لاتح .. اعتراض على القولبة اللغوية


جريدة " الوطن " العمانية   10/10/2008

محمد عبد الخالقآثر مؤلف كتاب (لاتح) أن يعترض .. والاعتراض عند مؤلفه يتخذ مناحي عدة في الكتابة من حيث الشكل والمضمون، فمنذ تطالع عيناك عنوان الكتاب تحتاج فجأة إلى إعادة تقليب المعنى في ذهنك قبل أن تنطق الاسم (لاتح) ثم بعد أن توفق في نطق الاسم عليك أن تتمعن في دلالته اللفظية.

 بالطبع الكلمة ـ أو بالأحرى العبارة ـ ناقصة في الحروف لكنها بحاجة إلى إعمال آلية الاستدلال المنطقي للتوصل إلى الحروف الناقصة ، وذلك لكي تتوصل إلى المعنى المراد ، وبذلك عليك التماس قمة الحساسية في استعمال اللغة، كما أراد لها المؤلف أن تكون، وكما أراد لدلالات كلماته المنتقاة بعناية وأولها العنوان (لاتح) ومعناه الداهية الذي يحسن قراءة مضامين النصوص.

كذلك حملت عناوين (مقاطع) الكتاب كلها نفس الآلية .. آلية استقطاع جزء من الكلمة على أن يتولى المتلقي استكمالها في تفاعل ثلاثي بين المبدع والعمل الأدبي والمتلقي، كي تكتمل العملية الإبداعية وتؤدي غرضها، وقد اكثر المؤلف من استخدام أدوات النفي وأدوات الاستفهام والحروف في نحت شديد الخصوصية للأدوات اللغوية .

على مستوى المضمون يلعب الرمز دوراً مهماً في توصيل المعنى الذي أراده الكاتب جريا على درب الذين اشتهروا بـ(الترميز) في تاريخ الأدب العربي والعالمي أمثال بيدبا الفيلسوف وابن حزم وسرفانتس، لكن جوهر الاعتراض الذي يبدو أكثر تعبيراً عن نفسه هو الاعتراض على رتابة التعاطي مع لغة الوعظ والإرشاد، التي يحفل بها التاريخ العربي في انفصام تام بين الموعظة، على بلاغتها، وبين مدى مبادرة الإنسان العربي للعمل بها، فيما يراه الكاتب انفصاماً بين الماضي والحاضر (ما لنا الآن لم يكن لنا أمس) وبالتالي فالدعوة في (لاتح) تقوم على ضرورة الوعي بالماضي وربطه بالحاضر كي نستوضح السبيل نحو المستقبل، حيث يبارح الكاتب لغة الوصاية في النهي إلى لغة الوصايا (بفتح الواو) والحض على إصلاح الذات العربية التي عانت كثيراً من المتناقضات ومن حالة من التيه بين القول والفعل: (لن تحيا وحولك تنمو ثمار فاسدة الطعم تسقى بذورها برضاك) ص12.

على المستوى الشخصي، فإن ما يشدني في هذا لكتاب هو أنه يمنع التبسط في التعاطي مع تراكيب اللغة العربية، فالنواهي وأدوات النفي والتوكيد هي صيغ تمتاز بالقوة في مدلولاتها اللغوية ومن ثم فإن التعبير بها لابد أن يستدعي يقظة ذهنية حالة كونك تقرأها. وأنت تقرؤها بحساسية شديدة على نفس مستوى الحساسية التي كتبت بها، وهذا أقصى عمليات التنبيه للعقل العربي ودعوته إلى الصحوة، لتلك الصحوة التي دعا إليها عديد من المفكرين العرب بوسائل عدة من لغة القول.

إذا أدوات المؤلف .. عبدالحميد الطائي.. في تفعيل الصحوة العقلية العربية هي ذلك الأسلوب من الدهشة الفجائية التي تصنعها لغة الاعتراض على التبسط في توظيف العقل العربي وهو تبسط أدى به إلى حال من الخمول الفكري أو التغريب أو كليهما معا (لن تحتمل طرق أبواب القيود بطرف إصبع نحيف) ص 11 ، إذا كي ينكسر القيد لابد من الطرق عليه بقوة من حديد حيث لا يفل الحديد إلا الحديد، وليس طرف الإصبع النحيف. هكذا تصان الهوية كما يريد لها الكاتب، منطقة وسطى ما بين (خير اللنات) و(شر اللنات) و(جوهر اللنات) .. (لأننا نحن من يدون للذكرى دون أن نعتبر) من ص 15 ، إلى ص 31 ، إذا فهذه الهزهزة الوجدانية للوعي العربي تستدعي أن يكون المتلقي حذرا اشد الحذر وهو يجول بعينيه بين ثنايا الكتاب.

لقد احتفى الكاتب حفاوة بالغة بتوظيف أدوات النفي والنهي والاستفهام بدقة لكنه اكتفى بأنصاف الكلمات، أو ربما أرباعها في الأجزاء من العبارات التي لابد للمتلقي أن يكون في تمام اليقظة العقلية وهو يتابعها بناظريه ويتمعن بها ثم يعيها وعياً كاملاً باستكمال دائرة الاستدلال المنطقي فيها، حتى يفهم المعنى المراد، ولا بأس ان يتسلح المتلقى بـ (مربع أرسطو) أو (لسان العرب) كي يزداد فهماً ووعياً لمرامي وغايات الرمز في (لاتح).

النقد السياسي ليس غائبا في الكتاب..(لا تعذب إنسانا أنت له أمان) ص 21 ، هنا تناصح لا يخلو من مماحكات سياسية خاصة اذا أضفنا لهذا النهي التناصحي نواهي أخرى من مثل (لا تعزف لحنا مسروقا لرايات من تراب منهوب) و(لا تعسل مرارة القهر.. لن يتغير الطعم) فهذه النواهي هي ضرب من الحكمة السياسية البالغة.

لغة ( لاتح) لغة فريدة في ذاتها أو بالأحرى هي تعاط فريد مع اللغة .. أو لنقل: نحت فريد لها .. لم يهتم الكاتب بالوزن أو القافية فأخرج كتابه من أسر الشعر، ولم يكترث باكتمال صدر الجملة مع عجزها لتعطي معنى مستقيماً فتكون نثراً، إنما أراد لها أن تكون مستوى ثالثا من الاستخدام اللغوي يخرج عن هذا التصنيف الثنائي التقليدي للقول كما حدده ناظم لقواعد اللغة بقوله: كلامنا لفظ مفيد كاستقم .. واسم وفعل ثم حرف .. الكلم.

فالمؤلف في (لاتح) أورد اسماً وفعلاً وحرفاً، ثم ترك شرط الاستقامة كما وضعه (ابن عقيل) ونظراؤه مشاركة بين المبدع والمتلقي، وهنا نترك الكتاب بعيداً عن جدليات وظيفة العملية الإبداعية كما رآها واضعو المدارس الأدبية ونتوقف عند توظيف جديد ينهض على أساس (الشراكة اللغوية) التي تميز هذا الضرب من ضروب التعامل مع لغتنا الجميلة ومضامينها التي جعلت منها (لؤلؤاً منثوراً) ليجتهد عليها جامعوها مشاركة، إن أرادوا أن يمتلكوها على نحو ما لم يكن القدماء يمتلكونها.

أما المؤلف الباحث عن الحرية في الشكل والمضمون فيظل على طول الكتاب ينفر من القولبة اللغوية الموروثة بكل أشكالها، بحثا عن (الداهية) المنشود.

 

محمد عبدالخالق

 

 

إضافة تعليق

4 + 7 =
Solve this simple math problem and enter the result. E.g. for 1+3, enter 4.