعان ما تولى بنفسه تعليمها قواعد النحو حين بدأت دراستها المتوسطة، لتظهر تفوقها وتنال أعلى الدرجات. وبسبب ملاحظة عائلتها لموهبتها الشعرية وشدة ولعها بالمطالعة، أعفت الأسرة الشاعرة الصغيرة من المسؤوليات المنزلية، والعائلية إعفاءً تاماً، لتتفرغ لمستقبل أدبي وفكري خالص. في قسم اللغة العربية كانت نازك الطالبة الوحيدة التي اختارت أن تبحث في أطروحة تخرجها موضوعاً نحويً، هو (مدارس النحو) وكان المشرف عليها العلامة الدكتور (مصطفى جواد) الذي تعترف بأثره العميق على حياتها الفكرية وإقبالها على نظم الشعر.

 تشير نازك للعام 1941 على أنه "بداية نضجي الروحي والعاطفي والاجتماعي فضلاً عن أنه العام الذي شهد ثورتنا القومية العظيمة التي هزت كياني هزاً عنيفاً وهي ثورة رشيد عالي الكيلاني، وكنت أتفجر حماسة لتلك الثورة ونظمت حولها القصائد المتحمسة التي لم أنشر منها أي شيء: فسرعان ما انتصر الحكم البوليسي في العراق، ونصبت المشانق للأحرار، ولم يعد في العراق من يستطيع التنفس. ولكننا، أنا وأمي، استمررنا ننظم القصائد الثائرة سراً، ونطويها في دفاترنا الحزينة".

صدرت أول مجموعة شعرية لنازك الملائكة في بغداد عام 1947 تحت عنوان "عاشقة الليل"، لأن الليل كان يرمز عندها إلى "الشعر، والخيال، والأحلام المبهمة، وجمال النجوم، وروعة القمر، والتماع دجلة تحت الأضواء". وبرغم طغيان النزعة الرومانسية الحالمة على قصائد هذا الديوان، إلا أنه حمل بشائر عمق الشاعرة الفكري والفلسفي وعكس حزناً وجودياً وكونياً لديها تجسد من خلال التأمل المشوب بالعزلة والانكفاء في جنح الليل، فهي فتاة "أغرتها الدّواجي والسكون" و"تصبّاها الصمت" كما يرد في نص القصيدة. ولعلها وجدت في هذه النجوى سبيلاً للتأمل والغوص في أعماق أسرار النفس والكون. ويقول الناقد سلمان الواسطي في بحثه "المؤثرات الأجنبية في شعر نازك الملائكة" أن أصداء صوتي المهجري إيليا أبي ماضي، والإنجليزي توماس غراي هي أبرز الأصداء التي تتردد في الديوان.

القصيدة: كائن حيّ ينعزل عن مبدعه

أكدت نازك في ديوانها الثاني "شظايا ورماد" ريادتها للشعر الحديث، الذي تضمن على مقدمة أدبية مسهبة عرضت فيها الشاعرة نظرية عروضية لشعرها الجديد الذي نشرت منه في المجموعة عشر قصائد، محددةً الأوزان الأساسية للشعر الحر. تشير بثينة خالدي، أستاذة مساعدة في الآداب العربية والمقارنة بالجامعة الأمريكية في الشارقة، في دراستها "نازك الملائكة وإدغار آلان بو: شعرهما وتقاربهما الشعري" إلى ما يظهر في تجربة الملائكة الشعرية من تأثر عميق بالشعراء الغربيين أمثال لورد بايرن وجون كيتس، إلا أنها تجد أن شعرها "يدين بالفضل إلى إدغار آلان بو أكثر من أي شاعر غربي آخر"، وترد الباحثة هذا التأثر إلى دراسة الملائكة للشعر باللغات الإنكليزية والفرنسية ودراستها للاتينية.

 

تقرأ خالدي هذا الشبه من خلال تعريف الملائكة للقصيدة في نظريتها على أنها "كيان حي ينعزل عن مبدعه منذ اللحظة الأولى التي يخط فيها على الورق" وهو ما يتفق مع نظرية بو التي اعتبر فيها أن القصيدة "وحدة مستقلة من المعاني المنسجمة". ولذا فإن تغيير الملائكة لأعداد التفعيلة في شعرها المتحرر من البنية العروضية التقليدية يأتي ليؤكد على ضرورة استقلاليتها عبر تحريرها من الرتابة والتكرار، وهو، كما تشير خالدي، شبيه بما خلقه بو من نظرية شعرية تتمرد على التفعيلات المتساوية في الأبيات وتختلف عما تبناه معاصروه من أساليب العروض اليونانية واللاتينية.

وقد تجسد هذا الشبه أيضاً في استعارتها لأسلوبه في التقفية، كما تذكر الملائكة نفسها، في قصيدتها "الجرح الغاضب" التي اقتبستها، تقول، "مباشرة من قصيته البديعة Ulalume”. تخلص الخالدي في بحثها إلى أن أصداء شعر بو في تجربة الملائكة لا تقلل من شأن التجربة بقدر ما تعكس علاقة ما ورثته من الشكل التقليدي بالمحتوى الفردي والصيغة الجديدة الذين برزا في شعرها.

الشاعرة والناقدة والقاصة

صدر الديوان الثالث "قرارة المرح" الصادر سنة 1957، وديوانها الرابع " شجرة القمر" الصادر سنة 1968. وديوانها الخامس "مأساة الحياة وأغنية للإنسان" الصادر سنة 1970 وهو عبارة عن مطولة شعرية واحدة ينتمي إلى المرحلة المبكرة من حياة نازك الشعرية فقد كتبته على مراحل كان آخرها في عام 1965.

 أفردت الكاتبة مساحة غير قليلة من اهتمامها للدراسات النقدية، حيث صدر لها: (قضايا الشعر المعاصر1962)، (الصومعة والشرفة الحمراء1965) و(سيكولوجية الشعر 1993). وتقدم في "الصومعة والشرفة الحمراء"، دراسة نقدية في شعر علي محمود طه اعتبرت من أهمّ الدراسات التي كُتبت في هذا الشاعر المصري.

وفي كتابها "قضايا الشعر المعاصر"، تُعتبر نازك أول شاعرة تصدت نقدياً للشعر الحرّ مؤرخةً لهذه التجربة الحديثة في الشعر. ولعل اعتباره من أهم الكتب التي كتبت في القرن العشرين في هذا الصدد يأتي من انتقاداتها الحادة لحركة الشعر الحداثي الذي وصفته بالابتذال، لأنها تعتبر الوزن والقافية عامودَي الشعر الحر، ومعياره البحر الخليلي نسبة إلى الخليل بن أحمد، وأن إهمال القافية أمر لا يغتفر بالنسبة لها. لقد وضعت حدوداً وقوانين للشعر الحديث، الأمر الذي لم يعجب الكثير من شعراء الحداثة ممن اختلفوا معها حول هذا الكتاب.

لنازك مجموعة قصصية يتيمة، باسم "الشمس التي وراء القمة" صدرت في عام 1997، ويقع الكتاب في 203 صفحات ويضم سبع قصص، وقد قدمها وعلق عليها كل من ولدها البراق عبد الهادي وزوجها ابو البراق عبد الهادي محبوبة. لا تزال المجموعة مغمورة، إذا لا نجد لها دراسات نقدية تذكر. نورد هنا عناوين عدد من قصصها: “منحدر التل” و”قرابين لمندلي المقتولة”، وقصة “الشمس التي وراء القمة”، وقصة “ضفائر السمراء عالية”، وقصة “ياسمين”، إضافة إلى رؤية خاصة لعنيزة وامرئ القيس قدمتها في قصة “رحلة في الأبعاد".

الشاعرة التي نعت الأمل، ونُعِيَت مرتين

قالوا الحياة

هي لونُ عينَيْ ميّتِ

هي وقعُ خَطو القاتلِ المتلفّتِ

...

قالوا النعيمُ ولم أجدْهُ فهل طَوى غدَهُ وماتْ؟

...

قالوا الخلودُ, ولم أجدْ إلاَّ الفناءْ

... 

المتعبونَ بلا ارتياحْ

الضائعونَ بلا انتهاءْ

قالوا وقلتُ وليس يبقى ما يُقالْ

يا لَلخرافةِ! يا لَسُخريةِ الخيالْ!"  من قصيدة "خرافات."

يرد في عدد من مصادر السيرة الذاتية أن الملائكة توفيت عام 1993، وهو ما تذكره مقالة نشرت في المجلة البريطانية لدراسات الشرق الأوسط كتبها الباحث رونق حسين وأستاذ الدراسات العربية الحديثة بجامعة كامبريدج ياسر سليمان، والتي أشارت إلى أن الصحافة العربية تناقلت في أوائل عام 1993 خبراً عن وفاة نازك الملائكة، فبدأت خطابات التعزية تتدفق على عنوان منزلها في بغداد، ونعتها بعض الصحف العربية. ليتبين، بعد أيام قليلة أن نبأ وفاتها كاذب وأنها لا تزال على قيد الحياة وبصحة جيدة. لتصدر لها بعدها مجموعة شعرية أخرى بعنوان "يغير ألوانه البحر"، والتي أتمت كتابتها في عام 1974، لكنها لم تنشر حتى عام 1999، عندما كانت تعيش في عزلة في القاهرة.

ولعل السبب في تلك الإشاعات هو معاناة الملائكة من عدد من الأمراض الجسدية، كان باركنسون أكثرها تأثيراً على صحتها. توفيت الشاعرة في 20 يونيو 2007 عن عمر يناهز 84 عامًا لأسباب طبيعية في مستشفى بالقاهرة. ودفنت في القاهرة بجانب زوجها الذي توفي عام 2005. وقد نعتها العديد من الصحف العالمية مثل نيويورك تايمز التي ذكرت أن الكثير من موضوعات شعرها دارت في فلك التلاشي والخوف من النسيان؛ وصحيفة الغارديان التي لقبتها ب"أكثر شاعرة عربية مؤثرة في القرن العشرين".

"غسلاً للعار"... النسوية المتمردة

شككت نازك في الكثير من أعمالها بالهيكل الذكوري الطاغي على المجتمع، وعبرت عن سخطها على كل الأعراف والتقاليد الذكورية. فنراها تستخدم في قصيدتها "غسلاً للعار"، لغة بسيطة ومباشرة تتناول فيها موضوع جرائم الشرف التي تعطي الحق بقتل امرأة على يد والدها أو شقيقها بسبب علاقة حب قبل الزواج:

وسيأتي الفجر وتسأل عنها الفتياتْ

 "أين تراها؟"  فيردّ الوحش: "قتلناها"

"وصمة عار في جبهتنا وغسلناها"

....

لا بسمة ، لا فرحة ، لا لفتة ، فالمديهْ

ترقبنا في قبضة والدنا وأخينا

وغدا من يدري أيّ قفارْ

سـتوارينا

غسلاً للعـار …!! “

"

 كما كتبت عدة مقالات عن القيود المفروضة على المرأة في المجتمع العربي، وكشخصية ظهرت لديها بوادر الفكر النسوي مبكراً، تمردت الملائكة على النظام الأبوي الذي حرم العديد من النساء من الخيارات في الزواج والعمل. وقد أفرد لكتاباتها هذه فصل خاص في كتاب الأنطولوجيا "فتح البوابات: مختارات من كتابات النسويات العربيات" الذي أعدته ميريام كوك ومارغوت بدران.

في مقال "الملائكة: أزمة الهوية لامرأة عربية" لأستاذة الدراسات الأدبية في قسم اللغة الانكليزية فاطمة علي الخميسي، تكشف الباحثة أن ضيق الملائكة بصرامة المجتمع يظهر بوضوح من خلال تجربتها الشعرية، حيث أكدت رفضها لكل القيود المجتمعية التي تفرض على المرأة.

نازك في الولايات المتحدة وفي البنغال

لا توجد أعمال تتناول ترجمة لدواوين كاملة للشاعرة نازك الملائكة، إلا أن عدداً من كتب الأنطولوجيا والدراسات النقدية باللغة الإنكليزية قدمت ترجمات لبعض قصائدها؛ نذكر منها كتاب محمد مصطفى بدوي "مقدمة للشعر العربي الحديث" (1975) الصادر عن جامعة كامبريدج، الذي تحدث فيه عن شعر الملائكة من خلال قصيدة "السلم المنهار" التي ترجمها بنفسه إلى الإنكليزية. كما قدمت سلمى الخضراء الجيوسي دراسة لتجربة الملائكة الشعرية وترجمة لبعض أعمالها في "أنطولوجيا الشعر العربي الحديث" (1987). ولعل أحدث هذه الكتب هو "شعر النساء العربيات: أنطولوجيا معاصرة" (2000)، الذي قدمت من خلاله الأمريكية من أصل عربي نتالي حنظل ترجمة لبعض قصائدها.  

في مراجعة أدريان ريتش لقصيدة الملائكة عن المناضلة الجزائرية جميلة بوحيرد "نحن وجميلة"التي نقلتها ابتسام بركات للإنكليزية، تخمن ريتش أن إمكانية القصيدة أكبر مما يمكن تقدمه الترجمة. وتسأل ريتش، "هل كانت الترجمة خجولة ، أو ملتزمة بالنقل الحرفي، أو محدودة باللغة الشعرية بالإنجليزية؟"

وبروفيسورة الأدب المقارن في جامعة براون Brown University، إيملي درامستا، التي فازت بجائزة (2018) عن ترجمتها لقصيدة الملائكة "ثورة على الشمس"، تقول لموقع مجلة "الأدب العربي" أنها حاولت توخي ملاحظات ريتش في ترجمتها للملائكة من خلال الإبقاء على تفعيلتها وإيضاح علاقتها بالموسيقى والسحر والتعويذة التي ظهرت في ابتكاراتها الصوتية المأخوذة عن تقفية القصائد الإنكليزية. وبرأيها فإن الترجمة الحرفية للملائكة تعني المساس بتأثيرها المقصود على القارئ (أو المستمع): "لذا حاولت في ترجماتي إحضار شعر الملائكة إلى قراء اللغة الإنجليزية في خطوط تتناغم مع موسيقى التفعيلة" خاصة وأن الملائكة خلقت لنفسها مساحة هي بين التقليد والابتكار، وبين القديم والجديد، على حد تعبيرها.

ومن الملفت عثورنا على ترجمة لديوانها الأول "عاشقة الليل" من قبل الشاعرة والمترجمة البنغالية مالاي روتشودري.

إضافة تعليق

4 + 10 =
Solve this simple math problem and enter the result. E.g. for 1+3, enter 4.