صنّاع الثقافة المعاصرة

يركز كتاب (مديح الجمهور) للمفكر الفرنسي دومينيك والتون, على تطور الاتصالات المرئية- المسموعة المعاصرة خصوصاً لجهة علاقتها مع العولمة, ويتناول والتون في الكتاب أسئلة متنوعة عن هذه الإشكالية 

ويتحدث عن قدرة الميديا الرقمية المعولمة على اعادة تشكيل المجتمعات المتنوعة, فتصبح بعض أقسامها جزءاً من كتل عابرة للدول والهويات والحدود تلقى دعما من طرف صناع الثقافة المعاصرة, وفي كتابه الأشهر (العولمة الأخرى) يتناول والتون الثقافات الشعبية وهوياتها التي تعرضت للابتزاز مع العولمة, ويرى أن هذا المزيج أضحى متفجرا بأثر من وجود حركتين متناقضتين, فمن جهة هناك عولمة الثقافات ولا سيما الموسيقا التي نسميها موسيقا العالم, وهي بالتأكيد أحد الوجوه الإيجابية للعولمة, لأن هذه الموسيقا تنتشر من قارة لأخرى, وتعتبر عامل انفتاح وتسامح, وأبعد من ذلك عولمة الثقافة ترتكز أيضاً على الانفتاح في السينما والراديو والتلفزيون وغيرها.

في المقابل, يبرز تصغير و (أحياناً تدمير) الثقافات المحلية التي لا تملك الوسائل التقنية والاقتصادية كي تسمع صوتها, إذ تبدو العولمة مواتية لشكل محدد من الثقافة, لكنها تسحق الآخرين الذين لا يملكون وسائل للانتفاض.‏ ‏

ويتبادر إلى الذهن هنا قول نيلسون مانديلا: إن ثلثي سكان العالم لم يجروا مكالمة هاتفية وحيدة طيلة حياتهم, ويشير المعهد التنموي إلى أن معظم الدول النامية لا تمتلك نظام اتصال هاتفي يعمل بكفاءة, برغم كونه عمود الخيمة الأساسي في تكنولوجيا المعلومات, وهذا ما اتفق على تسميته بالفجوة الرقمية التي تشير إلى الفارق بين من يمتلك المعلومة ومن يفتقر إليها, وظهر هذا المصطلح في الولايات المتحدة عند نهاية التسعينيات من القرن العشرين, ويعكس الفروق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية والنوعية والعمرية وثنائية الريف والحضر وغيرها, ولا يمكن اعتبار الفجوة الرقمية مشكلة تكنولوجية, بل إنها ترتبط بالفجوات الأخرى الاقتصادية والاجتماعية.‏ ‏

وسائط الميديا الرقمية المعولمة فرضت نوعاً من يقظة الوعي الكوني لتفاقم اللامساواة الاقتصادية والاجتماعية.

 

‏ ‏

ويصاحب ذلك انتفاض ضد فرض وحدة المعايير ثقافياً,وبحسب والتون: في هذه اللحظة تبرز أصوات لها مطالب ثقافية تتمحور حول الحفاظ على المحلي في اللغة والترجمة والأديان والموسيقا والمسرح والسينما والأدب.‏ ‏

شبكة الإنترنت غدت وسيلة أساسية لصناعة الثقافة المعاصرة كون الشبكة أتاحت لجيل الشباب هامشاً فسيحاً لتفكيك علاقة السلطة الهرمية مع آبائهم ومعلميهم ما يستلزم إعادة النظر في طرق التعليم ومناهجه, وتوظيف المزايا الكثيرة للإنترنت والحاسوب لخلق أنماط جديدة للتعليم على الصعيد الصحفي يقول المفكر (دون تابسكوت في كتابه البلوغ رقمياً صعود جيل الشبكة): في منتصف التسعينيات من القرن الماضي, بدأت الأوساط الصحفية والأكاديمية تدرك أن صحافة الإنترنت طرحت نماذج جديدة ليست لها علاقة بمفاهيم الصحافة التقليدية ومعاييرها, إذ بدأ ظهور نمط جديد من الصحافة التي يتولاها أفراد لا تربطهم علاقة بالمؤسسات الصحافية. وأطلق على هذه الظاهرة (صحافة المواطن) وكان بعض الخبراء قد تنبأ بأن 50% من الإنتاج الصحافي سيتم بأيدي المواطنين في عام 2021 حيث تتيح صحافة المواطن للناس العاديين, التعبير عن أفكارهم وآرائهم من دون التقيد بمعايير مهنية.‏ ‏

المفكر تابسكوت يرى أن ثمة إشكالية فكرية في الثورة العلمية والتكنولوجية في الاتصال والمعلومات, وعلاقتها بالحداثة وما بعدها, فهناك تيار يربط الخطاب الحداثي بالمعايير المتمركزة حول الثقافة, كما يؤمن بنوع من الحتمية المعلوماتية كنظام تكنولوجي- اجتماعي يرتكز على المعلوماتية, بالمقابل هناك تيار آخر يتمثل في خطاب نقدي يستعين بالمدخل الاجتماعي الثقافي, كي يكشف تناقضات العولمة.‏ ‏

ويرى الخبراء أن النشاطات الممارسة في شبكة الإنترنت ترتبط ببيئة منفكة عن الزمان والمكان اللذين ارتبط بهما الإنسان تقليدياً حيث أدت هذه المستجدات إلى ظهور مكونات مجتمعية تصوغ الإنسان في اطار ما يسمى (تنشئة الانترنت) التي تهتم بخدمة السوق المعولمة عبر الإعلام والثقافة والتعليم الالكتروني وبرامج المعلومات المعولمة, وترافق ذلك مع تصاعد هيمنة البرمجيات على تفكير الأفراد وسلوكهم في مجتمع الإنترنت, وثمة خطورة واضحة في ما يمكن أن تأتي به هذه المنظومة من تغييرات في القيم والعلاقات والوعي والثقافة والسلوك الاجتماعي, جملة هذه المعطيات تبرز مسؤولية البحث العلمي في مختلف علوم الاجتماع والنفس والإدارة واللغويات والإعلام والمعلوماتية وغيرها لتحديد ملامح الثقافة المعاصرة وآليات التعامل معها.‏‏

 

إضافة تعليق

1 + 18 =
Solve this simple math problem and enter the result. E.g. for 1+3, enter 4.