الذاكرة والرواية الجمعية في جديد الكاتبة الفلسطينية نسب أديب حسين

تظهر أهمية الذاكرة كأحد عناصر الهوية الفلسطينية، والرواية الجمعية كوسيلة مهمّة للحفاظ عليها، بصورة جليّة في بحثين صدرا مؤخرًا للكاتبة الفلسطينية نسب أديب حسين، رغم اختلاف البحثين في النوع والفترة الزمنية والموضوع.

الكتاب الأول "المتاحف والصراع الفلسطيني الإسرائيلي على هوية القدس الثقافية المعاصرة" الصادر عن وزارة الثقافية الفلسطينية، هو كتاب ثقافي معاصر، يقع في 300 صفحة من القطع المتوسط.

يستعرض في فصوله الثلاثة الأولى أهمية المتاحف كجزء من المشهد الثقافي وأداة للتعبير عن الرواية الجمعية وحفظ الذاكرة، ومفاهيم الهوية والثقافة، ومركبات الهوية الثقافية الفلسطينية للقدس، ولمحة تاريخية سريعة للحياة الثقافية في القدس، والاعتداءات على الملكيات الثقافية. أمّا الفصل الرابع والذي يشكّل الجزء الأكبر من الكتاب، فيستعرض عشرة متاحف في القدس ثلاثة متاحف فلسطينية وسبعة تحت الإدارة الإسرائيلية.

بالاعتماد على أسلوب الملاحظة والبحث الميداني، تُستعرض المتاحف وروايتها ضمن خمسة معايير، بالإضافة إلى إضاءة نقدية تبيّن رأيها تجاه ما يُعرض.تعمل الباحثة على المقارنة الكلية بين هذه المعايير، والروايات الفلسطينية والإسرائيلية المعروضة للجمهور، مبيّنة في الفصل الختامي، أهميّة المتاحف كموقع سياحي وتربوي في تقديم الرواية الجمعية، وقدراتها من خلال الوسائل المختلفة على إيصال رسالتها محليًا وعالميًا، منادية بأهمية تطوير المتاحف الفلسطينية كموقع يحافظ على الذاكرة والآثار، وتوسيع شريحة روادها وأهمية صياغة رواية جمعية.

 أمّا الكتاب الثاني "الرامة.. رواية لم ترو بعد" الذي تشاركت فيه مع والدها المرحوم د. أديب القاسم حسين، فهو بحثٌ تاريخي اجتماعي موسوعيٌ في 640 صفحة من القطع الكبير، صادر عن دار طباق للنشر والتوزيع – رام الله ومتحف البيت القديم في الرامة.

 يُقدم الكتاب المقسم إلى ثلاثة فصول ومردف بأربعة ملاحق، مُقترحًا للرواية الجمعية، لقرية الرامة الواقعة في مركز الجليل الأعلى الفلسطيني، على مدى قرن من الزمن لفترة 1870-1970م. تطرح الرواية العديد من جوانب الحياة اليومية مثل الجانب التاريخي الزراعي، الاقتصادي، الاجتماعي، الثقافي الصحي، وغيرها من المشاهد التي تبيّن جزءً من مجتمع نموذجي متعددٍ من أبناء الشعب الفلسطيني كان في طريقه الى التحضر، ولتحويل قريته الى مدينة، حتى اصطدم بالنكبة ووقوعه تحت الاحتلال الإسرائيلي في ثلاثين من تشرين الأول من 1948. ليُقدّم الكتاب عبر الذاكرة والروايات الخاصة لمجموعة من سكان القرية، العديد من تفاصيل الاحتلال وتأثيرات فترة الحكم العسكري الإسرائيلي التي استمرت حتّى عام 1966م. هذا ويستعرض تحت عنوان "نسب الرامة" أصول عائلات القرية حتّى عام 1948، وأشجار أنسابها في بحث أنثروبولوجي عن القرية. وتعتبر الكاتبة أنّ هذا العمل هو جزء من الرد على الفلسطيني على الرواية الصهيونية التي تدّعي "أن فلسطين أرض بلا شعب لشعب بلا أرض"، وأنّ روايةَ هذه القريةِ هي نموذجٌ مصغرٌ لرواية فلسطين.

ترى الكاتبة التي لها خمسة إصدارات أدبية سابقة في القصة القصيرة واليوميات والرواية، أنّ هذين البحثين هما حصيلة عملها الثقافي في السنوات الخمس الأخيرة، فقد جاء الإصدار الأول على أثر دراستها للّقب الثاني في "الدراسات المقدسية" عن جامعة القدس، ليكون موضوع بحثها وتخصصها في مجال الهوية الثقافية للقدس.

 وتعتبر الأديبة نسب، وهي ابنة أخ الشاعر الفلسطيني المعروف سميح القاسم،  أنّ المقاومة الثقافية من أهمّ الميادين التي يجب الانتباه إليها والاهتمام بها، في المدينة التي يسعى الاحتلال الإسرائيلي لتهويد هويتها بالكثير من الوسائل، وبنشر روايته المروجة لحقّه فيها، مبيّنة الأساليب المتبعة لهذا عن طريق المتاحف الإسرائيلية، والتي يقصدها ملايين الزوار سنويًا (عدد الزوار لسبعة من بين اثنين وعشرين متحفًا في القدس لعام 2016 يزيد على مليون ومئتي ألف)، فيما لا تستطيع المتاحف الفلسطينية على قلّتها في المدينة المجاراة في العرض، أواستقطاب عدد واسع من الجمهور، وتمرير روايتها.

على أثر هذا البحث، ازداد اهتمام نسب بالرواية الجمعية وأهمية صياغتها، فقامت بتطوير العرض في المتحف التراثي الذي أسسته وتديره في قريتها الرامة منذ عام 2006، تحت اسم (البيت القديم متحف د. أديب القاسم حسين). هذا المتحف المُقام في بيتين قديمين يعود بناؤهما إلى ما يزيد على ثلاثة قرون، يستعرض جوانب كثيرة من الحياة اليومية لسكان القرية في مطلع القرن الماضي، من الأدوات التي استخدموها وأسلوب حياتهم، ومجموعة مهمّة من الصور واللوحات والوثائق. بالإضافة إلى الندوات والنشاطات الثقافية التي تعقدها من خلال المتحف، قرّرت الكاتبة الخروج بإصدار بحثي عن هذه القرية، عاملة على تطوير بحث أنساب القرية الذي شرع فيه والدها المرحوم د. أديب القاسم حسين (1929-1993م). مستفيدة من أوراق عائلية جمعها والدها من فترات القرن التاسع عشر والعشرين من سكان القرية، وممّا وجدت من معلومات في ذات المجال في أرشيف الصحف الفلسطينية، وأرشيفات إسرائيلية، وما نُشر من أدبيات. لتعقد على مدار عامين ما يزيد على ستين مقابلة لتؤرخ الرواية الشفوية، معتمدة على كلّ هذا للخروج بـ "الرامة.. رواية لم تُرو بعد" كعمل بحثي صادر عن المتحف بالتعاون مع دار طباق.

تعتبر نسب أنّ هذين الإصدارين حول هوية القدس الثقافية، وذاكرة قرية مركزية في الجليل المحتل عام 1948، هما أداتان معرفيتان تنير جوانب في الرواية الفلسطينية الجمعية، وجزء من العمل الثقافي الفلسطيني المقاوم لرواية الاحتلال.

إضافة تعليق

1 + 9 =
Solve this simple math problem and enter the result. E.g. for 1+3, enter 4.