الخصخصة.. آفاقها وأبعادها

التخصيص في حال تحققه بظروف مثالية سيؤدي بلا شك إلى نشوء اقتصاد قد لا يكون مثالياً، ولكنه يستند إلى قطاع خاص خلاق، ورأسمالية شعبية قوية، يستطيعان مع مرور الزمن الامتداد عبر الحدود ليحدثا واقعاً يفرض نفسه على النخب الأرستقراطية المسيطرة الآن، بشكل يدفعها إلى تقديم شيء إيجابي للوحدة العربية يتجاوز الكلمات عن البطولات والأماني.

الخصخصة: آفاقها وأبعادها، د. محمد رياض أبرش، د. نبيل مرزوق، ط1، دار الفكر، دمشق: 1999

هذا الكتاب هو السادس من ضمن سلسلة ((حوارات لقرن جديد)) التي تصدرها دار الفكر بدمشق. ويقع في أربعة أجزاء، الأول بعنوان: ((الخصخصة: النظرية والواقع)) للدكتور محمد رياض الأبرش؛ والثاني بعنوان: ((الخصخصة وأبعادها الاقتصادية والاجتماعية)) للدكتور نبيل مرزوق؛ فيما يحتوي الثالث على تعقيب للأستاذين الأبرش ومرزوق؛ ويشتمل الرابع على فهرس عام وتعاريف من إعداد صهيب الشريف. والكتاب جديد فيما يرمي إليه من كسر الحواجز بين التيارات الفكرية، وحمل كل طرف على أن يقرأ الآخر، ويتفهم وجهة نظره قبل أن يكون قناعاته ومسلماته.

يصنف الدكتور الأبرش في مقدمة بحثه الاقتصاديين العرب إلى ثلاثة أصناف: الأول انتهازي يتهم بالأمور العاجلة والملحة، أو التي تواجه الأمة على المستقبل المنظور، بقدر اهتماماته بالتقرب من السلطة طمعاً في منفعة آنية أو مزية من مزاياها...))؛ والصنف الثاني ((عقائدي أو ذو رؤى ذاتية يعتقد أن الأمور الاقتصادية تحتاج إلى معالجة مبدئية باللونين الأسود والأبيض، ولا مجال لأي لون رمادي يعكس تدخل الألوان في واقع الحياة؛ أما ثالث الأصناف فيضم ((رجالاً عمليين يجمعون درجات متفاوتة من العلم إلى الخبرة والتجربة العملية، وهؤلاء يتهمون كثيراً بالهدف والغاية النهائية وكرم العنب، ولا يهتمون كثيراً بالناطور الذي يحرس هذا الكرم أو حتى بالطريقة للوصول إلى العنب...)). ويعتقد الأبرش أن الفكر الاقتصادي العربي يعيش مأساة كبرى نتيجة انهيار الحلم بوجود ((المدينة الفاضلة، أو ما يمكن أن يكون عالماً تسوده العدالة الطوباوية المطلقة...)) ويلفت إلى ضرورة الاعتراف بوجود ((قطاع خاص وقطاع عام وقطاعات مشتركة ومختلطة فيما بينها...)).

ويرد الكاتب تهمة العجر عن القطاع الخاص، مضيفاً أنه قادر على ((حمل عبء التنمية الحقيقية...)). وأن اعتبار القطاع العام هو الحل لكل المشاكل الاقتصادية، أمر دحضدته تجربة الاتحاد السوفياتي (السابق) الذي ((بقي رغم نشاطاته التكنولوجية التي جعلت منه لفترة سابقة قوة عظمى في الميدان العسكري، بقي من حيث اقتصاده دولة نامية...)). ويرد الدكتور الأبرش تهمة الفساد والإفساد عن القطاع الخاص، ويرى أن الفساد ((ظاهرة إنسانية تتواجد في جميع الظروف والأحوال بطرق وأشكال مختلفة، وإن كانت تزداد مع وجود عدم الشفافية وسيطرة الدول الشمولية)).

لماذا الخصخصة؟

ينقل الدكتور الأبرش تعاريف عدة للخصخصة تظهر اختلاف الاقتصاديين وتباين وجهات نظرهم، فمنهم من يعدها مجرد ((إعادة ملكية القطاع العام إلى الأفراد))... في حين تعني لآخرين ((العودة للعمل بآليات اقتصاد السوق دون إعادة الاعتبار للقطاع الخاص))، ويسجل أسباباً كثيرة لهذه الإعادة أو العودة، أهمها:

أ - أسباب سياسية ((نشأت نتيجة عمل الإدارة الاقتصادية المتأثرة بالأفكار التدخلية الماركسية منها، أو الكينزية...)).

ب - أسباب إدارية تقوم على ((انعدام الكفاءة في القطاع العام بسبب انعدام الحساب الاقتصادي في تصرفات معظم السياسيين بسبب انعدام العقلانية)).. فالقطاع العام مزارع لمحاسيبهم وأنصارهم)).

جـ - أسباب اقتصادية، وتكمن ((في أن الدول الشمولية المؤمنة بالفكر التدخلي تقوم بتعطيل آلية السوق واستبدالها بالعقل الإنساني على شكل تخطيط عقلاني شامل))... وكانت النتيجة ((اختلالاً في توزيع المصادر الاقتصادية وتفاوتاً هائلاً في مستوى العيش...)) وقد نجم عن هذا الاختلال الاقتصادي ظهور العجز في كل من ميزانية الدولة والميزان التجاري وميزان المدفوعات، وميزان الادخار، وتفاقم التضخم، وحدوث تدهور مريع في قمة النقد.

د - الفساد في الإدارة الحكومية بسبب ((انعدام المثل الأخلاقية لهذه الإدارة... وانعدام الشفافية بالكامل...)).

هـ - ضرورات الاستثمار والتنمية وضرورة الأخذ بمبادئ الحساب الاقتصادي الذي يقتضي حل وتصفية الشركات العامة الخاسرة وزيادة كفاءة الشركات الرابحة مما يؤدي إلى زيادة كفاءة الاقتصاد بشكل عام)).

و - ضرورات المرحلة الحالية للتنمية الدولية، واعتبار التخصص أنه ((تغيير في أولويات الأهمية بين هذه القطاعات، وإعادة ترتيب البيت الداخلي)).

ز - ضغوط المنظمات الدولية ((لدفع الدول النامية اعتباراً من العام 1994 باتجاه التخصيص واقتصاد السوق، مستخدمة أدوات الترغيب والترهيب، أي العصا والجزرة.

ويسجل الدكتور الأبرش جملة صعوبات تواجه عملية الخصخصة وأبرزها:

أ - الصعوبات العقائدية والفكرية والنفسية، فالخصخصة ((تثير الكثير من الحساسيات والشجون والجدل، وأهم الأسباب لذلك هو العداء النفسي المستحكم للقطاع الخاص بين النخب المهيمنة...)).

ب - الأسباب السياسية، إذ إن ((العودة إلى الاعتماد على الاستثمارات الأجنبية يجعل حتى بين بعض الحكومات الليبرالية في الدول النامية شعوراً بالغثيان)).

جـ - أسباب اجتماعية، أن اقتصاداً يحرم عمرهم أو نوعهم أو العاطلين عن العمل، من المشاركة العادلة في منجزات الاقتصاد الوطني، ويمتد هذا الحرمان إلى موظفي وعمال الخدمات العامة محدودي الدخل.

د - أسباب اقتصادية. أما في البلاد العربية، فإن الخصخصة تواجه مقاومة كبيرة بسبب:

أ - عدم القناعة بالقطاع الخاص.

ب - الضغوط السياسية وتعني محاولة موازنة الضغوط الاجتماعية الكثيفة مع الضغوط الدولية من أجل التخصيص.

د - المرحلة التنموية التي تمر بها البلاد العربية.

الخلاصة والنتائج

ينتهي الدكتور الأبرش إلى أن ((التخصيص لا يشكل بحد ذاته وصفة سحرية، ولا حلاً لكل المشكلات الاقتصادية، لا في البلدان العربية ولا في غيرها، لأن الظروف الاجتماعية ليست واحدة بين كل بلاد العالم)). وأن الجدل بين الموقف المؤيد لاقتصاد السوق المناهض لدور الحكومات أو المؤيد له و المناهض لاقتصاد السوق جدل غير متوازن لافتقارنا إلى نظرية شاملة لعيوب دور الحكومات، أو ما يمكن أن يسمى فشل الاقتصاد غير القائم على السوق. وتكون (هذه النظرية) المرادف للنظرية القائمة الخاصة بفشل اقتصاد السوق.

ويرى الدكتور الأبرش أنه من الممكن تحقيق التنمية بأتباع أي من الطريقتين، لكن الاعتماد على القطاع الخاص ينمي الإبداعية في أفراد الشعب، ويشجعهم على العمل والكسب، واقتحام المخاطر والأسواق، بينما يصبح الإنسان في الدول التي تعتمد على القطاع العام اتكالياً.

ويلاحظ أن ((الدول العربية ماتزال متفاوتة النظرة إلى القطاع الخاص والتالي إلى الخصخصة... (لأن) البنى الاجتماعية التي قادت الطريق إلى سيطرة القطاع العام مازالت هي المسيطرة، ولا يعقل منطقياً أن يرتجي منها أن تقوم هي نفسها بتفكيك ما بنته...))، ويخلص الدكتور الأبرش إلى أن ((التخصيص في حال تحققه بظروف مثالية سيؤدي بلا شك إلى نشوء اقتصاد قد لا يكون مثالياً، ولكنه يستند إلى قطاع خاص خلاق، ورأسمالية شعبية قوية، يستطيعان مع مرور الزمن الامتداد عبر الحدود ليحدثا واقعاً يفرض نفسه على النخب الأرستقراطية المسيطرة الآن، بشكل يدفعها إلى تقديم شيء إيجابي للوحدة العربية يتجاوز الكلمات عن البطولات والأماني.

الخصخصة وأبعادها الاقتصادية والاجتماعية

يعالج الجزء الثاني من الكتاب الذي خطه الدكتور نبيل مرزوق ((الخصخصة وأبعادها الاقتصادية والاجتماعية))، وينطلق من قاعدة ((أن مفهوم الخصخصة ليس مفهوماً مجرداً أو محايداً، فهو يعكس رؤية ومصالح لفئات اجتماعية محددة، ويطرح في إطار الصراع الاجتماعي الدائر من أجل العدالة الاجتماعية والتقدم)). وهو يرى أن الملكية هي هدف للسيطرة والقوة بالنسبة إلى رأس المال، بينما هي وسيلة لتحقيق عدالة التوزيع والتنمية المستمرة بالنسبة إلى المجتمع. ويشير إلى أن الدول العربية قد خضعت لتوجيهات المؤسسات المالية والدول الكبرى وضغوطها لالتزام برامج (الإصلاح الهيكلي) التي هي ((تعبير عن عملية التحول من العام إلى الخاص...)) والتي تطرح الآن على البلدان النامية حلاً لمشكلاتها، وبديلاً لنهجها التنموي السابق، في وقت هي أحوج ما تكون فيه لاستراتيجية تنموية منسجمة مع أوضاعها ومع الشروط التي تفرضها العولمة الرأسمالية في مرحلتها الراهنة. خاصة أن ((الخصخصة كمحور لعملية إعادة الهيكلة، لم تحقق في أي مكان في العالم الأهداف المعلنة لها، فالمديونية الخارجية قد ازدادت في معظم هذه الدول وتراجعت معدلات النمو في الكثير من الحالات وازداد التفاوت الاجتماعي في الثروة والتدخل، وتعرض العديد من الدول لاضطرابات وتوترات تهدد الوحدة الوطنية، بل مستقبل هذه الدول. وعوضاً عن توسيع قاعدة الملكية في المجتمع، تم استيلاء قوى محدودة داخلية وخارجية على الثروة الوطنية وأصبح نفوذ رأس المال الأجنبي أكبر ومهدداً للسياسة الوطنية...)).

وفي معرض إجابته عن السؤال عن سبب الإصرار على تنفيذ هذه السياسة، يتناول الدكتور مرزوق أربعة عناوين هي: ((نشأة القطاع العام في البلاد العربية وتطوره))، ((النظرية الاقتصادية السائدة منشؤها ومفاهيمها الأساسية))، ((برامج التصحيح الهيكلي والخصخصة))، ((استنتاجات وتوصيات عامة)).

يلحظ المؤلف أن نشأة القطاع العام في البلاد العربية تعود إلى مرحلة الاستعمار الغربي، الذي أقام المرافق لعامة لإحكام سيطرته واستغلاله للموارد المحلية. وبعد الاستقلال اتجهت الحكومات إلى تأميم رأس المال الأجنبي ومصادرته وهو الذي شكل ((النواة الأولى للقطاع العام)) في حين كانت سياستها تجاه رأس المال المحلي تتسم بالليبرالية وبتوفير الحماية والدعم.

وقد ساعد صندوق النقد الدولي والبنك الدولي على التوسع في القطاع العام، كما حرّضا على الدور الاقتصادي للدولة. أما عن ((النظرية الاقتصادية السائدة))، فإن الدكتور مرزوق يقول: ((إنها تفتقر إلى العلمية والموضوعية وافتراضاتها لا علاقة لها بالواقع)) إذ إن سلوك الفرد لتعظيم منفعته لا يأخذ بالاعتبار المصلحة العامة إلى المجتمع، مما يجعل السوق غابة البقاء فيها للأقوى، ويعزو الدكتور مرزوق أسباب التحول الاقتصادي إلى ظهور الأزمة الاقتصادية في النظام الرأسمالي العالمي منذ أوائل السبعينيات وتدهور معدلات التبادل التجاري للدول النامية في الثمانينيات وبروز أزمة مديونية هددت النظام المصرفي والمالي العالمي بالانهيار نتيجة تورط عدد كبير من المصارف بديون مشكوك في إمكانية تحصيلها. وهذا الأمر دفع بالشقيقين الدوليين للدعوة إلى ((تحرير الأسعار والتجارة ونقل ملكية المنشآت العامة إلى القطاع الخاص)).

مما يساهم - على حد زعم الصندوق والبنك - في تقليص الأعباء المالية للدولة، وتحسين الكفاءة ومردودية الاستثمارات والموارد، وتوفير موارد لتخفيض الدين الخارجي والأعباء المترتبة عليه، والاستفادة من مشاركة رأس المال الأجنبي. ويؤكد الدكتور أن التجارب في العديد من الدول قد بينت محدودية الأثر المادي والعائد الصافي لتلك المبيعات. إضافة إلى أن بيع هذه الشركات يفقد الموازنة تدفقات سنوية. ويجزم بأن عمليات الخصخصة تحولت في كثير من الحالات ((إلى وسيلة لإثراء بعض المتنفذين وأتباعهم وللاستيلاء على الثروة الوطنية والميراث الاجتماعي لعقود سابقة...)).

ويسجل الدكتور مرزوق جملة عوامل عائقة لنقل الملكية من العام إلى الخاص وأهمها: ضعف مستوى تطور القوى المنتجة والقطاع الخاص عموماً؛ ضعف السوق المالية المحلية ومحدوديتها؛ التكاليف المالية الكبيرة المترتبة على عملية الخصخصة؛ مقاومة العمال وبعض الإدارات. ويشير إلى أن العديد من الدول التي خصخصت قطاعاتها مازالت مديونيتها ((في ازدياد على الرغم من تخلصها من جزء هام من القطاع العام)). كما زاد التفاوت الاجتماعي والتمركز في الثورة في أيدي الخمس الأكثر دخلاً من السكان... وتم استبدال الملكية العامة بملكية عدد محدود من الأفراد.

استنتاجات وتوصيات عامة

إن الاستنتاج الرئيسي الذي يستخلصه الدكتور مرزوق هو أن عوامل ضعف القطاع العام ((نجمت عن ظروف نشأته وأسلوب تطويره في المرحلة اللاحقة...)) وأن آليات السوق في ظل النمو الهائل للشركات عابرة القومية، وسيادة احتكار القلة في قطاعات الإنتاج الأساسية والديناميكية منها خاصة لا يتيح إمكانية تحسين الكفاءة الاقتصادية بشكل عام. حيث لا وجود للمنافسة المزعومة بشكل فعلي، وحقيقة السوق هي هيمنة وسيطرة من قبل الأقوى والأقدر، وليس الأكفأ. ويدعو الدكتور مرزوق إلى مواجهة الخصخصة بتأكيد أهمية بلورة استراتيجية العمل الاقتصادي العربي المشترك التي تضمن: الوفاء بالحاجات الأساسية؛ والاعتماد على الذات قطرياً وقومياً؛ تحرير الإنسان العربي وتحرير قدراته المبدعة للمشاركة بصفة أساسية في عملية التنمية؛ إرساء دعائم التنمية الذاتية المتواصلة؛ الحفاظ على التراث الحضاري وإعادة تأكيد الطابع الوطني للثقافة؛ صيانة البيئة والحفاظ على التوازن البيئي.

أما الجزء الثالث من الكتاب، فقد تضمن تعقيبين الأول للدكتور الأبرش حول ((ضرورة الاستثمار في الاعتماد على الملكية العامة))، والثاني للدكتور مرزوق يتضمن مناقشة للدكتور الأبرش.

* * *

 

قرطاس - عرض: سمير أحمد - العدد: 65 - بتاريخ: 01/05/2002 - الصفحة: 24

 

إضافة تعليق

1 + 18 =
Solve this simple math problem and enter the result. E.g. for 1+3, enter 4.