مقدمة لدراسة الصراع العربي الإسرائيلي

لمن ينصح بهذا الكتاب؟..لمن يرغب بمعرفة من هم اليهود ومن هم الصهاينة.لمن يتساءل:هل لليهود تاريخ أم لا تاريخ لهم؟،وهل هم بنية واحدة أم مجرد جماعات غير مترابطة، ولا تعرف عن بعضها شيئا؟
عن الكتاب:
يقدم كتاب (مقدمة لدراسة الصراع العربي الإسرائيلي)، رؤية شاملة عن اليهود كجماعات متغايرة ومشتتة، وعن الصهيونية كفصيل نشأ وترعرع في البلدان الاستعمارية الغربية، ولم ينشأ في الأوساط اليهودية المتباعدة أصلاً.
عن المؤلف
عبدالوهاب محمد المسيري (أكتوبر 1938 – 3 يوليو 2008)، مفكر وعالم اجتماعي مصري، وهو مؤلف موسوعة اليهود واليهودية والصهيونية، أحد أكبر الأعمال الموسوعية العربية في القرن العشرين.
ماذا سنتعلم في هذا الكتاب؟
- وهم التاريخ اليهودي.
- اليهود من الناحية الأثنية أو العرقية.
- اليهود من الناحية الدينية.
- يهود أم صهاينة؟
المقدمة
لقد كان العرب مدركين تمام الإدراك حقيقة وجوهر الصهيونية، والتي ترعرعت ونشأت على يد الاستعمار الغربي. وبالرغم من المحاولات التي أعلن عنها الصهاينة عن الحوار والسلام والتفاوض والأخوة العربية اليهودية، والأخذ بيد العرب، إلا أن العرب كانوا على معرفة بحقيقة الصهيونية، وأنها تسعى إلى أن تغيبهم وتهمشهم. وحسب تصور الصهاينة فإن العرب كائنات غائبة متخلفة وهامشية لا تفهم سوى لغة القوة، وأنهم في نهاية المطاف سيكتفون بدولة بلا سيادة، وانهم سيبقون خائفين راضين بحياتهم المتخلفة.
جاءت انتفاضة 1987، وبرز هذا العربي الغائب وفي يده حجر يشجُ به رأس الصهيوني، ويدرك هذا الصهيوني فجأة إن فلسطين أرض لها شعب. ثم جاءت انتفاضة الأقصى والاستقلال لتقضي على ما تبقى من أوهام لدى الصهاينة، ولتذهب بمقولة أن العربي متخلف وهامشي أدراج الرياح.
وهم التاريخ اليهودي
من أجل أن يتسنى لنا فهم موضوع الجماعات اليهودية والصهيونية لابد من ترك التعميمات والقوالب اللفظية الجاهزة، والتي منها كلمة (اليهود) والتي تشير إلى اليهود بشكل مطلق، وكأنهم أمة واحدة متجانسة لهم نفس التاريخ، والمصالح، وكأن الروابط المشتركة بينهم أكثر من تلك الغير مشتركة.
إن وجود تاريخ يهودي يقتضي وجود بناء تاريخي يهودي مستقل، له مراحله وفتراته التاريخية، وله قوانينه الخاصة. ويجب أن يقتصر هذا التاريخ على وجود اليهود فيه، بتفاعلاتهم الدينية والاجتماعية والاقتصادية والحضارية، بشكل مستقل ومترابط مع مراحله. وهذا البناء التاريخي لا بد أن يحتوي على فئة معينة من الناس لا تتواجد خارجه، ولا يمكن فهم سلوكهم إلا في إطاره.
ووفقاً لهذه الشروط، فاليهود ليس لهم تاريخ، فقد ثبت تاريخياً أن اليهود لم تكن سوى جماعات منتشرة في مجتمعات مختلفة لها بُنى حضارية متغيرة بتغير الزمان والمكان. ففي القرن التاسع عشر، كانوا يهود اليمن يعيشون في مجتمع صحراوي قبلي عربي، أما يهود هولندا في الفترة نفسها فكانوا يعيشون في مجتمع مدني رأسمالي غربي. وهنا نجد أن ليهود اليمن رؤية ونمط سلوك تحكمهما عناصر البناء التاريخي العربي الذي يعيشون فيه، تماما كما تحكم سلوكَ يهود هولندا ورؤيتهم مكوناتُ البناء التاريخي الغربي الهولندي.
ولو قلنا أن لليهود تاريخ، فبالطبع لكل تاريخ مجريات وأحداث، إذن أينها من اليهود؟ هل هي الثورة الصناعية مثلاً؟ سنجد أن الثورة الصناعية أحدثت أعمق الأثر في يهود العالم، فغيرت نمط حياتهم ورؤيتهم للكون، وهذا التغيير لم يحدث لليهود كونهم يهوداً، وانما لكونهم أقلية متواجدة داخل البناء الحضاري الغربي. ونجد أن يهود أثيوبيا لم يتأثروا بتلك التحولات؛ لأنهم كانوا بمعزل عنها، وكذلك يهود العالم العربي.
وبالحديث عن الموروث الثقافي للفرد اليهودي، سنجد أن لغته حديثة مختلفة باختلاف المجتمع الذي يعيش فيه. فتجده يتحدث الإنجليزية في البلاد التي تتحدث الإنجليزية والفرنسية في البلاد التي تتحدث الفرنسية، وهكذا.
ويعتبرُ الصهاينة أن لهجتي اللادينو واليديشية تُعبران عن الاستقلالية اليهودية، بيد أنه من الجلي أن ظاهرة اللهجة المستقلة ليست حكراً على اليهود، فالعديد من الأقليات ممن يمارسون وظيفة معينة، يحتفظون بلغتهم كوسيلة للحديث بينهم. فنجد مثلا، أن الأرمن في الدولة العثمانية والصينيون في جنوب شرق آسيا، يتحدثون بلغتهم الأصلية ويحتفظون بتماسكهم، لكن بزوال وظيفتهم يرحلون عن الوطن أو يندمجون فيه.
ونجد المؤلفين اليهود يدونون مؤلفاتهم بلغة أوطانهم، ولا يكتب بالعبرية سوى المؤلفين الإسرائيليين. وإذا غضّينا الطرف عن عامل اللغة، وهو شديد الأهمية، وحوّلنا أنظارنا إلى الأدب والفن، سنكتشف أن التقاليد الأدبية والفنية التي يبدع فيها المؤلفون والفنانون اليهود هي تقاليد بلدانهم التي يعيشون فيها. وهذا ينطبق على الأزياء والأطعمة والطرز المعمارية. ولو عاد الباحث إلى مفهوم الهوية اليهودية العامة والعالمية لتاه وضل السبيل.
اليهود من الناحية الأثنية أو العرقية
إن الانتماء إلى اليهودية إما أن يكون على أساس عقائدي أو أساس عرقي. ففي الأساس العقائدي يكون بالتهود بالإنتماء؛ أما في الأساس العرقي يكون اَلْمُتَهَوِّد لأُم يهودية. وينفرد الشرع اليهودي في بقاء المُلحِد يهودياً على الرغم من إلحاده. وتُصنف الجماعات اليهودية على أساس عرقي وديني. ففي الأساس العرقي نجد أن الجماعات اليهودية لها ثلاثة أعراق: يهود السفارديم، يهود الشرق والعالم الإسلامي، ويهود الإشكناز.
إن يهود السفارديم هم من يتحدثون لهجة اللادينو، وهم من سلالة يهود شبه جزيرة أيبيريا. وبعد طردهم منها توجهوا لتركيا واليونان وشمال أفريقيا، ولهم طقوسهم الدينية الخاصة، كما أن عبريتهم مختلفة عن عبرية الإشكناز. ويوجد عداء مستمر بين السفارد والإشكناز. فالسفارد هم ارستقراطية اليهود، وكان بقاء الاشكناز في أماكن تجمع السفارد يسبب الحرج لهم، وكانوا لا يتعبدون معهم ولا يزوجون منهم، ولكن الحظ حالف الاشكناز بعد إعلان دولة إسرائيل.
إن إتباع يهود الشرق والعالم الإسلامي للطريقة السفاردية في العبادة، لا يعني بتاتاً أنهم سفارد؛ لأن تجربتهم الثقافية والدينية والتاريخية مختلفة بالمجمل. وينقسم يهود العالم الإسلامي إلى عدة أقسام، أهمها يهود البلاد العربية أو اليهود المستعربة الذين استوعبوا التراث العربي وأصبحوا جزءاً منه.
أما الإشكناز فيرجع أصلهم إلى ألمانيا (إشكناز بالعبرية)، وهم أساس يهود روسيا وبولندا، ولغتهم (أو بالأحرى لهجتهم) هي اليديشية. والمثير للسخرية أنه وقتما كان الإشكناز يهاجرون من بولندا إلى هولندا وإنجلترا ثم الولايات المتحدة، كانت المجتمعات المضيفة فيها ومنهم أعضاء الجماعة اليهودية، تعتبرهم متخلفين. إن العديد من الحركات الفكرية اليهودية ظهرت من الإشكناز، مثل: حركة الاستنارة اليهودية، اليهودية الإصلاحية، اليهودية المحافظة، قومية الدياسبورا، البوند، وأخيراً الصهيونية التي نشأت كحركة اشكنازية تهدف لتأسيس دولة اشكنازية، ولكن يهود الشرق والعالم الإسلامي وبقايا السفارد أنهوا أمرها.
اليهود من الناحية الدينية
ومن الناحية الدينية، ينقسم يهود العالم إلى قسمين أساسين: يهود أثنيون ويهود يؤمنون بصيغة معينة من صيغ العقيدة اليهودية. أما اليهود الأثنيون فهم الذين فقدوا علاقتهم بالعقيدة اليهودية، ولم يعد يربطه باليهودية سوى الموروث الثقافي ونمط الحياة، ولهذا تسمى هذه الفئة من اليهود بالملحدين أو العلمانيين، وما يزيد على نصف سكان أمريكا هم من هذه الفئة من اليهود. أما في روسيا فعددهم أكثر مما في أمريكا.
أما الذين يؤمنون بصيغة عقدية معينة، فهم اليهود الأرثوذكس، يهود الإصلاح، ويهود المحافظين. فاليهودية الأرثوذكسية هي وارثة اليهودية الحاخامية، وهي صيغة عقدية برزت بين الجماعة اليهودية الاساسية في الغرب في العصور الوسطى وحتى نهاية القرن التاسع عشر، ويؤمن اليهود الأرثوذكس بأن التوراة مرسلة من عند الإله وبأن كل ما جاء فيها ملزم.
وعلى الرغم من أن ألمانيا مهد الإصلاح الديني المسيحي، إلا أنها أيضاً مهد الإصلاح اليهودي الذي يُعد تطبيقا لفكر عصر الاستنارة، الذي يُخضِع كل شيء للعقل. وتحاول اليهودية الإصلاحية أن تفصل المكون الديني عن العرقي في العقيدة اليهودية، تريد أن يكون اليهودي مواطناً في الشارع ويهودياً في بيته.
أما اليهودية المحافظة فليست سوى زُمرة من التيارات الفكرية التي ترى أن الإيمان بالعقيدة اليهودية هو تراث مستمر في التطور بشكل دائم، على مدى التاريخ. ونجد أنّ الإصلاحيين والمحافظين لا يؤمنون بأن الكتاب المقدس هو مرسل من عند الإله، وإنما هو مجموعة من الأقوال الحكيمة والأساطير الشعبية. لذلك لا يلتزمون بالوصايا والنواهي ولا يقيمون شعائر السبت أو الطعام الشرعي إلا على نحو متقطع، من أجل الحفاظ على الفلكلور.
وتُشرّع اليهودية الإصلاحية والمحافظة، تعيين النساء حاخامات، كما شرّعت الشذوذ الجنسي بين الذكور والإناث، بل ويُرسّم الآن الشواذ والسحاقيات حاخاميين. ونجد أن الأغلبية الساحقة من يهود العالم الغربي إثنية أو محافظة وإصلاحية، ولا يمثل الأرثوذكس سوى أقلية لا تزيد عن 5%. وقد أقبلت الجماعات اليهودية على نوع جديد من العبادات، مثل الماسونية والبهائية وما يسمّى بديانات العالم الجديد، كالإيمان بأن شكل الهرم له قوى سحرية خارقة.
أما الجماعات اليهودية الهامشية، فهي لا حصر لها، مثل: السامريين الذين يؤمنون بالتلمود، والقراؤون الذين تمردوا على التلمود بتأثير الفكر المعتزلي الإسلامي. لكن لم يبق منهم سوى عدة آلاف في كاليفورنيا وبعض الأماكن في روسيا وإسرائيل. وهناك بقايا يهود كايفنج في الصين، ويهوديتهم كونفوشيوسية تماماً، كما نجد أن يهودية بني إسرائيل في الهند يهودية هندوكية.
يهود أم صهاينة؟
ليس كل اليهود صهاينة؛ لأن الصهيونية نشأت في البلدان الاستعمارية الغربية، ولم تنشأ البتة في الأوساط اليهودية. وقد أكمل كتابة الفكر الصهيوني من يسميان باللورد شافتسبري وسير لورانس أوليفانت، وهما غير يهوديان، مما يعني أن هناك صهاينة غير يهود. إن حركة الجماعات اليهودية، بما فيها الصهيونية، وهجرتهم، كانتا مرتبطتين بالحركة الاستعمارية الاستيطانية الغربية.
وظهر ذلك الإرتباط بوعد بلفور، وهو عقد بين الاستعمار الغربي والحركة الصهيونية، يقتضي نقل اليهود من شرق أوربا إلى فلسطين. وهكذا أصبحت الحركة الصهيونية حركة استيطانية تعمل على خدمة الاستعمار الغربي والدفاع عن مصالحه، وذلك مقابل حماية ودعم المشروع الصهيوني الاستيطاني مالياً. وبما أن يهود العالم لم يستطيعوا الانتماء إلى الحضارة الغربية لأسباب معقدة، فقد مثلت الصهيونية، التي بُنيت على فكرة الاستعمار ومن ثم الاستيطان، الحل لمشكلتهم بنقلهم إلى خارج أوروبا (فلسطين طبعاً).
إن تحالف الحركة الصهيونية مع القوى الإمبريالية، جعل الجماعات اليهودية التي عارضت الصهيونية تسقط في يدها. ولقد كان اعتراض الجماعات اليهودية على الطبيعة البراجماتية للصهيونية، ولم يكن الاعتراض على الصهيونية لأنها حركة استيطانية إحلالية. وبهذا التحالف الصهيوني الغربي أصبحت الدولة الصهيونية عميلاً وحليفاً استراتيجياً للتشكيل الاستعماري الغربي. وغدى الإنتماء إلى الغرب يعني الإنتماء إلى الصهيونية، التي هي أصلاً جزء لا يتجزأ من الحضارة الغربية المكونة لإطار الجماعات اليهودية.
بعد السقوط المدوي للجماعات اليهودية التي عارضت الصهيونية، أصبحت هذه الجماعات هي بدورها صهيونية، لها تأييد ورفض داخل هذه الحركة، فهناك صهيونية استيطانية، وصهيونية توطينية، وصهيونية نفعية. فمؤيدي الصهيونية الاستيطانية، هم من شرق أوروبا، يطالبون بالهجرة إلى فلسطين، والحفاظ على طابع دولة إسرائيل الصهيوني.
أما الصهيونية التوطينية فهي صهيونية غرب أوروبا ويهود أمريكا، وهم يطالبون بتهجير اليهود إلى فلسطين. وهم يشجعون المشروع الصهيوني، و يدعمونه مالياً وسياسياً، وينظمون من أجله التظاهرات، ولكنهم لا يهاجرون البتة إلى الدولة الصهيونية.
بينما تُعتبر الصهيونية النفعية هي صهيونية من ينضمون إلى الحركة الصهيونية من أجل ما يحصلون عليه عبرها من مغانم. وينطبق هذا الوصف على الصهيونية العالمية، وعلى جُل المهاجرين السوفييت الذين جاءوا مع موجة الهجرة.
الخاتمة
يكثّرُ الحديث في إعلام الغرب عن العنف، ونحن نتحدث عن المقاومة والقهر. ولا يمكن توقع أي سلام في ظِل بُنية الظلم والقمع والعدوان الصهيونية، ونستطيع المُضي نحو قدر ممكن من السلام بالتخلص من الصبغة الاستيطانية الإحلالية الصهيونية. ولا يمكن ذلك إلا بالتخلص من الصهيونية ذاتها.
ومفهوم التخلص من الصبغة الصهيونية ينطلق من إدراك أن الصراع المحتدم في الشرق الأوسط ليس لكره متجذر بين العرب واليهود أو اليهود والأغيار، وأنه ليس نتيجة العُقد التاريخية كما يدعي الصهاينة، وإنما هو وضع بنيوي يولّد الصراع، ونشأ عن تطور تاريخي وسياسي غير محدد. وما دام هذا الوضع مستمراً يبقى الصراع مستمراً، ولا سبيل لإنهائه إلا بِفك بنية الصراع ذاتها.

إضافة تعليق