لماذا نعجز أحياناً عن مصادقة أبنائنا؟

ألن يكون من الرائع بحق أن نصبح أصدقاء لأبنائنا؟ فهم أطفالنا في المقام الأول ونريدهم أن يشعروا بأنهم قريبون منا؛ كما نريدهم أن يستمتعوا بقضاء الوقت معنا. وما الضير في ذلك؟ ليس هناك من عيب في الرغبة في أن نحظى بعلاقة وثيقة مع أطفالنا. بل على العكس، فإن التفكير في ذلك هو أمر جيد. في الواقع، يمكننا أن نصبح قريبين لأبنائنا وودودين معهم بالقدر الذي نبتغيه.
لكننا نعجز أن نكون أصدقاءً لهم. والسبب في ذلك هو حقيقة واحدة بسيطة، وهو أننا مسؤولون عن المساعدة في إبقائهم سالمين. وهذا يعني أنه في بعض الأحيان يتعين علينا "فرض سلطتنا" عليهم والتحكم في قراراتهم، الأمر الذي يجعل فكرة تكوين صداقة فعلية معهم مستحيلة. إذ لا يتحكم الأصدقاء في اختيارات أصدقائهم. صحيح أنهم يقدمون النصائح، ولكن الأصدقاء أحرار في اتخاذ قراراتهم الخاصة، وهو ما لا يسري على أبنائك في بعض الأحيان.
على سبيل المثال: إن أخبرت صديقي المفضل أنني سأذهب للغطس بالقفز من فوق منحدر يبلغ ارتفاعه 100 قدم، على الأغلب أن صديقي سوف يتهمني بالجنون، أو يخبرني أن هذا القرار غير آمن. وبلا شك سيكون لديه الكثير ليقوله حول سبب عدم وجوب القيام بتلك القفزة. على أي حال، لم أذهب قط للقفز من فوق منحدر، وهناك احتمالات أنه من غير المحبذ القفز من فوق منحدر على ارتفاع مئة قدم للغوص لأول مرة. ومع ذلك، سأكون صاحب القرار النهائي في هذا الأمر. وسوف يتعين على صديقي التسليم بحقيقة أن هذا هو اختياري. وما إن ينتهي من إبداء رأيه حول الشأن، ستكون لديّ الإرادة الحرة لفعل ما أريد.
لهذا صديقي هو صديقي وأبنائي هم أطفالي! فإذا أخبرتني ابنتي البالغة من العمر 14 عاماً الأمر ذاته وأنها بصدد الذهاب للغطس مع أصدقائها بالقفز من فوق منحدر يبلغ ارتفاعه 100 قدم سأرفض بالطبع. ولن آذن لها، سأكون حازماً وأوضح أنها لن تفعل ذلك. صحيح أنها قد تنزعج، ولكنها في رعايتي، وسأبذل قصارى جهدي لإبقائها في مأمن من الأذى.
هذا حقاً هو السبب الوحيد الذي نحتاج إلى معرفته في ضوء فهم لِمَ لا يمكننا أن نكون أصدقاء حقاً لأطفالنا. بالطبع، أنا أشير إلى أبنائنا باعتبارهم أطفالاً. وما إن يصبحوا بالغين، يمكن أن تتغير القواعد، وعند هذه النقطة يمكن للصداقة الحقيقية أن تحدث. بعد كل شيء، ما إن يصبحوا بالغين يكون في وسعنا تقديم كل النصائح التي نريدها، ويمكنهم هم اتخاذ خياراتهم الخاصة.
من المؤكد أن هناك أسباباً أخرى تمنعنا من أن نصبح أصدقاء حقاً لأطفالنا. ومع ذلك، فإن حقيقة أننا نتمتع بسلطة عليهم ويمكننا نقض قراراتهم تهمِّش سائر الأسباب الأخرى. في الوقت الذي يتعين علينا جميعاً الاستمتاع بصحبة أطفالنا أثناء نموهم، وأن نصبح أفضل آباء يمكن أن يحظوا بهم، نحتاج أيضاً إلى إدراك أنهم ما زالوا أطفالاً. إذ إننا في مراحل مختلفة من حياتنا عما هم فيها. من ثم، يحتاجون إلى توجيهنا وحمايتنا لمساعدتهم على النضج بأمان. ولأن خبرتهم في الحياة أقل، نطالب نحن أحياناً باتخاذ خيارات لا تعجب الطفل. قد نضطر إلى التحكم في قراراتهم في بعض الأحيان وحملهم على الامتثال لما نعتقد أنه الأفضل لهم، وهذا يخلق درجات قوة غير متكافئة بيننا وبينهم.
النبأ السار أنه عندما نُرسي حدوداً لسلوكياتهم وخطوطاً فاصلة لما هو مقبول في أسرنا، فإننا بذلك نساعدهم في الوصول لرؤية أوضح لما يعنيه أن يكونوا جزءاً من أسرة سوية. من شأن هذا الوعي بوجود حدود لتصرفاتهم، أن يؤدي في النهاية إلى شعور الأطفال بالأمان والاطمئنان، حتى وإن أثار استياءهم في بادئ الأمر. وهذا بدوره يؤدي إلى أن يكون الأطفال أكثر اطمئناناً وصحةً، الأمر الذي نأمل أن يصبح تعويضاً مرضياً لعدم قدرتك على أن تكون صديقاً حقيقياً لهم.
– هذا الموضوع مترجم عن مجلة Psychology Today الأمريكية.

إضافة تعليق