آفاق..في مدح الثرثرة!

(إذا كان السكوت من فضة فإن الكلام من ذهب, وإذا كان الكلام المدروس من لؤلؤ فإن الثرثرة الحرة من الماس).
-1-
كان (نيتشيه), وهو فيلسوف رجعي له ولع بالتفاصح التقدمي, يقول: (الإنسان هو الحيوان الوحيد القادر على أن يتعهد, أو يقطع على نفسه وعداً) ولكن الكلمات التي انزلها المسؤولون العرب إلى البورصة هي (شيكات بلا رصيد) والعهود التي يسوقونها إلى المقصلة هي كرات زجاجية تتدحرج في الفراغ, لقد ثبت أنهم يستخدمون الكلمات للتملص لا للالتزام, للإيقاع, لا للحوار والعلاقة بين المتحدث والمتحدث معه هي علاقة الفريسة بالصياد, من ينجح في الخديعة هو المنتصر, ومن تنطلي عليه الخديعة هو الخاسر, المسؤول الكبير يصدر شيكات كلامية بلا رصيد إلى موظفيه, وهؤلاء يوزعون هذه الشيكات على المواطنين بلا حساب, وبالعكس يصدر المواطنون شيكات بلا رصيد إلى كل ممثلي السلطة بلا استثناء, وهؤلاء ينقلونها إلى المقامات العليا بعد أن تفرغ من كل محتواها, سلوك المسؤولين يعتبر (حصافة إدارية وخبرة مسلكية) وسلوك المواطنين يعتبر (فلهوية واقتدارا) مكاتب كبار المسؤولين مطابخ لتصدير السلع الكلامية المجانية, وعقول المواطنين مطابخ لتصدير أساليب مبتكرة في (الابتزاز) وأفدح ما في الأمر أن الاثنين معاً المسؤول من جهة, والمواطن من جهة ثانية يعرفان أن الكلام هو شيك بلا رصيد, ولكن اللعبة مستمرة بدون اعتراض, بدون ملل, بدون كشف.
-2-
تروي التوراة أن الله حين طرد (آدم) من الجنة صرخ في وجهه:
(بعرق جبينك تأكل خبزك), ومنذ ذلك الوقت أصبح العمل ضريبة فادحة تثقل كاهل الإنسان, و (نقمة بغيضة) ينوء بأعبائها نسل (آدم) ولكننا من هذا النسل أكثرهم تهربا من دفع الضريبة وأكثرهم تذمراً من هذه النقمة، (المحسود) عندنا هو ليس من يتنعم من عرق جبينه, وإنما من تهبط عليه النعمة من حيث لا يدري والمثل الأعلى الذي نتمنى أن نكونه هو (المتلاف) الذي يهدر ثروته بلا حساب ويرفض أن يدفع ثمن إتلافه وتبذيره.
ويقول الموظف لزميله مفاخراً: (ثق انني لا أعمل, وإنما أداوم, وفي نهاية الشهر أقبض راتبي) فيحسده زميله, ويتمنى لو كان في مثل وضعه.
النظام المركزي الكثيف الذي نتمسك به, رغم نفورنا منه, يشجع على التهرب من العمل, واللامسؤولية, الكل من أصغر موظف إلى أكبر مسؤول يتذمر دوما ويشكو: (لا أملك من أمري شيئاً) من الذي يقرر اذن؟ ألعلها مافيا غامضة تحكم من وراء الحجب الصفاق؟
-3-
إنني من المغرمين بالثرثرة, إذ أجد فيها تعزية للإنسان من جهة, وفضحاً لحقيقة نوازعه, من جهة ثانية, ومن المتخوفين من الصمت إذ أجد فيه استقالة غير معلنة, وموقف انسحاب, وإدانة مكتومة, وقد وقر في ذهني, لا أدري لماذا, إن الإرث الحضاري الذي تحدر إلينا من مصادر متنوعة ليس أكثر من ضرب من الثرثرة على طريقتنا.
إن الإنسان العربي الذي يتهم عادة بأنه يفرط بالكلام أكثر من اللازم, ويهدر مخزونه اللفظي دون طائل, لا يتكلم بما فيه الكفاية, أو على الأقل لا يكثر من الثرثرة الحرة بما فيه الكفاية, مفضلا الاستقالة اللفظية دون مبرر, ثم إن الذين يتكلمون يفضلون دوماً أن يدرسوا ما يتكلمون عنه بعناية زائدة, حتى أضحى كلامهم أقرب ما يكون إلى تقارير مصمغة تخلو من البراءة والعفوية. وكم نحن بحاجة إلى ثرثرة حرة لا تراقب ولا تؤطر, ولا تدخل في (حذاء صيني) محدد المقاسات. ألا ترى بأن ثرثرتنا هي ثرثرة موظفة توظيفا مصلحيا, ويغلب عليها الانتهاز المسكين, إذاً ما تفسير هذه الأمثال التي غزتنا وتغزونا دوما: (ابعد عن الشر وغن له) أو (فخار يكسر بعضه) أو (اليد التي لا تقدر عليها قبلها وادع عليها بالكسر), إنها تطالبنا بكل وقاحة, ألا نفتح أفواهنا إلا لتأمين حاجتنا الآنية المباشرة, وتحظر علينا التحدث بالقضايا العامة حيطة وتحسبا, بل إنها تجعل من أعظم القيم سلعا تخضع لقانون الربح والخسارة.
أحد كبار مثقفينا برر صمته اليائس بأربعة أسباب:
أولها: إنه كثيراً ما يكون الكلام فنا لإخفاء الفكرة, وإذن لا بد من الصمت لا يقاف الرقص المجنون بالألفاظ وثانيها: إنه قد نقع فريسة اللعبة اللغوية, وعندئذ لا تصبح الحقيقة هدفنا, وإنما يصبح الهدف هو التلذذ بالمهارة الكلامية. وثالثها: إن الكلام يفقد قيمته حينما يصبح وظيفة إعلامية ورابعها: أن لا فائدة من الكلام لأنه قد استوى الماء والخشب في حياتنا, وأن لا جدوى من التحرك سواء تكلمنا أو أخلدنا إلى الصمت.
ولم أقتنع بهذه الحجج, وما زلت مصراً على ضرورة الثرثرة, أولا من المحتمل أن ينزلق الكلام ليصبح فنا لإخفاء الفكرة, ولكن الصمت هو دوما (مؤامرة لاغتيال الفكرة) المتكلم – سواء أكان نبيا أم دجالا – مفضوح, وإذاً يمكن محاسبته إيجابا أو سلبا, ولكن الصامت – نزيها كان أو مدعيا – هو مستقيل, متوار, وإذن يتعذر (القبض) عليه, مأساة الوطن العربية هي في تضخم عدد المستقيلين, خوفا أو قرفا أو يأسا, لا من تضخم عدد الثرثارين الذين (يجيدون اخفاء الأفكار) إن قساوة المعركة في الوطن العربي ما عادت تسمح بازدهار هذا الفن (المشبوه).
وثانيا: إن أكثر ما نشكو منه هذه الأيام هو ليس غزارة المهارة الكلامية, وإنما اختفاؤها نهائياً, إن السمة المميزة لعصرنا ليست في كون الغث يعتقد بأنه دسم عميق, وإنما في مطالبة الغث بحقه في أن يكون غثاً, بمعنى آخر, أصبحت الغثاثة من الحقوق المشروعة. لقد اختفى فرسان المهارة الكلامية, وطفا على السطح فرسان الغثاثة, وهؤلاء لا يتكلمون, وإنما يجعلون من صمتهم ضجيجا, ومن خوائهم امتلاء.
وثالثاً: لم يعد الكلام هواية (مترفة), إنه وظيفة اجتماعية وسياسية, ولم يعد الكاتب إنسانا فائضا عن الحاجة, إنه ملتزم يؤدي مهمة خطيرة للغاية. لقد مللنا الكلام (المتطفل) الذي يملأ الساحات دون دعوة رسمية, وضقنا ذرعا بالكتاب الهواة الذين يحتشدون في كل مكان حاملين معهم براءة مصطنعة, وتعالياً مزوراً, إننا بأمس الحاجة إلى الكتابة – الوظيفة, وإلى الكتاب المسؤولين, فهؤلاء هم الذين يقدمون الأدب الرفيع والحضارة اللائقة.
ورابعاً: القول إنه قد استوى لدينا (الماء والخشب) وإننا واثقون بعدم الجدوى, سواء تكلمنا أم أخلدنا إلى الصمت, اعترافاً بالهزيمة والاستسلام, ودعوة مكشوفة إلى الاستقالة والانسحاب, ولا بد من الانتماء إلى صف المثرثرين الذين يرفضون الصمت والاستقالة.
-4-
يزعم أن الفنانين هم أولا وقبل كل شيء أناس يعرفون كيف يفكرون بأيديهم, الخيال يتبدد بسرعة, وحركات الفكر والوجدان سريعة الزوال, ولكن اليد هي وسيلة الفنان لاستيعاب تلك الأطياف الشاردة وتزويدها بالصورة التي تضمن لها البقاء, فلماذا لا نفكر بأيدينا, ولا نحاكم بأيدينا؟.
لو فعلنا – وهذا ليس مستحيلا ولا صعبا – لانتزعنا (الفعل) من أيدي من لا يفعلون, وإنما يتآمرون ويهدمون, ويخربون, لو فعلنا لسحبنا المسؤولية, كل المسؤولية, من احتكار القلة المتحكمة المستبدة ووضعناها في أيدي الرجال (المناسبين في الأماكن المناسبة) لو فعلنا لانقلب الكلام إلى (عملة صعبة) لا تقبل المقايضة ولا المبادلة, ولانقلب الفعل إلى انجاز حقيقي, ولا نسحب من التداول ذلك الكلام الذي لا رصيد له, وذلك الفعل الذي لا يتجاوز (طقطقة الأسنان) في الفم.

إضافة تعليق