عيد المولد النبوي والمشبك والقدس الحزبية

طل عيد المولد النبوي الشريف هذا العام على مدينة القدس واهلها والغيوم السوداء تتلبد في سماءها ، هذا العيد الذي فقد الكثير من بهجته، فلا حوانيت مفتوحة ولا روائح السوق تفوح، ولا البشر تتراكض باتجاه الأقصى للمشاركة بالاحتفال بعيد المولد النبوي الشريف للاستماع الى المدائح والاناشيد الدينية مدحا للرسول صلى الله عليه وسلم ، ولا ازدحم على محل بيع حلوى المشبك المشهور في شرع الواد او في باب خان الزيت ، فهذه الحلوى تشتهر بها القدس عن غيرها من مدن العالم ، ولا روحانية في فضاء ازقة المدينة التي انتشرت فيها الة القهر والاذلال.
القدس اليوم حزينة والبلدة القديمة يتيمة محبوسة خلف متاريس وحواجز، فلا يحق الدخول اليها الا لنفر قليل هم من الصامدين العابدين، وابوابها مغلقة وحارسها غريب لئيم.
بهذه الأجواء حاول سكان المدينة او بقى منهم بث روح التفاؤل والإبقاء على بصيص الامل فقام صنع الحلوى بإشعال ناره وصنع العجين الخاص ، لإعداد المشبك بألوانه الذهبية والوردية ونكته المميزة، ووضع هذه الحلوى امام حانوته المتواضع الذي كان في يوم من الايام الخوالي نقطة التقاء كل ضيوف الرحمن والذين يحرصون على شراء كيلو او اكثر من حلوى "المشبك" وهم عائدون الى بيوتهم في المدن والقرى والبلدات الفلسطينية ، طبعا بعد أن يكونوا قد شاركوا بالاحتفال النبوي في الأقصى، واستمتعوا بعروض فرق الكشافة المقدسية، واخذوا جرعة من الروحانية المقدسية من خلال الأناشيد والمدائح التي انطلقت بها حناجر فرق المنشودين المقدسيين ، يعود هؤلاء إلى قراهم وبلداتهم وهم في قمة النشوة، ويحملون ذكريات لن تنسى على مر الزمن ، فالمولد النبوي في القدس له نكهة تختلف عن أي عيد اخر.
والذي يميز المولد هو تلك الحلوى الذيدة فالمشبك هو عبارة عن أقراص حلوى مقرمشة، محضرة من العجين المقلي والمغمس في القطر تتميز بحلاوتها وأشكالها المتشابكة والوانها الذهبية والوردية التي أصبحت علامة مميزة للقدس.
اما بالنسبة للعائلات المقدسية فان عيد المولد النبوي الشريف له طابع خاص، كما يقول الدكتور "علي قليبو" الكاتب والفنان المقدسي وأستاذ علم الاجتماع في حديث الذكريات مع "أخبار البلد"
" يومض المولد النبوي الشريف في ذاكرتي ليبث الحنين الى ايام الزمن الجميل بالقدس, الى الايام حين كان المولد عيدا بطقوسه الاجتماعية ونكهته المميزة والوانه البهية ....تتواثب الصور لتنقلني الى ذلك العالم السحري حين كانت القدس تعج حيوية استعدادا للعيد وقبل النكسة والاحتلال.
لون "المشبك" تحت ضوء اللمبة الصفراء المتدلية في متاجر الحلويات تتصدر الصورة المنقوشة في ذاكرتي تقابلها صورة اجتماع العائلة على مائدة جدتي "ام محمد" فكان الديك الرومي وليمة المولد يتلوه قراءة والدي لبضع آيات من القران الكريم ، ثم ينتقل الى إنشاد الموشحات دينية ومدائح نبوية بصوته الشجي ، فوالدي كان يعزف على العود والبيانو ويتمتع بصوت جميل, وفي ايام اخرى كان يغني لسيد درويش وعبد الوهاب في البيت, لكن في المولد كان يقتصر غناؤه على المدائح النبوية نرافقه جميعا في انشادها ، فالذكر والاغاني الدينية كانت جزءا من حياتنا ولا غرابة في ذلك حيث انه من سلالة شيوخ واصحاب طريقة تعود الى العصر الايوبي ...
لقد كان طعام المولد النبوي في بيت جدي "يعقوب نسيبه" بخلاف بقية الاعياد يتكون من ديك الحبش المحشي بتتبيلة الرز والصنوبر واللوز واللحم تفوح رائحته الشهية. اتذكره وقد نضج وتحمر لونه يتوسط المائدة الكبيرة، وجدتي تترأس البيت تحيط بها شقيقاتها واخوالي وخالاتي في لوحة تشكيلية انطباعية لحفل عائلي بهيج انطبعت في ذاكرتي بلون المشبك الزهري الذي يشوبه ظلال حمراء واخرى عنبرية تحت غلالة من القطر... تبرق في مخيلتي دفئا وطمانينة مع كثير من الحنين الى الماضي الجميل.
كان اهلي يحتفلون بالمولد النبوي الشريف كحدث ديني يتلى فيه القران - بعد الانتهاء من الطعام- وتنشد فيه القصائد الدينية يشدو بالقصائد الدينية ."طلع البدر علينا " و " الكعبة البي هاويها" و "على بلد المحبوب " كلمات وابيات يتردد صداها ما زالت تسكنني.
كان المولد عيدا يتميز بالراحة والانسجام العائلي على النطاق الضيق فلا واجبات ولا زيارات مكثفة مثل "عجقة" العيد الكبير والعيد الصغير ، فكان له بهجته الخاصة وكنا ننعم بالحرية والتي تلاشت مع مرور الزمن، واختفت تحت وطأة الاحتلال البغيض"

إضافة تعليق